حجم الخط:

محتوى الدرس (234)

الفرق بين الوقف والوصـية:

(1) الوقف ينفذ في الحال بمجرد أن يصدر من الواقف ما يدل على الوقف، وأما الوصـية فلا تنفذ إلا بعد الموت.

(2) لا يتقيد الوقف بجزء من المال، بخلاف الوصـية؛ فإنها لا تزيد على الثلث إلا إذا أجازها الورثة.

إذا لم يعين مصـرف الوقف:

إذا أوقف ولم يعين المصـرف؛ كأن يقول: أوقفت كذا، فالراجح جواز الوقف، ويصـرف في وجوه البر، وهذا مذهب الجمهور، وخالف في ذلك الشافعية؛ فرأوا بطلان الوقف، وأنه ما زال على ملك صاحبه.

ورأى بعضهم أنه لو قال: (أوقفت فقط) (يعني: لم يقل: أوقفت لله) ففيه هذا الخلاف، وأما إذا قال: (أوقفت لله) خرج عن ملكه جزمًا، والصحيح ما عليه الجمهور.

ودليل الجمهور حديث أبي طلحة؛ فإنه قال: وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله، فإنه لم يعين المصـرف، حتى قال له النبي ﷺ: «اجعله في الأقربين».

ويرى ابن حزم أن للواقف أن يجعل الوقف على من شاء، فإن مات ولم يفعل - أي أنه لم يعين المصـرف - جعل الوقف لأقاربه وأولى الناس به حين موته. قال ابن حزم: (وكذلك من سبل وحبس على منقطع، فإذا مات المسبل عليه عاد الحبس على أقرب الناس بالمحبس الواقف يوم المرجع)[1].

ومعنى الحبس على المنقطع، أن يجعل الوقف على شـيء معين كأن يقول: وقفت هذا المال على فقراء بلدتي، ثم ينقطع المنتفع بالوقف -كأن يغتني أهل القرية جميعًا- والوقف ما زال موجودًا، فإنه يرجع على أقرب الناس للواقف.

قلت: قد استدل العلماء على ذلك بحديث أبي طلحة؛ إذ قال للنبي ﷺ: «ضعه حيث شئت»، فجعله رسول الله ﷺ في الأقربين. قال الحافظ: (وفي قصة أبي طلحة أن منقطع الآخر في الوقف يصـرف لأقرب الناس إلى الواقف، وأن الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه)[2].

هل يصح الوقف على نفس الواقف:

ذهب فريق من العلماء إلى عدم صحة الوقف على النفس؛ لأن الوقف صدقة، فلا تصح على النفس، ولأن مقتضـى الوقف خروج المال الموقوف عن ملك الواقف، وهو لا يتحقق هنا، والوقف مقتضاه التأبيد، والوقف على النفس ليس فيه معنى التأبيد؛ لأنه ينقطع بموت الشخص، وهذا مذهب المالكية، وجمهور الشافعية، ومعظم الحنابلة.

وذهب فريق آخر إلى جوازه، وهو مذهب أبي يوسف من الحنفية، وبعض أئمة الشافعية والحنابلة ومذهب الظاهرية.

وهذا القول هو الأرجح؛ وقد استدلوا على ذلك بوقف عمر رضي الله عنه قال الحافظ: (ويستنبط منه صحة الوقف على النفس، وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد فى الأرجح عنه)[3].

يجوز للواقف أن يشترط لنفسه من وقفه منفعة:

والدليل على ذلك:

(1) أن أنس بن مالك رضي الله عنه وقف دارًا له بالمدينة، فكان إذا حج مرَّ بالمدينة فنزل داره[4].

(2) وأن الزبير جعل دُورَه صدقة على بنيه، لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضـرة ولا مضـر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق[5].

(3) جعل ابن عمر نصـيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عبد الله[6].

(4) ومما يستدل به على ذلك حديث عثمان، وشـراؤه بئر رومة، وجعلها للمسلمين، وأن دلاءه كدلاء المسلمين[7].

هل يجوز الوقف على الأغنياء؟

الراجح أنه لا يجوز أن يجعل الوقف على الأغنياء؛ لأن المقصود بالوقف هو تحصـيل الثواب في الآخرة، فلا يبذل المال إلا فيما يحبه الله ورسوله، ومعلوم أن بذل المال في الأغنياء فيه ضـياع للفقراء، وهذا مما يكرهه الله، فقد قال تعالى في تقسـيم مال الفيء: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [الحشـر:7].

فلا يجوز إذن أن يجعل استحقاق الوقف بسبب الغنى، لكن إذا كان هناك اعتبارات أخرى جاز لهؤلاء الأغنياء أن يكون الوقف لهم ضمنًا، كأن يوصـي للأقارب أو للمجاهدين؛ فإن هذا مما يحبه الله، فإن كان في الأقارب أو المجاهدين أغنياء أعطوا من هذا الوقف[8].

هل يصح الوقف عن الميت؟

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شـيء إن تصدقت به عنها؟ قال: «نعم»، قال: فإنى أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها[9]. و«المخراف»: المكان المثمر.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة