كتاب الوصاية

إذا أوصـى الإنسان مثلًا فقال: يقوم (فلان) بتدبير شؤون أولادي، وقسمة ميراثي بعد موتي، فيقال لهذا الشخص الذي أوصـى إليه: (وصـي).
وعلى هذا فـالوصـي -ويقال له: (الموصـى إليه)- هو الذي أُمر بالتصـرف بعد الموت، أي: أن الوصـي عن الميت بمنزلة الوكيل عن الحي، ولذلك يمكن أن نقول: الوصـي هو الذي يختاره الشخص في حياته قبل موته للنظر في تدبير شئون القاصـر من أولاده من بعده.
وقبول الوصـي لذلك وقيامه به قربة؛ لأنها تعاون على البر والتقوى.
يشترط في الوصـي ما يلي:
(1) يشترط أن يكون مكلفًا، وذلك بأن يكون عاقلًا بالغًا، فلا يصح الإيصاء إلى صبي، أو مجنون؛ لأنهما في ولاية الغير، فكيف يَلِيان أمر غيرهما.
(2) ويشترط العدالة، والعدل هو: من استقام في دينه ومروءته، فلا تصح الوصاية لفاسق؛ لأنه لا يرجى تصـرفه.
ويرى الشـيخ ابن عثيمين في ذلك التفصـيل، قال: (فإن كانت العدالة تخدش في تصـرفه فهي شـرط، وإن كانت لا تخدش في تصـرفه، وهو قد تصـرف تصـرفًا تامًّا ليس فيه أي إشكال، فإنها لا تشترط)[1].
(3) يشترط أن يكون رشـيدًا، والرشـيد هو: من يحسن التصـرف في المال الموصـى به، فلا تصح لسفيه لا يحسن التصـرف المالي.
(4) يشترط أن يكون أمينًا، فلا تصح الوصاية لخائن؛ لأن الوصاية ولاية، ولا نجعلها لغير أمين، ويجب عزله إن ثبت خيانته.
(5) يشترط أن يكون مسلمًا، فلا تصح ولاية الكافر على المسلم؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ [آل عمران:118]، لكن تصح وصاية الكافر للكافر، والذمي للذمي.
(6) يرى بعض الفقهاء رحمهم الله اشتراط الحرية للوصية، فلا يجوز الوصـية لعبد، ولو أذن سـيده، عند الحنفية والشافعية، وأما المالكية والحنابلة فأجازوا وصاية العبد بإذن سـيده.
(1) لا تشترط الذكورة، فيصح جعل المرأة وصـيا؛ لأنها من أهل الشهادة.
(2) لا يشترط أن يكون الوصـي مبصـرا، فتصح وصاية الأعمى.
(3) يجوز أن يوصـي لغائب أو منتظر؛ كأن يقول: إذا قدم فلان من سفره فهو وصـيي، أو إذا أسلم فلان فهو وصـيي.
(4) يجوز تعدد الأوصـياء؛ بأن يوصـي لاثنين فأكثر، وفي هذه الحالة ليس لأحدهما التصـرف منفردًا، إلا إذا كان الموصـي صـرح بجواز ذلك، فإن مات أحدهما أو اختلفوا في تصـرفٍ ما، نظر الحاكم في الأصلح.
ويرى المالكية في حال موت أحدهما انفرادَ الآخر بالوصاية، وهو رأي الشافعية والحنابلة، لكن يشـترطون لذلك شرطا، وهذا الشرط هو: أن يكون الموصـي أذن لهما في الانفراد بالتصـرف، فإن لم يكن أذن لهما في الانفراد بالتصـرف أقام الحاكم من يقوم مقامه.
(1) لا بد أن يكون الموصـى فيه معلومًا يملكه الموصـي ويبينه؛ كأن يوصـي في قضاء دين، أو ودائع، أو يوصـي بالنظر في أمر أولاده القصـر.
وإذا أطلق الموصـي وصاياه ولم يقيدها فالمرجع فيه إلى العرف؛ كأن يقول: أوصـيت بخمس مالى إلى فلان، ولا يذكر طريقة التصـرف، فللموصـى إليه أن يصـرفها في أحسن أمور الخير التي يراها.
(1) وإذا أوصـى إليه في شـيء لم يكن وصـيًّا في غيره؛ لأنه كالوكيل لا يتصـرف إلا في المأذون فقط. قال الشـيخ ابن عثيمين: (فإذا أوصـى إلى شخص أن يكون ناظرًا على أولاده، فإنه لا يملك النظر في أموالهم؛ لأن النظر على الأولاد ليس هو النظر في المال، وإذا أوصـى لشخص ينمي مال أولاده الصغار لم يكن له حضانتهم)[2].
(2) إذا تصـرف الوصـي في تفرقة المال الذي أوصـى إليه، ثم ظهر دين على الميت فلا يضمن الوصـي شـيئًا من ذلك الدين؛ لأنه تصـرف تصـرفًا مأذونًا فيه، وعلى صاحب الدين أن يرجع بدينه على الورثة، لكن إن علم الوصـي قبل التصـرف أن على الميت دينًا ثم تصـرف في الموصـى به فإنه يضمن؛ لأن الدين مقدم على الوصـية.
(3) إذا قال الموصـي لوصـيه: (ضع هذا المال حيث شئت)، فهل له أن يأخذ لنفسه أو لولده؟
الجواب: لا؛ لأنه متهم في هذا؛ لأنه قد يحابي نفسه أو ولده، وكذلك الحال بالنسبة للوكيل.
(1) أجاز الجمهور للوصـي التصـرف في مال الصغير بحسب المصلحة، أو الحاجة له (أي: للصغير).
(2) أجاز الحنفية والمالكية للوصـي أن يوصـي لغيره، ومنع ذلك الشافعية والحنابلة إلا بإذن الموصـي.
(3) يجوز للوصـي أن يدفع مال الموصـى عليه للغير لكي ينميه مضاربة ونحوها، وله أن ينفق على الطفل بالمعروف، وأن يدفع له نفقته بالمعروف لطعامه وشـرابه، وكذلك لتعليمه وتأديبه، وإخراج زكاة الفطر عنه، أو زكاة المال.
(4) ليس للوصـي التصـرف بأن يقرض مال اليتيم للغير، فإن أقرض ضمن هذا المال.
(5) إذا آنس من اليتيم رشدًا دفع إليه المال؛ لقوله تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ [النساء:6]، فإذا دفع إليه المال أشهد على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [النساء:6].
(6) اعلم أن الوصـي أمين؛ فلا يضمن هلاك مال الموصـى عليه إلا بالتعدي أو التفريط، ويقبل قوله بيمينه إذا بلغ الصبى واختلف هو والوصـي في النفقة، أو مقدارها.
لكن إن اختلفا في قدر النفقة، فإن كان ما يدَّعيه الوصـي من النفقة موافقا للعرف فالقول قوله؛ لأنه أمين، وإن كان أكثر فعليه الضمان.
(7) للوصـي الأكل من مال اليتيم بالمعروف إذا كان فقيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء:6]، وأما الغني فينبغي له أن يستعف عن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ [النساء:6].
لكن هل له جُعل (أجرة)؟ الصحيح أنه لا أجرة لوصـي الميت، لأنه متبرع.
(8) إذا مات إنسان لا وصـي له، ولا حاكم ببلده، أو مات في صحراء؛ جاز لمسلم حيازة تركته، ويتولى أمر تجهيزه، ويفعل الأصلح في التركة، فما كان منها يُسـرع إليه الفسادُ، باعه وجعل ثمنه معه، وما كان يمكن حِفْظُه حَفِظَه، وحمل الباقي وثمن ما باعه حتى يوصله للورثة.