حجم الخط:

محتوى الدرس (241)


المحرمات من الحيوانات البرية في القرآن والسنة:

المحرم من الأطعمة في القرآن:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3]، يتبيَّن من هذه الآية تحريم الأشـياء الآتية:

(1) الميتة:

بجميع أنواعها، أي: التي لم تذبح ذبحًا شـرعيًّا، فيدخل فيها: المنخنقة (وهو الحيوان الذي يخنق فيموت)، والموقوذة (وهو الذي يضـرب بعصا ونحوه فيموت)، والمتردية (وهو الذي سقط من مكان عالٍ فمات)، والنطيحة (وهو الذي نطحه آخر فمات)، وما أكل السبع (وهو الذي مات بسبب جرح حيوان مفترس له وأكله منه). ويلاحظ أن ما أُدرِك حيًّا من هذه الأشـياء فذبح صار حلالًا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ . قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح، فكلوه فهو ذكي. وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يدًا أو رجلًا، فكلها. وقال الضحاك: إن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال[1]. وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد.

قلت: ويدخل في الميتة ما قطع من البهيمة وهي حية؛ لقوله ﷺ: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة»[2]. ولا يباح من الميتة إلا السمك والجراد، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الطهارة.

(2) الدم المسفوح:

لقوله تعالى: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، والمقصود بالمسفوح: الذي يهراق، وأما الدم الذي يتبقى في عروق الذبيحة فلا بأس به.

(3) لحم الخنزير:

يحرم جميع أجزاء الخنزير لحمه وشحمه، وقد نص القرآن على أنه رجس، فقال تعالى: ﴿ أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145]، والراجح أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور في الآية، وهو الخنزير.

(4) ما أهل لغير الله:

أي: ما ذكر عليه غير اسم الله؛ من صنم أو طاغوت أو وثن؛ فإنها حرام بالإجماع[3]، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام:121]، وسـيأتي شـروط الذبح في الباب الآتي.

(5) ما ذبح على النصب:

هي أوثان من حجارة كان المشـركون ينصبونها حول الكعبة، ويذبحون عندها، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع؛ لما في ذلك من الشـرك بالله. وعلى هذا فما ذبح لغير الله من وثن أو صنم؛ فإنه لا يحل أكل هذه الذبيحة.

المحرم من الأطعمة في السنة:

(1) الحمر الأهلية:

وهي الحُمُر الإنسـية التي يركبها الناس، فهذه الحمر يحرم أكلها، وهو قول جمهور العلماء؛ لما ثبت في الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحُمُر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل[4]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أمر مناديًا فنادى: «إن الله ورسوله ينهياكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس. فأُكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم»[5].

وقد ذهب بعض المالكية إلى إباحة أكلها مع الكراهة، وتوقف ابن عباس رضي الله عنهما في حكمه عليها، فقال: لا أدري أنهى عنها رسول الله ﷺ من أجل أنها حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرم يوم خيبر لحم الحمر الأهلية[6].

قلت: تقدم في حديث أنس عله التحريم لهذه الحُمر بقوله: «إنها رجس»، فدل ذلك على التحريم، وأنه لم يكن من أجل حمولة الناس، وابن عباس رضي الله عنهما لم يبلغه علة التحريم.

وعلى كل فإن الخلاف المذكور لا وجود له الآن، فقد قال ابن عبد البر: (لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها)[7].

تحريم البغال، وإباحة الخيل:

(أ) يدخل في هذا التحريم: (البغال)؛ لما ورد في بعض ألفاظ حديث جابر: أنهم ذبحوا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهى رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينه عن الخيل[8].

(ب) مما تقدم يتبين أن الحمار الوحشـي والخيل حلال، ومما يؤكد ذلك ما ثبت عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه كان مع قوم محرمين وهو حلال، فبينما هم يسـيرون إذ رأوا حُمُرَ وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فأكلوا منها، وقالوا: نأكل من لحم صـيد ونحن محرمون؟! فحملوا ما بقي من لحمها، فقال رسول الله ﷺ: «كلوا ما بقي من لحمها»، وفي رواية أنه أكل منها[9]، وعلى هذا ثبت إجماع أهل العلم على إباحة الحمر الوحشـية[10].

وأما «الخيل» فقد ذهب جمهور العلماء إلى إباحته، وخالف في ذلك الحنفية وبعض المالكية، فرأوا كراهة أكلها.

والصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم من حديث جابر، ولما ثبت أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا، فأكلناه ونحن بالمدينة»[11].

(2) تحريم كل ذي ناب من السباع:

ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير[12]. والمقصود ما له ناب من السباع يفترس به، أي: يصطاد بنابه وينهش به الصـيد ويأكله؛ قال البغوي: (أراد بذي الناب: ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم؛ مثل: الذئب، والأسد، والكلب، والفهد، والنمر، والدب، والقرد، ونحوها، فهو وأمثاله حرام)[13]. وقال ابن حزم: (والكلب ذو ناب من السباع، وكذلك الهر، والثعلب، فكل ذلك حرام)[14].

(3) تحريم كل ذي مخلب من الطير:

أي: ما له أظفار يصـيد بها ويشق بها، أي: أنه يشترط أن يكون المخلب مما يصـيد به؛ كالعقاب، والبازي، والصقر، والحدأة، والشاهين، والباشق، والعقعق، والبومة، والنسـر.

قلت: ولا يدخل في ذلك: العصافير، والديك، والحمام، مع أن لها مخلبًا، لكنها لا تصـيد به، ولا تفترس به.

(4) الجلَّالة:

[تمهيد]

ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلَّالة وألبانها»[15]. وجاء في بعض الأحاديث أيضًا: «النهي عن ركوبها»[16]. وقد اختلف العلماء في معنى الجلَّالة، وفي حكمها:

أما عن معناها:

فيرى الحنفية: أنها التي تعتاد أكل الجيف والنجاسات، ولا يخلط معها طعام غير النجاسة، ويكون لها ريح منتنة، وتكون من جميع الحيوانات.

ويرى غير الحنفية أنها التي أكثر طعامها النجاسة، وتكون من جميع الحيوانات.

ويرى ابن حزم أن الجلَّالة هي التي تأكل العذرة من الإبل، وغير الإبل من ذوات الأربع فقط، ولا يرى الدجاجة ولا الطير جلَّالة، ولو أكلت العذرة.

وأما عن حكمها:

فقد اختلفوا فيه على آراء:

الأول: الإباحة، وهو رأي المالكية.

الثاني: الكراهة، وهو قول مالك، وأحمد في رواية عنه، والحنفية، والشافعية.

الثالث: التحريم، وهو قول الحنابلة، والظاهرية.

قال الشوكاني: (والنهي حقيقة في التحريم، فأحاديث الباب ظاهرها تحريم أكل الجلَّالة، وشـرب لبنها، وركوبها)[17].

متى يحل أكلها:

إذا حبست الجلَّالة عن أكل العذرة زمنًا يطيب فيه لحمها جاز أكلها وركوبها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه كان يحبس الدجاجة الجلَّالة ثلاثًا»[18]. أي: ثلاثة أيام.

والمقصود حبسها حتى تطيب بالعلف الطاهر، ولا يقيد ذلك بزمن، وقد ثبت عن عطاء أنه كان ينهى عن جلَّالة الإبل والغنم أن تؤكل، فإن حبستها وعلفتها حتى تطيب بطونهما فلا بأس حينئذ بأكلها. ويروى عن الإمام أحمد أن البعير والبقر ونحوهما يحبس أربعين يومًا.

تنبيه: هل الدَّجاج الأبيض الذي يقدم له العلف من ريشه وعظامه وأمعائه ونحو ذلك يعد جلَّالة؟

الجواب: لو قلنا برأي الجمهور الذين يرون الدجاج يدخل ضمن الجلَّالة إذا أكل النجاسات[19]، فأقول: إن هذه الفضلات من الريش والعظام والأمعاء ونحوها ليست بنجسة؛ لأنها من حيوانات مذبوحة، إلا أنه قد يوضع فيها بعض الدجاج الميت منها، لكنه قليل بالنسبة لباقي العلف، وعلى هذا فليس هذا العلف بنجس، وعليه فلا يحكم عليها بأنها جلَّالة، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة