حجم الخط:

محتوى الدرس (232)

كتاب الوقف


أحكام الوقف

خريطة ذهنية لأحكام الوقف

جدول 131 كتاب الوقف

معنى الوقف:

الوقف لغة: الحبس، ويجمع على أوقاف ووقوف.

واصطلاحًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.

شرح التعريف:

المقصود بـ«الأصل» عين المال الموقوف؛ كالدار والسـيارة والشجرة، فيحبس هذه الأشـياء، يعني يمنع تملكها بالبيع والميراث والهبة ونحو ذلك. وأما «تسبيل المنفعة» فالمقصود: منفعة هذه الأشـياء؛ كالغلة والثمرة والأرباح، فتصـرف هذه المنافع إلى الجهة الموقوف عليها، أي: أن المنافع تصـرف في وجوه البر.

مشروعية الوقف:

ثبتت مشـروعية الوقف في السنة: فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر بخيبر أرضًا، فأتى النبي ﷺ فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، فتصدَّق عمر رضي الله عنه أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث- في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضـيف، وابن السبيل، لا جناح على من وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا، غير متمول فيه[1].

الحكمة من الوقف:

الوقف فيه بر بالفقراء بعد موت الواقف، مما يكون سببًا لاستمرار الثواب له بعد الوفاة؛ لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»[2].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا، فإن شِبَعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات»[3].

وعند ابن ماجه أن رسول الله ﷺ قال: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشـره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته»[4].

نماذج من وقف الصحابة رضي الله عنهم:

(1) تقدم حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وقفه أرضَه بخيبر، وهي أحسن أمواله.

(2) عن أنس رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وأمر ببناء المسجد قال: «يا بنى النجار، ثامنوني بحائطكم هذا؟» فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى[5].

(3) وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من حفر بئر رومة فله الجنة» قال: فحفرتها. وفي رواية: أنها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة، وكان يبيع القربة بمد، فقال له النبي ﷺ: «تبيعها بعين في الجنة»، فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: «نعم» قال: قد جعلتها للمسلمين[6].

(4) وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء»، فحفر بئرًا وقال: هذه لأم سعد[7].

(5) وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشـرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقه لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله ﷺ: «بَخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، قد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه[8].

(6) وتقدم في حديث خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قال: «وأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله»[9].

(7) وأمام كل هذا ما ثبت عن عمرو بن الحارث بن المصطلق رضي الله عنه قال: ما ترك رسول الله ﷺ إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضًا تركها صدقة[10].

حكم الوقف:

[تمهيد]

قال الشـيخ ابن عثيمين: (الوقف هو تبرع بالمال، وحبس له عن الإسـراف فيه، فإذا كان على جهة مشـروعة كان مستحبًّا؛ لأنه من الصدقة، وإذا نذره الإنسان كان واجبًا بالنذر، وإذا كان فيه حيف أو وقف على معصـية كان حرامًا، وإذا كان فيه تضـييق على الورثة كان مكروهًا، فيمكن أن تجري فيه الأحكام الأربعة أو الخمسة)[11].

انعقاد الوقف:

يصح الوقف وينعقد بالقول والفعل:

(أ) أما القول: فينقسم إلى صـريح، وكناية:

«فالصـريح» كقوله: وقفت داري، أو وقفت سـيارتي، وكذلك قوله: حبست أرضـي وسبلت منفعتها.

و«الكناية» كأن يقول: تصدقت بسـيارتي وينوي بها الوقف، أو يكون هناك قرينة تدل على أنه أراد الوقف، كأن يقول: تصدقت بسـيارتي، لا تباع، فقوله: (لا تباع) قرينة تدل على الوقف.

واعلم أن الفرق بين الصدقة والوقف: أن الصدقة تبرع كامل للمتصدق عليه، فيمكنه الانتفاع بريع الصدقة، كما يمكنه أن يتصـرف في أصلها بالبيع والهبة، وأما الوقف فقد علمت أنه انتفاع بالريع فقط، وأما الأصل فيحبس عن البيع والهبة ونحوهما.

(ب) وأما الفعل: فيشترط أن يصاحبه قرينة تدل على الوقف، فمن ابتنى مسجدًا فإنه يصـير وقفًا بذلك، ولو بنى أرضًا على أنها مقبرة وقال للناس: من شاء أن يدفن فيها موتاه فليفعل، فقد صارت بذلك وقفًا.

ثبوت الوقف:

ذهب جمهور العلماء إلى أن الوقف عقد لازم، أي: أنه يَلزَم صاحبَه بمجرد صدوره منه وليس له الرجوع فيه، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فرأى أنه غير لازم، وأن للواقف الرجوع فيه، إلا أنه إذا أوصـى به بعد موته لزمه، وكذلك يلزمه عند أبي حنيفة إذا حكم حاكم بلزومه.

والقول الراجح هو قول الجمهور؛ لما ورد في الحديث السابق: «لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث»[12]. فالوقف إزالة الملك عن الواقف، ويحبس على حكم الله تعالى على وجه تعود المنفعة فيه إلى العباد.

تعليق الوقف بالموت:

(1) إذا علق الوقف بما بعد الموت[13] فمتى يلزم؟

اختلف العلماء؛ فمنهم من يرى أنه يلزم من حين وقفه، ومنهم من يرى لزومه بعد الموت؛ لأنه لا يلزم إلا بوجود الشـرط، وعلى ذلك لا ينفذ إلا بعد الموت، ويكون من الثلث فأقل إلا إذا أجازه الورثة، وبناءً على هذا القول فإنه يجوز له التغيير والتبديل في الوقف - في حياته - كما يجوز له إلغاؤه؛ لأنه لا ينفذ إلا بالوفاة، بخلاف الرأي الأول، فإنه لا يمكنه فعل ذلك من حين الوقف.

(2) ذكرنا أن الوقف غير المعلق بما بعد الوفاة يلزم بمجرد صدوره منه، فهل هذا الحكم عام حتى لو كان الواقف مدينًا؟

والجواب: إن كان قد حجر عليه قبل الوقف، فإن وقفه لا يصح؛ لأنه لا يملك التصـرف، ولكن إن كان لم يحجر عليه، والدين يستغرق الوقف؛ ففيه خلاف، وقد رجَّح شـيخ الإسلام ابن تيمية أن الوقف ليس بلازم، ولا نلزمه به؛ لأن قضاء الدين واجب، والوقف تطوع.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة