حجم الخط:

محتوى الدرس (250)

كتـاب الأشربة

معناها:

الأشـربة: جمع شـراب، وهو اسم لما يشـرب من أي نوع كان؛ ماء أو غيره، وعلى أي حال كان، وكل شـيء لا مضغ فيه فإنه يقال فيه: يشـرب[1].

حكم الأشربة:

اتفق العلماء على أن الأصل في الأشـربة الحل؛ لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، لكن يستثنى من ذلك ما ورد الدليل على تحريمه؛ كالخمر.

تحريم الخمر:

أصل الخمر: ستر الشـيء؛ يقال لما يستر به: خمار، وسميت الخمر؛ لأنها خامرة (ساترة) لمقر العقل[2]. وفي اصطلاح الفقهاء: كل مسكر خمر.

والأدلة على تحريم الخمر ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع:

أما (الكتاب): فقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ عز وجل عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90-91].

وأما (السنة): فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقِيَها، وبائعَها، ومبتاعَها، وعاصـرها، ومعتصـرها، وحاملَها، والمحمولةَ إليه»[3].

وأما (الإجماع): فقد استقر إجماع الأمة على تحريم الخمر[4].

عموم تحريم كل مسكر:

قرر العلماء أن كل مسكر خمر، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام؛ سواء اتخذ من العنب، أو التمر، أو الحنطة، أو الشعير، أو غير ذلك، وسواء طبخ أو لم يطبخ، بأي وسـيلة اتخذ، لا فرق في ذلك بين القليل والكثير؛ فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قام عمر على المنبر فقال: «أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل»[5].

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول اللهﷺ: «كل مسكر حرام، إن على الله عهدًا لمن يشـرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال»، قالوا: وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار»[6].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»[7].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «كل ما أسكر حرام، وما أسكر الفَرْق، فملء الكف منه حرام»[8]. و«الفرق»: مكيال يسع ستة عشـر رطلًا.

تنبيه: ذهب بعض العلماء إلى أن الخمر هو المسكر من عصـير العنب فقط، وهذا قول ضعيف؛ قال القرطبي ردًّا على هذا القول: (وهو قول مخالف للغة العرب، والسنة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب، وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهم، وحرموا كل نوع منها، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يشكل عليهم شـيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصـير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحققوا التحريم؛ لما كان قد تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك، بل بادروا إلى إتلاف الجميع، علمنا أنهم فهموا التحريم نصًّا، فصار القائل بالتفريق سالكًا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما يوافق ذلك، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وهذا قول جمهور الفقهاء وعامة أهل الحديث)[9].

ويتعلق بذلك أمور:

(1) حكم التحريم في الخمر عام:

سواء كان قليلًا أو كثيرا؛ لما تقدم من الحديث: «ما أسكر كثيره فقليله حرام».

(2) يشمل هذا الحكم أيضًا كل ما خامر العقل:

وعلى ذلك فيحرم المخدرات من الحشـيش، والأفيون، والبانجو، والهيروين، والبيرة، والويسكي، والكونياك، وغير ذلك.

وقد ثبت في الحديث عن مالك بن أبي مريم قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم، فتذاكرنا الطلاء[10]، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليشـربن ناس من أمتي الخمر؛ يسمونها بغير اسمها»[11].

وسئل سفيان الثوري عن الداذي، فقال: قال رسول الله ﷺ: «ليشـربن ناس من أمتي الخمر؛ يسمونها بغير اسمها». و«الداذي»: حب يطرح في النبيذ فيشتد.

قال شـيخ الإسلام: (هذه الحشـيشة الصلبة حرام؛ سواء سكر فيها أو لم يسكر... وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة، وإنما يتناولها الفجار لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشـراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة)[12].

وقال أيضًا: (ومن استحلها وزعم أنها حلال فإنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل مرتدًّا، فإن كل ما يغيب العقل فهو حرام بإجماع المسلمين)[13].

(3) يحرم الاتجار في الخمر بيعًا وشـراءً:

كما يحرم التعاون بأي وسـيلة في نشـرها؛ كحملها وتقديمها، حتى إنه ليحرم عليه بيع العنب ونحوه لمن يتخذه خمرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

(4) لا يجوز التداوي بالخمر:

بأي حال من الأحوال؛ فعن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل الرسول ﷺ عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال:«إنه ليس بدواء، ولكنه داء»[14].

(5) هل يجوز تناول الخمر عند الضـرورة:

كأن يدفع عن نفسه عطشًا أو غصة يخشـى منه الهلاك؟ اختلف العلماء في ذلك، والراجح جواز ذلك بقدر ما يدفع به الضـرورة؛ لدخوله في الضـرورة المستثناة في قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119].

(6) هل يضمن من أتلف الخمر؟

الصحيح أنه لا يضمن متلفها، وقد اتفق الفقهاء على أن الخمر إن كانت لمسلم فلا يضمن متلفها، واختلفوا إذا كانت لذمي، فبعضهم يرى الضمان، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وبعضهم يرى عدم الضمان، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.

(7) حكم شـرب البوظة:

وهو شـراب يصنع من القمح، وقد ورد بذلك سؤال إلى دار الإفتاء المصـرية، وكان المفتي هو الشـيخ (محمد خاطر)، فكان الجواب: (فالبوظة وما شابهها من المسكرات حرام، وإن اتخذ الناس لها اسمًا غير اسم الخمر)[15].

حكم تخليل الخمر (أي: جعلها خلاًّ):

إذا أمكن صناعة الخل من غير تخمير فإن هذا الخل حلال، ولا إشكال في ذلك. أما تحويل الخمر إلى خل فحكمه كالآتي:

(أ) إذا تخللت الخمر بنفسها، فإن هذا الخل حلال، لا اختلاف بين الفقهاء في ذلك، وعلى ذلك حملوا قوله ﷺ: «نِعْم الإدام الخل»[16].

(ب) وإذا تخللت الخمر بوضع شـيء فيها؛ كالملح، أو الخل، أو السمك، أو الخبز الحار، أو البصل، أو بإيقاد النار قريبًا منها ونحو ذلك؛ فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا الخل على قولين:

القول الأول: لا يجوز تخليلها، ولا يحل هذا الخل، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وقول عند المالكية.

ودليلهم على ذلك ما ثبت عن أنس أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا؟ قال: «أهرقها»، قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا»[17]. فهذا يدل على تحريم تخليلها، وأنه لا سبيل إلى إصلاحها.

قال الخطابي: (في هذا بيان واضح أن معالجة الخمر حتى تصـير خلًّا غير جائز، ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به؛ لما يجب من حفظه وتثميره، والحيطة عليه.. وفي إراقته إضاعته، فعلم بذلك أن معالجته لا تطهره)[18].

القول الثاني: يجوز تخليلها، ويحل خلها، وهذا مذهب الحنفية والرواية الثانية عن المالكية، ودليلهم عموم حديث: «نعم الإدام الخل» إذْ لم يفرق بين ما خلل بنفسه وما خلل بغيره، قالوا: ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد في الخمر.

والراجح هو رأي الفريق الأول؛ لوضوح الدليل فيه بعدم اتخاذ الخل من الخمر، وأما حديث: «نعم الإدام الخل» فمحمول على خل تخلل بنفسه، أو لم يتخمر أصلًا[19]؛ جمعًا بين الأدلة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة