حجم الخط:

محتوى الدرس (245)

كتـاب التذكيـة

خريطة ذهنية لكتاب التذكية

جدول 137 كتاب التذكية

معنى التذكية:

لغة: القطع أو الشق. فأصلها الحدة والشدة كما قال ابن فارس

واصطلاحًا: (ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله، يعيش في البر، بقطع حلقوم ومريء). أو (عقر حيوان ممتنع - غير مقدور عليه - إذا تعذر قطع الحلقوم والمريء)[1]. ومعنى «العَقْر»: إزهاق الروح في أي موضع كان بآلة حادة.

حكمها:

التذكية أو الذبح شـرط لحل الأكل من الحيوان البري.

والدليل على ذلك: قوله تعالى بعد أن ذكر المحرمات: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، وقول النبي ﷺ: «ما أنهر الدم، وذُكِر اسمُ الله عليه فكل»[2]، ولا شك أنه يستثنى من ذلك الجراد، فإنه يحل بغير ذكاة، وأما السمك فقد تقدم أن ميتته حلال، فلا يحتاج إلى ذكاة.

الحكمة من الذبح:

مراعاة صحة الإنسان العامة، وقطع الضـرر عن الجسم بفصل الدم عن اللحم، وتطهير اللحم منه.

شروط التذكية:

يشترط لصحة التذكية عدة شـروط؛ وهي كما يلي:

أولاً: أهلية المذكي:

ومعنى الأهلية:

(1) أن يكون عاقلًا:

فلا تصح من مجنون؛ لأنه لا بد من قصد التذكية؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، والمجنون لا قصد له، وكذلك السكران، وهذا هو قول الجمهور، وخالفهم في ذلك الشافعية فأجازوها مع الكراهة، والراجح قول الجمهور.

واختلفوا في الصبي هل تصح ذبيحته أو لا؟ فالجمهور يرون صحة ذبيحة الصبي المميز، ولا يرون صحة ذبيحة الصبي غير المميز؛ لأن المميز له قصد[3].

(2) أن يكون مسلمًا أو كتابيًّا:

(نصـرانيًّا أو يهوديًّا) ذكرًا أو أنثى، طاهرًا أو حائضًا أو جنبًا، بصـيرًا أو أعمى، عدلًا أو فاسقًا؛ لعموم الأدلة وعدم المخصص.

وأما الكافر من غير أهل الكتاب، والملحد، والمرتد؛ فهؤلاء تحرم ذبائحهم، وعلىه فيحرم أكل ذبائح الشـيوعيين، والبوذيين؛ من اليابانيين والصـينيين وغيرهم، ومن ليس لهم دين سماوي؛ كالهنود، والباطنية، والقاديانية، والبهائية المرتدين عن دين الإسلام أيضًا.

أما الأدلة على جواز ذبيحة أهل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة:5]، والمقصود بطعامهم: ذبائحهم، فتحل لنا بشـروط:

الشـرط الأول: أن تكون الذبيحة مما أبيح لنا.

الشـرط الثاني: أن يذكر عليها اسم الله، فإن ذكر عليها غير اسم الله؛ كأن يقول مثلًا: باسم المسـيح، أو باسم عزير، ونحو ذلك؛ حرمت علينا.

الشـرط الثالث: ألا تكون الذبيحة لكنائسهم وأعيادهم؛ لأنها تعظيم لشعائرهم، ولأنها قصد بها غير الله، وقد حرم الله علينا ما أهل به لغير الله.

الشـرط الرابع: أن تذبح على طريقة الذبح الإسلامي.

وأما الدليل على إباحة ذبيحة المرأة: فهو أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بسلع، فأصـيبت شاة منها، فأدركتها فذبحتها بحجر، فسأل النبي ﷺ فقال: «كلوها»[4].

ثانيًا: طريقة التذكية:

[تمهيد]

هناك أمور متفق عليها وأمور مختلف فيها في طريقة التذكية، وبيانها فيما يلي:

(1) ما يقطع عند الذبح:

اتفق العلماء على أنه لو قُطِع الحلقوم (مجرى النفس)، والمريء (مجرى الطعام)، والوَدَجان (وهما عرقان على جانبي الرقبة)؛ أن ذلك الذبح هو الذبح الكامل المبيح للأكل. لكنهم اختلفوا لو قطع بعض هذه الأجزاء دون بعض، والراجح صحة الذبح إذا قطع بعض هذه الأعضاء على أن يكون فيها الحلقوم والمريء؛ لعموم قوله ﷺ: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل»[5]، وهذا مذهب الشافعي والحنابلة[6]، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا بد من قطع الأربعة، وهو مذهب مالك وأبي يوسف، ورواية عن أحمد، وذهب أبو حنيفة إلى اعتبار قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين.

(2) موضع القطع:

اتفق الفقهاء على أنه إذا قطعت جوزة الحلقوم (وهي العقدة التي في أعلى الحلق)، وخرج بعضها إلى جهة البدن، وبعضها إلى جهة الرأس؛ حلت الذبيحة.

واختلفوا إذا قطع فوق الجوزة، فقال جمهور الفقهاء: لا تؤكل، وقال الحنفية وبعض المالكية: تؤكل، وهو الراجح، وأيده ابن حزم في (المحلى)؛ لعموم الحديث أيضًا؛ وهو: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل»، إذ لم يخص إذا كان ذلك فوق الجوزة أو تحتها.

ويتعلق بموضع القطع ما يلي:

(أ) هل يجوز الذبح من القفا أو صفحة العنق (أي: جانبه)؟

الجواب: أن ذلك مكروه، لكن لو كانت الآلة سـريعة وحادة وأتى السكين على موضع الذبح، وأنهر الدم، فالراجح إباحة الذبيحة، ومما يدل على حلها ما ثبت أن خبازًا لأنس بن مالك رضي الله عنه ذبح دجاجة فاضطربت، فذبحها من قفاها، فأبان الرأس، فأرادوا طرحها، فأمرهم أنس بأكلها[7]. وأما إن كانت الآلة كالَّةً -أي ضعيفة- فالذي يترجح عدم حلها؛ لأنها تموت قبل وصول السكين إلى مواضع الذبح.

(ب) إذا ذبح وتمادى في الذبح حتى أبان الرأس (قطعها)، فهل تحل الذبيحة؟

الجواب: الراجح أن الذبيحة حلال أكلها، وقد ثبت نحو ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم؛ فعن أبي مجلز رضي الله عنه قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن ذبيحة قطع رأسها؟ «فأمر ابن عمر بأكلها»[8]. وعن قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في الدجاجة إذا قطع رأسها: «ذكاة سـريعة». أي: كُلها[9]. وضـرب رجل بسـيفه عنق بطة فأبان رأسها، فسأل عمران بن الحصـين رضي الله عنه، «فأمر بأكلها»[10].

(3) حكم الذبائح المذبوحة بالآلات الحديثة:

بناء على ما تقدم؛ فما يذبح بالآلات الحديثة؛ بقطع عنق الدجاجة كاملة، أو ذبح المواشـي من قفاها، فإن الذبح صحيح؛ لما هو معلوم من حدة هذه الآلات الكهربائية وسـرعة ذبحها، ولكن مع توفر بقية شـروط الذبح.

طرق التذكية:

طرق التذكية اثنتان؛ وهما: ذبح، ونحر:

فالذبح: هو الذي يكون في أعلى العنق عند العقدة التي يطلق عليها (الجوزة)، ويكون ذلك في البقر والغنم ونحوهما.

والنحر: يكون في العنق من أسفل، ويكون ذلك في «اللَّبة»، ويختص النحر بالإبل.

ومع هذا فإن كل ما جاز ذبحه جاز نحره، وكل ما جاز نحره جاز ذبحه، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم؛ لعموم الحديث السابق: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.

هذا كله إذا كان الحيوان متمكَنًا منه ومقدورًا عليه، وأما إذا كان غير متمكن منه، وتعذَّر ذبحه لهربه مثلًا؛ فإنه يجرح في بدنه في أي موضع، وتسمى هذه الحالة (العقر) أي: إزهاق الروح في أي موضع كان، شـريطة أن يكون بآلة حادة، أي لا يكون بمثقَّل أو حجر؛ وذلك لحديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، ففرَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله ﷺ: «إن لهذه البهائم أوابدَ كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به هكذا»[11]. و«الأوابد» جمع آبدة، ومعنى «تأبدت»: توحشت.

تنبيه: ذكاة الجنين ذكاة أمه:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين؟ فقال: «كلوه إن شئتم»، وفي رواية: قلت يا رسول الله: ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه»[12].

وعلى هذا، فإذا ذبح الحيوان فوجدنا في بطنه جنينًا؛ فإن كان ميتًا فحلال أكله؛ لأنه ذكي بذكاة أمه، وهذا هو قول الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية. وإن كان حيًّا فإنه لا يحل حتى يُذكَّى، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.

ثالثًا: آلة الذبح:

يحل الذبح بكل آلة محددة تقطع أو تخرق بحدها؛ سواء كانت من حديد، أو من نحاس، أو خشب، أو حجر، أو زجاج أو غير ذلك، ما عدا الظفر والسن؛ لما ثبت في حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إنا نلقى العدو غدًا، وليس معنا مُدًى[13]، فقال النبي ﷺ: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ما لم يكن سنًّا، أو ظفرًا، وسأحدثكم عن ذلك؛ أما السن فعظم، وأما الظُّفُر فمُدَى الحبشة»[14].

وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، غير أن الشافعية منعوا الذبح بالعظم كله، والحنفية منعوا بالسن والظفر إذا كانا متصلًا، أما السن والظفر المنفصل فأجازوا الذبح بهما. والراجح مذهب الشافعية في منع الذبح بكل عظم؛ لأنه علل المنع بكونه عظما، فلو لم يكن الذبح بالعظم ممنوعا لم يكن للتعليل معنى، وكذلك المنع بالذبح بكل سن وظفر وهو قول الجمهور كما تقدم.

وقال الشـيخ عبد الرحمن ابن سعدي: (والصحيح القول الآخر في المذهب -اختاره ابن القيم، وغيره- أن جميع العظام لا تحل الذكاة بها.

كما علل بذلك النبي حيث قال: «أما السن فعظم»، فتعليل الخاص بالمعنى العام يدل على ربط الحكم بالمعنى العام، وأنه بمنزلة نهيه عن الذبح بكل عظم. وهذا واضح ولله الحمد)[15].

رابعًا: قصد التذكية:

يشترط في الذابح أن يقصد -ينوي- الذبح؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، أما لو ضـربه بآلة ليدفعه عنه مثلا لصوله عليه، فأصاب مواضع الذبح وأنهر الدم، فإنها لا تحل؛ لأنه لم يقصد بذلك التذكية، وإنما قصد الدفاع عن نفسه، وأما إن قصد أن يذبحه قاصدًا للتذكية مع قصده الدفاع عن نفسه، فهذا قد يكون محل نظر.

خامسًا: لا يذبح لغير الله:

لقوله تعالى في ذكر المحرمات من الذبائح: ﴿ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة:3]، فإن ذبح لغير الله، أو سمى عليه غير اسم الله فالذبيحة حرام لا تحل، كأن يقول: باسم المسـيح، أو باسم الولي فلان، أو نحو ذلك.

سادسًا: أن يكون المذبوح مأذونًا فيه:

وعلى هذا فلو ذبح المُحْرِم صـيدًا فإنه لا يحل؛ لأنه غير مأذون له ذبحه، وهذا لا يعني أن المحرم لا يذبح أبدًا، إنما يحرم عليه ذبح الصـيد؛ لأن التحريم مخصوص به، وأما غير الصـيد فيباح له تذكيته.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة