ضوابط وفروع تتعلق بأحكام الوصية:
(1) الوصـية عقد غير لازم، فيجوز للموصـي الرجوع عنها كلها أو بعضها؛ سواء كان رجوعه صـريحًا، أو بدلالة تدل على ذلك بقرينة، أو عرفًا كأن يبيع الموصـى به أو يهبه، أو يأكله.
(2) تجوز الوصـية بالنقد؛ كالأموال، وبالعين؛ كالعقارات، كما تجوز بالمنافع؛ كسكنى الدار وغلة البستان.
(3) إن كان الموصـي مدينًا بدين يستغرق جميع المال، فإن الوصـية لا تنفذ إلا بإبراء الدائنين بإسقاط الدين، أو إجازتهم الوصـية، أو تبرع شخص آخر بأداء الدين.
وإن كان الدين لا يستغرق جميع المال فإن الوصـية تكون نافذة في الجزء الباقي بعد الدين إن لم يزد على الثلث.
(4) تقدم أنه يجوز أن يجعل الوصـية لجهة معينة، فتصـرف الوصـية على هذه الجهة؛ كبناء المساجد والمستشفيات ونحو ذلك، فإن كان للموصـي شـرط عُمِل به ما لم يصادم مقاصد الشـريعة، وعلى القيِّم (الناظر أو الإدارة) الاجتهاد في إنفاق هذه الأموال حسب المصلحة.
(5) إذا كان لم يحج حجة الإسلام، أخذ من رأس ماله كسائر الديون سواء أوصـى أو لم يوص، فإن أوصـى بها عمل بالوصـية، فإن لم يف ما أوصـى به أكمل من رأس المال.
(6) إذا أوصـى لجماعة محصورين[1]؛ فإن حدد نصـيب كل واحد قسمت الوصـية كما قسمها، وإن لم يحدد قسمت بينهم بالتساوي.
(7) إذا استحق الموصـى لهم الوصـية، وكانوا جماعة، ثم مات أحدهم؛ فماذا نفعل في نصـيبه؟
الجواب: إن كانت الوصـية في «عين»؛ فإن هذه العين تكون تركة، ويوزع نصـيبه على ورثته، أعني ورثة الموصـى له.
وإن كانت الوصـية في «منفعة»؛ فإن المنافع لا تورث، فتعود المنفعة على بقية الموصـى لهم، ولا تعود على ورثة هذا الذي مات.
(8) إذا بطلت الوصـية في حق الموصـى له، لفِقدان شـرط، عادت الوصـية إلى ورثة الموصـي (صاحب المال).
مثال: أوصـى زيد لعمرو بمال، ثم إن عمرًا قتل زيدًا، فأصبح لا يستحق الوصـية، فإن هذا المال الذي أوصـى به زيد له لا يأخذه عمرو، بل يكون من تركة زيد يوزع على ورثته.
(9) إذا أوصـى لجماعة غير محصورين؛ كأن يوصـي للفقراء والمساكين، أو للمحاربين المجاهدين، صحت الوصـية كما تقدم، وفي هذه الحالة توزع الأموال على «المحتاجين» منهم، ولا يشترط التسوية، لكن هذا بحسب اجتهاد القائم على الوصـية (الناظر أو القيِّم).
وإن كانت الوصـية منافع صارت وقفًا، وتوزع غلتها على من أوصـى لهم.
(10) يستحب إثبات الوصـية كتابة، ويبدؤها بالبسملة والثناء على الله، وبالحمد ونحوه، والصلاة على النبي ﷺ والشهادتين كتابة أو نطقًا، ثم يكتب الوصـية، ويشهد عليها؛ ليكون لها قوة النفوذ، فإن لم يشهد قبلت وصـيته على الراجح إن علم خطه وأقره الورثة، أو كانت هناك بينة تدل على خطه[2]؛ وذلك لقوله ﷺ: «ما حَقُّ امرئ مسلم له شـيء يوصـي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصـيته مكتوبة عنده». قال ابن عمر رضي الله عنهما: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت ذلك من رسول الله ﷺ إلا وعندي وصـيتي[3].
وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح أن أنسًا رضي الله عنه قال: كانوا - يعني: الصحابة - يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصـى به فلان بن فلان: أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، ويشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصـى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصـى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة:132][4].
(11) قال ابن حجر: (قال العلماء: لا يندب أن يكتب -يعني في الوصـية- جميع الأشـياء المحقرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء له عن قرب)[5].
(12) هل الصدقة أفضل؟ أو الوصـية بعد الموت أفضل؟
لا شك أن من جمع بينهما؛ بأن تصدق في صحته، وأوصـى بعد موته، كان أفضل ما يكون، لكن السؤال في تخصـيص أحدهما: الصدقة في الحياة، أو الوصـية بعد الموت؟
الجواب: أن الصدقة في الحياة أفضل؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «أن تَصدَّقَ وأنت صحيح شحيح، تأمُل الغنى وتخشـى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان»[6].
(13) إذا أوصـى بوصـية لرجل، ثم بعد مدة أوصـى بها (يعني: بنفس الذي أوصـى به) لآخر؛ هل يشترك الاثنان في الوصـية، أو تكون للآخِر منهما؟ فيه خلاف، والأرجح أنها للآخر منهما؛ لأن وصـيته الثانية نسخت الأولى.
(14) تقدم أن جميع الواجب ينفذ قبل الوصـية من جميع المال؛ كتجهيزه، وقضاء دينه، سواء كان برهن أو دينًا مرسلًا من غير رهن، وسواء أوصـى بالدَّين أم لم يوص به، ثم بعد ذلك تنفذ الوصـية فيما تبقى من المال، ثم بعد ذلك يقسم الميراث.
وإذا تزاحمت الديون فكانت أكثر من التركة، أخذ كل واحد حصته وينقص منها بنسبته.
وإذا كان عليه دين حق لله؛ كزكاة وكفارة ونذر، ودين آخر حق لآدمي؛ فأيهما يقدم؟
في المسألة أقوال ثلاثة: فبعضهم يقدم حق الله، وبعضهم يقدم حق العباد، وبعضهم يقسمها بينهم بحصصها، وهذا الذي رجحه الشـيخ ابن عثيمين[7].
حكم الوصية عند زوال أهلية الموصي:
اختلف الفقهاء، إذا جن الموصـي أو أصـيب بعَتَهٍ؛ هل تبطل الوصـية بذلك أو لا؟
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجنون لا يبطل الوصـية، وهذا هو الأرجح؛ لأنه أنشأ الوصـية وقت أهليته بذلك.
وذهب الحنفية إلى بطلان الوصـية؛ لأن عندهم أن العقود الغير اللازمة يعتبر فيها بقاء الأهلية، والوصـية من العقود الغير اللازمة كما تقدم[8].
تبطل الوصـية في الحالات الآتية:
(1) الرجوع عن الوصـية مبطل لها بالاتفاق؛ سواء كان الرجوع صـريحًا، أو دلالة؛ كأن يبيع الشـيء الموصـى به، أو يهبه، أو يتصدق به، أو يذبح الشاة إن كان أوصـى بها.
(2) تبطل الوصـية كذلك إذا ردها الموصـى له ولم يقبلها.
(3) إذا مات الموصـى له المعيَّن قبل موت الموصـي بطلت الوصـية، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة؛ لأن شـرط القبول لا يتحقق.
(4) تبطل الوصـية إذا قتل الموصـى له الموصـي، وفيه خلاف تقدم.
(5) تبطل الوصـية إذا هلك الموصـى به (المال) قبل قبول الموصـى له.