حالات الضرورة:
إذا اضطر الإنسان لأكل شـيء من المحرمات أبيح له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ ﴾ .
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالضرورة

يُرخص للإنسان المضطر أكل ما حرم عليه إذا وصل به الجوع إلى حد الهلاك، أو إلى المرض الذي يفضـي به إلى الهلاك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ وهي المجاعة.
واختلف الفقهاء في المقصود بالرخصة لأكل المحرم عند الضـرورة: هل المقصود بها «الإباحة»، يعني: الحِلُّ وعدم التحريم، أي أنه يجوز له الأكل ويجوز له عدم الأكل، أو المقصود بها «الوجوب»؟ يعني: يجب عليه الأكل وإذا لم يأكل أثم؟
الراجح: الوجوب بالشـروط التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.
شروط الرخصة في أكل الميتة للمضطر:
(1) ألَّا يندفع الضـرر إلا بالمحرم؛ بألا يجد طعامًا حلالًا، فإن وجد طعامًا حلالًا ولو لقمة وجب تقديمها على المحرَّم.
(2) ألَّا يكون هذا المحرم قاتلًا للإنسان كالسموم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة:195]؛ لأن أكله للسموم لا ينقذه من الهلاك، بل يزيده هلاكًا.
(3) ألا يتجاوز أكله ما يسد به رمقه، لا ليشبع به؛ لأنه أكله للضـرورة، والضـرورة تقدر بقدرها.
(4) ألا يكون قد أشـرف على الموت أصلًا، إذ إن تناول الطعام في هذه الحالة لا يفيده.
مسألة: إذا اضطُر الإنسان إلى مال الغير:
هذه المسألة لها حالتان: فقد يضطر إلى «عين المال»، وقد يضطر إلى «منفعته» فقط، بحيث إنه يرد الأصل بعد الانتفاع به، وبيان ذلك فيما يلي:
الأولى: الاضطرار إلى «عين» مال الغير:
قد يضطر الإنسان الجائع إلى طعام غيره، فيتعلق بذلك بعض الأحكام:
(1) إذا كان صاحب الطعام هو أيضا جائعًا مضطرًّا لهذا الطعام، والطعام الموجود معه لا يكفي إلا واحدًا فقط، فلا يحل له أن يأخذ الطعام منه؛ لأن صاحب الطعام أحق به.
(2) لا يجوز لصاحب الطعام أن يؤثر غيره من الناس وهو في مخمصة؛ لأنه مطالب بإنقاذ نفسه أولًا، والنبي ﷺ قال: «ابدأ بنفسك»[1]، ويرى بعض أهل العلم أنه يجوز له الإيثار إذا تعلَّق بذلك مصلحة عامة؛ كأن يكون من يؤثره رجلًا عالمًا ينتفع الناس بعلمه، أو مجاهدًا ينتفع الناس بجهاده.
(3) أما إذا كان الطعام كثيرًا فإنه يجب عليه أن يبذل منه للمضطر، واختلف العلماء: هل يبذله مجانًا أو بالأجرة؟ على قولين، وتوسط ابن تيمية فرأى أنه -يعني الجائع- إذا كان فقيرًا ليس معه عوض فيجب على صاحب الطعام أن يبذله له بلا عوض؛ لأن إطعام الجائع واجب، وأما إن كان غنيًّا معه عوض فيجوز لصاحب الطعام أن يطالبه بالعوض.
(4) إذا كان مضطرًّا والطعام كثير، وأبى صاحب الطعام أن يبذله له ولم يجد طعامًا إلا معه، فإنه يجوز له أن يأخذه منه بالقوة لإنقاذ نفسه، حتى لو أدى الأمر إلى المقاتلة؛ فإن مات فهو شهيد، وإن مات الآخر (صاحب الطعام) فهو ظالم.
(5) إذا عجز ولم يتمكن من أخذ الطعام منه حتى مات، فهل يضمنه صاحب الطعام؟
الجواب: نعم؛ لأنه تعدى بترك الواجب، فيضمن على الراجح.
الثانية: إذا اضطُرَّ إلى (منافع) مال الغير:
إذا اضطر إلى «منافع» مال الغير؛ كاضطراره إلى الماعون ليستقي به الماء، أو إلى لحاف يدفع به عن نفسه البرد، وجب دفعه له مجانًا؛ قال تعالى في ذم الذين يمنعون ذلك: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿ ٤ ﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿ ٥ ﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿ ٦ ﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون:4-7].
حكم الأكل من ثمار البساتين والحلب من ماشية الغير:
اختلف العلماء فيمن مر ببستان فيه ثمر؛ هل له أن يأكل منه أو لا؟ على قولين:
القول الأول: قالوا: يجوز أن يأكل منه بشـروط؛ وهي:
(1) أن يكون الثمر على الشجر أو متساقطًا عنه، وأما إذا كان مجنيًّا ومجموعًا، فإنه لا يأكل منه.
(2) أن يكون البستان غير محوَّط، فإن كان عليه حائط فلا يأخذ منه.
(3) ألا يكون عليه حارس.
(4) ألا يحمل معه شـيئًا، بل يأكل فقط.
وعلى هذا أجازوا الأكل من غير أن يرمي الشجر، بل ينادي صاحبه فإن أجابه استأذن، وإن لم يجبه أكل دون أن يحمل؛ سواء كان مضطرًا أم غير مضطر، وهذا مذهب الحنابلة.
وعن الإمام أحمد قول آخر: وهو أن يأكل منه إذا كان جائعًا فقط، وأما إذا كان غير جائع فلا يأكل، وحجتهم في ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم على حائط، فليناد صاحبه ثلاث مرات، فإن أجابه وإلا فليأكل من غير أن يُفسِد، وإذا أتى على غنم فليناد صاحبه ثلاث مرات، فإن أجابه وإلا فليشـرب من غير أن يفسد»[2]. ومعنى قوله: «من غير أن يفسد»: ألا يأكل الكثير، ولا يحمل منه شـيئًا، ولا يعطي لإنسان.
القول الثاني: قالوا: لا يجوز أن يأكل منها إلا عند الضـرورة، وهو قول الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد كما تقدم، وحملوا حديث أبي سعيد الخدري السابق على حال الضـرورة؛ لما ثبت عنه موقوفًا ومرفوعًا: «إذا أرمل القوم فصبحوا الإبل فلينادوا الراعي ثلاثًا» إلخ الحديث[3]. فقوله: «إذا أرمل» يدل على الضـرورة؛ لأن معناه: فقدُ زادهم، وأصله من الرمل، كأنهم لصقوا بالرمل، كما قيل للفقير: (أترب).
وقد وردت أحاديث أخرى تؤيد ما ذهب إليه الجمهور؛ فمن ذلك ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يحلبن أحدكم ماشـية أخيه بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشـربتُه فيكسـر خزانتُه، فيحمل طعامُه؟! فإنما تخزن لهم ضـروع مواشـيهم أطعمتهم، فلا يحلُبن أحدكم ماشـية امرئ إلا بإذنه»[4]. ومعنى «المشـربة» الغرفة، و«الخزانة» ما تحفظ فيه الأشـياء.
وعن عمر بن يثربي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «لا يحل لامرئ من مال أخيه شـيء إلا بطيب نفس منه» قال: فقلت: يا رسول الله؛ إن لقيت غنم ابن عمي آخذ منه شـيئًا؟ فقال: «إن لقيتها نعجة تحمل شفرة وأزنادًا بخَبْت الجَمِيش فلا تهجها»[5]. وقوله: «نعجة» المقصود سهلة ميسورة، والمعنى: لا تتعرض لها مهما كان الأمر سهلًا، تحمل «شفرة»: آلة الذبح كالسكين، «وأزنادًا»: آلة النار، وقوله: «بخبت الجميش» الخبت: المكان الواسع، والجميش: الذي لا نبات فيه، وهذا الحديث يدل على حرمة التعرض لمال المسلم بغير إذنه.
وقول الجمهور هو القول الراجح، وأما ما استدل به أصحاب الرأي الأول من حديث أبي سعيد فمحمول على حالة الضـرورة جمعًا بينه وبين هذه الأحاديث، أو يحمل على أنه كان في وقت تجب فيه الضـيافة، أو كان ذلك على حسب العرف السائد بينهم؛ حيث إنهم كانوا يتسامحون في مثل ذلك.