حكم انتباذ الخليطين من الأشربة:
معنى الانتباذ: الطرح؛ كأن يطرح التمر أو الزبيب في الماء.
وأما حكمه: فإنه إذا انتبذ شـيئًا واحدًا فإنه جائز تناوله، ما لم يصل إلى حد الإسكار.
وأما إذا انتبذ شـيئين فقد وردت الأحاديث بالنهي عن ذلك؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه: «نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعًا، ونهى عن أن ينبذ الرطب والبسـر جميعًا»[1]. ومعنى «البُسـر»: أول ما يدرك من التمر.
وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعًا، ولا تنتبذوا الزبيب والتمر جميعًا، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته»[2]، ومعنى «الزَّهْو»: البسـر الملون الذي بدا فيه حمرة أو صفرة، وطاب.
فدلت هذه الأحاديث على النهي عن انتباذ الخليطين معًا، وقد نصَّت الأحاديث على خمسة أنواع منها؛ وهي: الزهو، والبسـر، والرطب، والتمر، والزبيب، وسـيأتي الخلاف في غير هذه الخمسة.
الأولى: الحكمة من هذا النهي:
لم يأت عن النبي ﷺ في الاحاديث علة منصوص عليها للمنع من الخليطين ولكن العلماء التمسوا علل المنع، ومن ذلك قال بعضهم: العلة الإسكار وبه قال الامام النووي وغيره. وقال آخرون: العلة الإسـراف؛ وقال بها بعض الأحناف وانتصـر لها الإمامان: الطحاوي والسـرخسـي!!
وقال غيرهم: العلة سد الذريعة عن المسكر؛ وبه قال الإمامان ابن القيم والشاطبي وغيرهما. وقيل: إنما النهي تعبدي لا لعلة كما هو ظاهر الموطأ علي ما نقله الائمة ابن رشد وابن عبد البر عن الإمام مالك. والله اعلم
قال النووي: (وذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخلط أن الإسكار يسـرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد، فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار، ويكون قد بلغه)[3].
الثانية: حكم انتباذ الخليطين:
ذهب بعض المالكية إلى تحريم الخليطين وإن لم يسكر، وهو رواية في مذهب أحمد، وإليه ذهب عطاء، وطاووس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن حزم، وعامة أهل الحديث، وهو قول في مذهب الشافعي[4].
قال الإمام القرطبي: (النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم، وهو مذهب كافة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء ومالك في أحد قوليه)[5].
وذهب جمهور الشافعية والحنابلة إلى الكراهة، ما لم يصل إلى حد الإسكار فيحرم حينئذ.
وذهب الحنفية إلى أنه لا بأس بالخليطين مطلقًا ما لم يصل إلى حد الإسكار، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنا ننبذ لرسول الله ﷺ فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحهما، ثم نصب عليه الماء، فننبذه غدوة فيشـربه عشـية، وننبذه عشـية فيشـربها غدوة[6].
قلت: وهو حديث ضعيف لا يصح.
وعلى هذا فالراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من التحريم مطلقًا؛ سواء أسكر أو لم يسكر.
الثالثة: هل يجوز الخلط عند الشـرب؟
أي أنه انتبذ كل شـراب على حدةٍ، ثم أراد أن يأكله؛ فهل يجوز أن يجمع هذه الأشـربة فيجعلها في إناء واحد؟
ذهب بعض العلماء إلى جواز ذلك، ولكن الراجح أنه لا يجوز جمعها لا عند الانتباذ، ولا عند الشـراب، بل يجعل كل واحد منها على حدة، ويؤيد ذلك ما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من شـرب منكم النبيذ فليشـربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسـرا فردًا»[7].
الرابعة: هل يجوز انتباذ شـيء غير المنصوص عليه في الحديث مع شـيء منصوص عليه فيه؟
معلوم أن الأحاديث ذكرت خمسة أنواع فقط، نهت فيها عن الخليطين منها، فهل يجوز إذا أضـيف لواحد منها شـيء آخر؟ كأن ينتبذ التمر مثلًا (وهو منصوص عليه)، مع التين (وهو غير منصوص عليه) فهل ذلك جائز؟
الراجح: عدم جواز ذلك أيضًا، لما ثبت في الأحاديث: و«لينبذ كل واحد منها على حدة»، ولقوله: «فليشـربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسـرا فردًا».
الخامسة: هل يجوز الانتباذ إذا كان الخليطان غير منصوص عليهما؟
إذا انتبذ خليطين غير منصوص عليهما؛ أي من غير الخمسة المذكورة سابقًا، كالتين مع المشمش مثلًا، فهل ذلك جائز أو لا؟
ذهب المالكية إلى المنع مطلقًا من أي خليطين؛ سواء كان منصوصًا عليها أم لا؛ لما ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ «نهى عن الخليطين»[8]، هكذا مطلقًا دون أن يقيدها بما سبق، وهي روايات لا يخلو كل منها من ضعف، وهذا الرأي ارتضاه الحافظ في الفتح، وأنكر على ابن حزم تمسكه بأن المنهي عنه في المنصوص عليه فقط[9].
وذهب ابن حزم ونسبه لعمرو بن دينار؛ إلى أن النهي مخصوص بالمنصوص عليه وضعفوا الأحاديث الواردة بصـيغة الإطلاق، أو أنها محمولة على الأحاديث الأخرى المقيدة بالأصناف الخمسة فقط، على أن بعض هذه الروايات الضعيفة وصفت الخليطين بأنهما من هذه الخمسة أيضًا[10].
خلط الأشربة -كاللبن والعسل، والشعير والقمح وغير ذلك- جائز ما لم يسكر، وكذلك خلط العصائر من غير ما ذكر؛ فإنه يجوز؛ لأنه لا يدخل في معنى الانتباذ المذكور.
السابعة: الآنية التي يُنتبذ فيها:
يجوز الانتباذ المذكور بشـروطه في أي إناء كان، ما لم يسكر، ما عدا آنية الذهب والفضة؛ لما ثبت من تحريم الأكل والشـرب فيها، وكذلك يحرم إذا كان من إناء أهل الكتاب إلا بعد غسله، ويحرم كذلك إذا كان الإناء من جلد ميتة غير مدبوغ.
الثامنة: إذا انتبذ الشـيء منفردًا غدوة شـربه عشـية:
ويجوز أن يؤخره إلى ثلاثة أيام، فإن تبقى منه شـيء سقاه لغيره أو أهرقه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان ينبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكى أعلاه، وله عزلاء، ينبذ غدوة فيشـربه عشاء، وينبذ عشاء فيشـربه غدوة»[11]، و«العَزْلاء»: فم السقاء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان ينبذ للنبي ﷺ الزبيب، فيشـربه اليوم، والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقى الخدم أو يهراق»[12].
تحريم شـرب الدخان (السجائر والمعسل):
ويدخل في ذلك القات.
للدخان أضـرار كثيرة على الإنسان؛ فمن ذلك:
أضرار التدخين على الجهاز الهضمي:
(1) يسبب قرحة المريء، وسـرطان المريء، وكذلك القرحة المعدية والمعوية، كما يسبب التهابات البنكرياس، وقد لاحظ الباحثون زيادة الإصابة بسـرطان البنكرياس لدى المدخنين.
(2) التدخين يتسبب في تغيير تركيب اللعاب الكيمائي، ويصبح أكثر قلويًّة، وتقل فيه المادة الهاضمة، وذلك يؤدي إلى اضطراب في الهضم، كما أنه يبدد القابلية للطعام.
(3) يؤثر التدخين في خلايا الكبد، فيصـيبها بأمراض؛ منها الضمور الكبدي.
أضرار التدخين على الجهاز العصبي:
(4) يؤثر التدخين في الجهاز العصبي؛ وذلك يسبب له الصداع، والدوار وعدم القدرة على التوازن، ويسبب له حالات أرق بالليل؛ خاصة عند المدمن.
(5) قد يصاب المدخن بمرض ضعف الأعصاب، وضعف الذاكرة والذكاء والنشاط الذهني، فإنه يلجم عمل الدماغ جزئيًّا.
(6) غالبًا ما يكون المدخن عصبي المزاج، يفقد سـيطرته على نفسه عند أية إثارة يتعرض لها، وقد يرتجف، ولا يستطيع ضبط نفسه.
أضرار التدخين على الجهاز الدوري:
(7) يسبب زيادة ضـربات القلب، وانقباض الشـرايين والتصاق الصفائح المسؤولة عن تكون الجلطات.
(8) يكثر ترسب الدهون على جدران الأوعية الدموية؛ وذلك يساعد على تصلب الشـرايين وجلطة القلب وموت الفجأة.
(9) يؤثر التدخين في ضغط الدم فيرفعه، وقد ثبت بالتجربة أن ضغط الدم لغير المدخن (120ملم)، فإذا دخن سـيجارة واحدة ارتفع ضغط الدم إلى (160ملم).
أضرار التدخين على الجهاز البولي:
(10) يسبب التدخين أورامًا بالمثانة، ويرجع ذلك لأمرين:
الأول: المادة السـرطانية الموجودة في التبغ.
الثاني: ضعف مقاومة المدخن للأمراض، بسبب تأثير الدخان على جهاز المناعة.
(11) يسبب التدخين التهابات بالعين، وتبدو العين محتقنة، كما تصاب شبكية العين.
(12) يساعد على تنمية سـرطان الحنجرة.
(13) يصفر الأسنان.
(14) يكوِّن التجاعيد والأخاديد في الجلد.
(15) يهيج العصارة المخاطية.
(16) يضعف القدرة الجنسـية عند الزوجين.
(17) يضعف الإرادة.
(18) يصاب الإنسان بالخمول؛ نتيجة لضعف نشاطه العقلي والنفسـي.
(19) يعطي رائحة كريهة للنفس.
(20) يسمم الجسم ويحمّل الإنسان نفقات باهظة.
قلت: فالتدخين له أضـراره الاجتماعية، والنفسـية، والصحية، والمالية، وغير ذلك من الأضـرار؛ وعلى هذا فينبغي التخلص من التدخين، وإرشاد المدخنين إلى الإقلاع عنه تمامًا، وإعلان التوبة إلى الله عز وجل.