كتاب الإيلاء
خريطة ذهنية لأحكام الإيلاء

وشـرعًا: أن يحلف الزوج على ترك وطء زوجته، سواء حدد مدة أو أطلق؛ كأن يحلف ألا يطأها شهرًا، أو أربعة أشهر، أو ستة، أو يحلف ألا يطأها بدون تحديد لمدة، ويدخل في ذلك ما إذا حلف ألَّا يجمعه وإياها سقف أو بيت.
قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ ٢٢٦ ﴾ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:226، 227]. ومعنى (يؤلون): يحلفون.
وعلى هذا: إذا آلى الرجل من زوجته؛ فإن كانت المدة التي آلى عليها أكثر من أربعة أشهر، تُرك حتى تمضـي عليه الأربعة الأشهر، ثم يؤمر: إما أن يجامعها وإما أن يفارقها. وأما إن كانت المدة أقل من ذلك، فلا يطالب بشـيء؛ لما ثبت في الحديث «أن رسول الله ﷺ آلى من نسائه شهرًا»[1].
يشترط لصحة الإيلاء شـروط:
(1) أن يحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، وأما إن حلف بالطلاق أو بالظهار أو نحوه، فلا يكون إيلاء.
(2) أن يكون الزوج المولي أهلًا للطلاق؛ وذلك بأن يكون بالغًا عاقلًا مختارًا غير مكره، راجع في ذلك أبواب الطلاق: من يصح طلاقه ومن لا يصح.
(3) أن تكون المرأة محلًّا للوطء، فلو قال لامرأة لم يتزوجها: والله لا أجامعك إن تزوجتك ستة أشهر مثلًا، فلا يقع إيلاءً؛ لأنها ليست زوجة له عند القسم.
(1) اختلف الفقهاء إذا كان الزوج غير قادر على جماع زوجته؛ كالمجبوب والمشلول، ثم حلف ألا يطأها أكثر من أربعة أشهر؛ هل يعد ذلك إيلاء؟ فالجمهور يرون أنه غير مُول؛ لأنه -سواء حلف أم لم يحلف- فإنه لا يقوى على وطئها، ويرى ابن حزم أنه مُولٍ؛ لعموم الآية: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ الآية، قال: (لأن الله لم يخص بذلك جماعًا من غيره، فواجب أن يكلف من الفيئة ما يطيق، وهو مطيق على الفيئة بلسانه، ومراجعته مضجعها، وحسن صحبتها)[2].
(2) حدَّد كثير من العلماء مدة الإيلاء بأربعة أشهر، وأنها إذا نقصت لا تكون إيلاء، والصحيح أن كلمة إيلاء عامة في الآية، سواء قلت المدة أم كثرت، ويؤيد ذلك الحديث: «آلى رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا»، إلا أن الفرق بينهما فيما يترتب عليه؛ فإن كان أقل من أربعة أشهر فلا يطالب الزوج بشـيء، وإن كان أكثر من أربعة أشهر فالحكم كما جاء في الآية؛ وهو أن يطالب بالفيء وذلك بجماعها، وإلا فالطلاق. وأصل الفيء الرجوع، ومقصوده هنا: (الجماع). قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الفيء: الجماع، إذا لم يكن له عذر)[3].
(3) يرى بعض العلماء أنه إذا آلى منها وهي في عدتها من طلاق رجعي؛ أن ذلك إيلاء ويثبت له حكمه، والصحيح أنه ليس بإيلاء حتى يرتجعها.
(4) إذا حلف ألا يطأها حتى تأتي بمحرم كشـرب الخمر مثلًا، فهو آثم، ولا تطيعه الزوجة، قال ابن عثيمين رحمه الله: (هذا الإيلاء لا يقع؛ لأنه على شـيء محرم... وهذا الرجل يؤمر بالجماع وإلا يفسخ منه النكاح)[4].
(5) إذا قال لها: لا أجامعك حتى تسقطي دَيْنك، أو أن تهبي لي مالك، فهذا مُولٍ[5].
(6) إذا علق وطأها على أمر مستحيل كان موليًا؛ كأن يقول لها: حتى تصعدي إلى السماء، أو تقلبي الحجر ذهبًا، أو لا أطؤك حتى تحملي مني.
يترتب على الإيلاء ما يلي:
(1) إذا وطئ الزوج زوجته قبل انقضاء الأربعة الأشهر، لزمته كفارة اليمين، ولا شـيء عليه غير ذلك، ويكون بذلك خرج من الإيلاء.
(2) وإذا انقضت الأربعة الأشهر ولم يطأ زوجته، فالذي ذهب إليه الجمهور من العلماء أنه يُوقَف ويُطالَب بالفيئة بجماعها أو بالطلاق، ويجبر على واحدة منهما ولا بد.
قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا تطلق زوجته بنفس مضـي المدة)[6]. ومقصوده: أن مضـي المدة وهي الأربعة الأشهر لا يكون بمجرده طلاقًا؛ حتى يوقف الزوج ويؤمر بالفيئة أو الطلاق، وهذا هو الراجح، وهو الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم.
(3) قال الخرقي رحمه الله: (أو يكون له عذر من مرض أو إحرام أو شـيء؛ لأنه لا يمكن معه الجماع، فيقول: -أي الزوج- متى قدَرتُ جامعتُها، فيكون ذلك من قوله فيئة؛ للعذر)[7]. قال ابن قدامة رحمه الله: (وإن كان معذورًا ففاء بلسانه، ثم قدر على الوطء أمر به، فإن فعل، وإلا أمر بالطلاق)[8].
(4) ما الحكم لو امتنع من الطلاق والفيئة؟ يرى كثير من أهل العلم أن الحاكم يطلق عليه إذا طلبت المرأة منه تطليقها، فيستوفي لها حقها بتطليقها. ويرى بعض أهل العلم أنه ليس للحاكم أن يطلقها، ولكن له أن يضـيق عليه ولو بالحبس حتى يستوفي لها الحق؛ إما بأن يفيء وإما بأن يطلق.
(1) تحسب مدة الإيلاء من وقت إيلائه، لا من وقت مطالبة المرأة بالرجوع، ودليل ذلك أن الله تعالى قال: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ [البقرة:226]، فجعل الله التربص معلقًا على وصف وهو الإيلاء.
(2) تقدم أنه إذا كان غير قادر على الوطء؛ أنه يفيء بالقول الحسن بلسانه، ومراجعته مضجعها، وحسن صحبتها.
(3) إذا تغيَّب الزوج عن زوجته مدة من الزمن؛ لسفر، أو علاج لمرض، أو نحو ذلك، فلا يعد ذلك إيلاء ولا طلاقًا، حتى لو هجرها إضـرارًا بها بدون قسم، لا يعد موليًا، وللمرأة الحق في هذه الحالة بطلب الطلاق للإضـرار بها؛ لأنه «لا ضـرر ولا ضـرار».
(4) يحكم برجوع الزوج عن إيلائه بوطئها، ولو بتغييب الحشفة (رأس الذكر)؛ لأن هذا يعد جماعًا، وإن كان لم تكتمل فيه لذة الجماع، فإن لم يقو على جماعها، كان فيئه بالقول الحسن، ومضاجعتها، وحسن صحبتها.
(5) إذا رضـيت المرأة، ولم تطالب زوجها المولي بالطلاق بعد انقضاء المدة -الأربعة الأشهر- فلا يطالب بالطلاق، ويرى ابن حزم أنه يطالب بالفيئة؛ سواء طالبت المرأة أم لم تطالب؛ لأنه حق الله في عبده لا لها.
(6) لا يعتبر الوطء إلا في القبل، فإن وطئها في دبرها، أو دون القبل فلا يعد وطئًا، ومن ثم لا يُعد رجوعًا.
(7) إذا طلق زوجته وهو مول، ولم يكن رجع عن يمينه، ثم عاد فتزوجها؛ هل يعود إليه حكم الإيلاء، أو يسقط بطلاقه؟ فيه خلاف، والراجح أنه سقط بطلاقه، فلا يتربص بعد زواجه منها مرة ثانية.
(8) ينبغي للأزواج أن يتقوا الله في أزواجهن؛ فإن الإيلاء لهذه المدة إضـرار بالمرأة، وسوء معاشـرة لها، وقد أمرنا الله عز وجل بمعاشـرتهن بالمعروف.
(9) اعلم أن حكم الإيلاء عام، سواء كان الإيلاء من الحر أو من العبد، وسواء كانت الزوجة حرة أو أمة. على الراجح، وفي المسألة خلاف.
(10) الراجح أن الإيلاء عام، سواء كان حلفه في حالة الرضـى أم في حالة الغضب؛ لأن الآية لم تنص على هذا التفريق. إلا أن يكون الغضب وصل به إلى الإغلاق.
(11) هل للمرأة المطالبة قبل مضـي الأربعة الأشهر أو عند انقضائها؟ فيه خلاف.
(12) إذا انقضت المدة، وطالبته بالفيئة، فطالب هو أن يمهل، فإن لم يكن هناك عذر للإمهال لم يمهل، لكنه يؤخر قدر ما يتمكن من الجماع في حكم العادة. فإن كان بها شـيء يمنعه من وطئها؛ كالحيض، فليس لها المطالبة بجماعها، لكنه يفيء بالقول الحسن ومضاجعتها، إلى أن يزول عذرها ويتمكن من جماعها.