كتـاب الصيـد

الصـيد، قد يراد به فعل الصـيد، وهو الاصطياد، وقد يراد به الحيوان المَصـيد؛ كقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ﴾ [المائدة:96]، أي: مصـيده، وعلى هذا فيكون معنى الصـيد على الوجه الأول (الاصطياد): هو اقتناص حيوان مأكول متوحش غير مملوك ولا مقتدر عليه.
وأما على الوجه الثاني (المصـيد) فهو: الحيوان المُقتنَص المأكول الذي تم اصطياده، المتوحش الغير المملوك، ولا المقتدر عليه.
قولنا: «اقتناص» خرج به الذكاة.
وقولنا: «حيوان مأكول» خرج به الحيوان غير المأكول؛ لأنه ليس بصـيد شـرعًا.
وقولنا: «متوحش» خرج به غير المتوحش؛ لأنه مستأنس فيذبح.
وقولنا: «غير مملوك» خرج به المملوك للغير؛ لأنه لا يعتدى على ملك الغير.
وقولنا: «ولا مقتدر عليه» خرج به المقدور عليه، فإنه يذكى.
الاصطياد مباح لقاصده إجماعًا في غير حرم مكة والمدينة، ولغير المحرم، والأدلة على ذلك:
أولًا: من (القرآن):
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ [المائدة:2]، وهذا أمر بعد حظر؛ فيفيد الإباحة.
وقال تعالى: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ [المائدة:96].
وقال تعالى: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ﴾ [المائدة:4].
ثانيًا: من (السنة):
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلَّمة فيمسكن عليَّ، وأذكر اسم الله عليه، فقال: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله عليه، فكل» قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يَشـركها كلب ليس معها» قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصـيد فأصـيب؟ فقال: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله»[1]. و«المعراض» عود محدد يحذف به الصـيد كالسهم.
ثالثًا: (الإجماع):
أجمع العلماء على إباحة الاصطياد، والأكل من الصـيد[2].
اشترط الفقهاء شـروطًا لإباحة الصـيد، أوجزها فيما يلي:
وهو المسلم أو الكتابي وقد سبق بيان شـروطه مفصلة، فلا يحل صـيد الوثني أو المجوسـي، حتى لو اشترك المجوسـي مع المسلم في صـيد فلا يحل؛ إلا إذا سبق سهم المسلم، أو كلبه المعلم.
فإذا رمى بسهم ليختبر قوته مثلًا، فوقع السهم على صـيد؛ فإنه لا يحل؛ لأنه لم ينو الصـيد، وكذلك لو استرسل كلبُه دون أن يرسله، فاصطاد؛ فإنه لا يحل؛ لأنه لم يرسله، إلا إذا أدركه حيًّا فذكاه، أما إذا عدا الكلب على صـيد، فزجره ليزيد في عدوه فإنه يباح على الراجح؛ لأن الزجر قام مقام الاسترسال، فهو بذلك نوى الاصطياد.
أعني إذا كان صـيده من صـيد البر؛ لقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ ، وعلى هذا فصـيد البحر حلال؛ سواء كان محرمًا أو غير مُحرِم.
(د) التسمية عند إرسال السهم أو الجارح:
لقوله ﷺ: «إذا أرسلت سهمك وذكرت اسم الله عليه، فكل»، وقوله: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل». ولا يكفي في ذلك أن يكتب على السهم باسم الله، بل لا بد أن يسمي عند رمي السهم، وعند إرسال الجارح.
والراجح أن ترك التسمية عمدًا أو سهوًا لا يبيح الصـيد بخلاف مسألة ترك البسملة عند الذبح، وقد سبق الكلام فيها مفصلا، والدليل على اشتراط التسمية في الصـيد حديث عدي ابن حاتم: «فإنك سميت على كلبك ولم تسم على الكلب الآخر»، فلو لم تكن التسمية شـرطًا لما اختلف الحكم في الكلبين.
(هـ) اشترط بعض الفقهاء كذلك: أن يتبع الصائد الصـيد:
بألا ينشغل عن صـيده بشـيء آخر؛ لأنه إن أدركه حيًّا بحيث إنه لم يمت سـريعًا متأثرًا بآلة الصـيد، فإنه يجب عليه أن يذكيه بذبح أو نحر، وإلا لم يحل، وأما إن أدركه ميتًا، أو به حياة يموت بعدها سـريعًا فإنه يحل، سواء ذكاه أو تركه حتى يموت.
إذا رمى الصـيد فمات، فما الحكم؟
(1) إذا رمى الصائد الصـيد، فغاب عن عينه، ثم وجده بعد ذلك ميتًا فما حكمه؟
الجواب: إن وجد أثر سهمه فقط، ولم يجد فيه شـيئًا آخر؛ حل له أكله، أما إن وجد شـيئًا آخر؛ كأن يجد به أثر سهم آخر، أو وجد فيه أثر سبع مثلًا، لم يبح أكله؛ لما ثبت في حديث عدي بن حاتم، قلت: يا رسول الله، إنا أهل صـيد، وإن أحدنا يرمي الصـيد، فيغيب عنه الليلتين والثلاث؟ فقال: «إن وجدت فيه أثر سهمك، ولم يكن أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله، فكل»[3].
(2) إذا رماه بسهم فوقع الصـيد في ماء، أو تردى من مكان عال فمات، لم يؤكل، إلا أن يكون السهم قد نفذ فيه فمات قبل الوقوع في الماء أو التردي؛ فإنه لا يضـره، وكذلك إن أدركه حيًّا فذكاه قبل أن يموت فإنه يحل.
الصـيد يكون إما بالآلة، وإما بالحيوان:
يشترط في الصـيد بالآلة ما يلي:
كالسهم والسـيف، ويشترط ألا تكون سنًّا ولا ظفرًا كما سبق بيانه.
لقوله ﷺ: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل»[4]، ولا يشترط أن يكون الجرح في الرقبة، بل إذا جرحه في أي موضع من الجسد حل، فإن ماتت الذبيحة، أو وجدها حية بحيث يسـرع إليها الموت فتركها حتى ماتت فهي حلال أيضًا، وإن أدركها حية لا يسـرع إليها الموت فلا بد من تذكيتها.
وعلى هذا فلا يجوز الصـيد بمثقَّل -يعني بشـيء ثقيل يموت بسببه الصـيد إذا وقع عليه لثقله- أو إذا أصابها بعرض الآلة ولم يصبها بحدها؛ فإنها لا تحل، إلا أن يدركها حية فيذكيها بالذبح أو النحر، فإنها عندئذ تكون حلالًا؛ لما ثبت أن النبي ﷺ سئل عن المعراض -وهو عود محدد- فقال: «إذا أصاب بحده فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتله فلا تأكل، فإنه وقيذ»[5]. يعني (موقوذ). وهو الذي يضـرب حتى الموت.
(1) الصـيد بالبندقية جائز؛ لأنه ينفذ في الصـيد.
قال ابن عثيمين: (البندق المعروف اتفقوا على أنه يقتل بحده ونفوذه، فهو يحل)[6].
(2) إذا رمى صـيدًا فقطع منه عضوًا، فمات الصـيد موتًا سـريعًا، أو أدركه وهو في أسباب الموت الحاضـر، فإن هذا الصـيد كله حلالٌ أكله حتى العضو البائن منه؛ لعموم قوله ﷺ: «إذا خزق فكل»، وأما إن أدركه حيًّا فإنه يذكيه، ويأكله كله عدا العضو المقطوع؛ لأن إباحته كانت بالتذكية، وقد قال ﷺ: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة»[7].