حجم الخط:

محتوى الدرس (249)

كتاب العقيقة

خريطة ذهنية لكتاب العقيقة

جدول 139 كتاب العقيقة

أولاً: معنى العقيقة واشتقاقها:

العقيقة: (اسم لما يُذبح عن المولود، واختُلف في اشتقاقها؛ فقال أبو عبيد والأصمعي: أصلها الشعر الذي يخرج على رأس المولود، وتبعه الزمخشـري وغيره، وسميت الشاه التي تذبح عنه في تلك الحالة عقيقة؛ لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح. قال أحمد: إنها مأخوذة من العَقِّ، وهو الشق والقطع. قال: وقيل: هي الشعر عند الذبح. وقال الخطابي: سميت بذلك لأنها تعق مذابحها، أي: تشق وتقطع. وقال ابن فارس: الشاة التي تذبح والشعر منها يسمى: عقيقة، يقال: عق يعق إذا حلق عن ابن عقيقته، وذبح للمساكين شاة)[1]. فمعنى «عقيقته» هنا، أي: شعره.

قلت: ويتلخص من ذلك أن اشتقاق العقيقة من ذبح الشاة عن المولود، وهو المتبادر والمفهوم من الأحاديث، أو يطلق على شعر المولود نفسه.

ثانيًا: حكمها:

ذهب بعض أهل العلم إلى القول بوجوبها، وقال الجمهور باستحبابها، وسئل الإمام أحمد عن العقيقة: واجبة هي؟ قال: أما واجبة فلا أدري، لا أقول واجبة، ثم قال: أشد شـيء فيه أن الرجل مرتهن بعقيقته.

وممن ذهب إلى وجوبها: الحسن البصـري، وبريدة الأسلمي، والظاهرية، واستدلوا بما ورد في الأمر بها، وأن الأمر يفيد الوجوب.

ثالثًا: ما ورد في مشروعيتها وفضلها:

(1) عن سليمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى»[2].

وفسـر ابن سـيرين إماطة الأذى بحلق الرأس، وكذلك فسـره الأصمعي، ورجحه الشوكاني في (نيل الأوطار)[3].

قال الحافظ: (ولكن لا يتعين ذلك في حلق الرأس، فقد وقع في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الطبراني: «ويماط عنه الأذى، ويحلق رأسه»[4]، فعطفه عليه، فالأولى حمل الأذى على ما هو أعم من حلق الرأس)[5].

قلت: لكن هذا الحديث الذي استدل به الحافظ ضعيف، وعلى هذا فيرجح تفسـير ابن سـيرين للأذى بحلق الرأس. ويمكن أن يقال: ما قاله ابن سـيرين تفسـير منه للأذى ولا يمنع ما هو أعم من ذلك كما قال الحافظ.

(2) وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل غلام رهينة بعقيقته؛ تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه»، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي[6].

معنى قوله: «رهينة بعقيقته»: قال الخطابي: (اختلف الناس في هذا؛ وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل؛ قال: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا لم يعق عنه، فمات طفلًا لم يشفع في أبويه)[7]. قال الحافظ: (وقيل: معناه أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه المولود في لزومها وعدم الانفكاك منها بالرهن في يد المرتهن، وهذا يقوي قول من قال بالوجوب. وقيل: المعنى أنه مرهون بأذى شعره، ولذلك جاء: «فأميطوا عنه الأذى»)[8]. قال ابن القيم: (وظاهر هذا الحديث أنه رهينة في نفسه، ممنوع محبوس من خير يراد به، ولا يلزم من ذلك أن يعاقب على ذلك في الآخرة، وإن حبس بترك أبويه العقيقةَ عما يناله مَنْ عق عنه أبواه، وقد يفوت الولدَ خيرٌ بسبب تفريط الأبوين وإن لم يكن من كسبه، كما أنه عند الجماع إذا سمى أبوه لم يضـر الشـيطان ولده، وإذا ترك التسمية لم يحصل للولد هذا الحفظ)[9].

(3) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة»[10] .

وفي لفظ: أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتين.

(4) وعن أم كرز الكعبية رضي الله عنها، أنها سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: «عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة؛ لا يضـركم ذكرانًا كن أو إناثًا»[11].

رابعًا: وقتها:

تقدم في حديث سمرة رضي الله عنه قوله ﷺ: «تذبح يوم سابعه»، فدل ذلك على أن وقت الذبح هو اليوم السابع من ولادته.

قال مالك: إن مات قبل السابع سقطت العقيقة، ونقل الترمذي عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح العقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ فيوم الرابع عشـر، فإن لم يتهيأ عق عنه يوم واحد وعشـرين.

ويرى الإمام مالك أنه لا يعد اليوم الذي ولد فيه، إلا أن يكون ولد قبل الفجر.

خامسًا: ما يذبح في العقيقة:

[تمهيد]

يذبح عن الغلام شاتان، وعن البنت شاة واحدة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتين»[12].

وفي رواية أحمد والترمذي : «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة»[13].

ما يشترط في العقيقة:

(1) الشاة تطلق على الضأن والمَعْز، فبأيهما عق فقد حقق الغرض، وسواء كن ذكرانًا أم إناثًا؛ وذلك لقوله ﷺ في حديث أم كرز الكعبية رضي الله عنها: «ولا يضـركم ذكرانًا كن أو إناثًا»[14].

(2) لم يرد تحديد معين لسنها كما في الأضحية، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجزئ في ذلك ما يجزئ في الأضحية، فالضأن لا يقل عن ستة أو ثمانية أشهر، والمعز لا يقل عن سنة.

قال الإمام مالك: (العقيقة بمنزلة النسك والضحايا، ولا يجوز فيها عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة).

(3) هل يجوز العقيقة بغير الشـياه؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

الأول: يجوز العقيقة بالشـياه والإبل والبقر، وهذا مذهب جمهور العلماء، ومن أدلتهم حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من وُلد له غلام فليعق عنه من الإبل والبقر والغنم»[15].

الثاني: قالوا: لا يجوز إلا بالشـياه، وهذا مذهب الظاهرية، ورجحه ابن القيم وابن المنذر[16].

وعن ابن أبي مليكة قال: نُفِس لعبد الرحمن بن أبي بكر غلام، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين، عقي عنه جزورًا، فقالت: معاذ الله، ولكن ما قال رسول الله ﷺ: «شاتان مكافئتان»[17].

قلت: لو صح حديث أنس لكان نصًّا في المسألة، وقد حكم الشـيخ الألباني على الحديث بالوضع، لكنه لم يذكر رواية أبي الشـيخ التي أشار إليها العراقي وحسن إسنادها كما في تخريج الحديث بالهامش، وإن كنت أرى أن الأَوْلى أن يعق بالشـياه خروجًا من الخلاف، والله أعلم.

(4) لا يصح الاشتراك في العقيقة كما في الأضحية؛ إذ تجزئ البقرة عن سبعة؛ قال ابن القيم: (ولا يجزئ الرأس إلا عن رأس، هذا بتمامه تخالف فيه العقيقة الهدي والأضحية)[18].

ثم قال: (لما كانت هذه الذبيحة جارية مجرى فداء المولود، كان المشـروع فيها دمًا كاملًا؛ لتكون نفسٌ فداءَ نفس، وأيضًا فلو صح فيها الاشتراك لما حصل المقصود من إراقة الدم عن الولد، فإن إراقة الدم تقع عن واحد، ويحصل لباقي الأولاد إخراج اللحم فقط، والمقصود نفس الإراقة عن الولد، وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه مَنْ منع الاشتراك في الهدي والأضحية، ولكن سنة رسول الله ﷺ أحق وأولى أن تتبع، وهو الذي شـرع الاشتراك في الهدايا، وشـرع في العقيقة عن الغلام دمين مستقلين، لا يقوم مقامهما جزور ولا بقرة، والله أعلم)[19].

سادسًا: مسائل متعلقة بالعقيقة:

أولًا: لا يجزئ التصدق بثمن العقيقة، ولا شـراء اللحم والتصدق به بدلًا منها؛ لأن المقصد في العقيقة الذبح وإراقة الدم؛ لقوله ﷺ: «أريقوا عنه دمًا»؛ فإنه - يعني إراقة الدم - عبادة مقصودة، كما قال تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].

ثانيًا: لا يشترط في العقيقة طبخها، فبأي وجه تصدق بلحمها جاز له ذلك؛ لأنه لم ترد نصوص في استحباب طبخها ولا تقسـيمها، وإنما ذلك جائز ومباح.

وقد سئل الإمام أحمد عن العقيقة: كيف يصنع بها؟ قال: (كيف شئت).

وقال ابن سـيرين: (اصنع ما شئت، قيل له: يأكلها أهلها؟ قال: نعم، ولا تؤكل كلها، ولكن يأكل ويطعم).

ثالثًا: إذا لم يُعَقَّ عنه جاز أن يعق هو عن نفسه؛ لما ثبت أن رسول الله ﷺ «عق عن نفسه بعد النبوة»[20]. أخرجه أبو الشـيخ من طريقين: أحدهما ضعيف الإسناد؛ لأن فيه عبد الله بن محرر: متروك الحديث، وأما الطريق الثاني فقد قال الحافظ في فتح الباري: (قوي الإسناد)[21]. وخالفه كثير من العلماء فقالوا بضعف الحديث عموما. بناءا على ذلك فقد اختلف العلماء في المسألة فمنهم من يرى استحباب أن يعق عن نفسه، ومنهم من يرى أن هذه عن الوالد.

قال ابن القيم: (والقول الأول أظهر، وهو أنه يستحب أن يعق عن نفسه، لأن العقيقة سنة مؤكدة، وقد تركها والده؛ فشـرع له أن يقوم بها إذا استطاع ذلك، لعموم الأحاديث).

قال الشـيخ ابن باز ؒ: (والقول الأول أظهر، وهو أنه يستحب أن يعق عن نفسه؛ لأن العقيقة سنة مؤكدة، وقد تركها والده فشـرع له أن يقوم بها إذا استطاع؛ ذلك لعموم الأحاديث ومنها: قوله ﷺ: «كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى» أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه بإسناد صحيح، ومنها: حديث أم كرز الكعبية عن النبي ﷺ: أنه أمر أن يُعق عن الغلام بشاتين وعن الأنثى شاة أخرجه الخمسة، وخرج الترمذي وصحح مثله عن عائشة , وهذا لم يوجه إلى الأب فيعم الولد والأم وغيرهما من أقارب المولود)[22].

رابعًا: سئل أحمد بن حنبل، إذا أراد الرجل أن يعق كيف يقول؟ قال: يقول: (باسم الله، ويذبح على النية، كما يضحي بنية). قال ابن المنذر: (وهذا حسن، وإن نوى العقيقة ولم يتكلم به أجزأه إن شاء الله).

خامسًا: إذا اجتمعت العقيقة والأضحية، فهل يجوز أن يجمع بينهما بنية واحدة؟ هناك ثلاثة أقوال في ذلك للإمام أحمد: الجواز، والمنع، والتوقف، والصحيح - والله أعلم - المنع، أي: أنه يلزم أن تكون الأضحية مستقلة عن العقيقة؛ لما تقدم من أن المقصد في العقيقة إراقة الدم عن النفس، فلا يصح الاشتراك، وإلا فلو جاز ذلك لجاز الاشتراك في العقيقة، وقد تقدَّم عدم الجواز، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة