حجم الخط:

محتوى الدرس (252)

آداب الشراب:

(1-3) النية الصالحة، التسمية، الشـرب باليمين:

وقد تقدمت ضمن آداب الطعام[1].

(4) الشـرب قاعدًا:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يشـربن أحد منكم قائمًا، فمن نسـي فليستقئ»[2]. وعن أنس قال: «نهى - وفي لفظ: زجر - رسول الله ﷺ عن الشـرب قائمًا»[3].

فهذه الأحاديث ورد فيها النهي عن الشـرب قائمًا، لكن عارضها أحاديث أخرى فيها جواز الشـرب قائمًا؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي ﷺ شـرب من زمزم من دلو منها وهو قائم»[4].

وثبت أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه شـرب قائمًا، وقال: «إن ناسًا يكره أحدهم أن يشـرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت»[5]، وصحح الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشـي، ونشـرب ونحن قيام»[6]، وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله ابن أنيس وغيرهم، وثبت في الموطأ أن عمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم كانوا يشـربون قيامًا، وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسًا[7].

وللعلماء مسالك في الجمع بين هذه الأحاديث؛ فبعضهم يُرجِّح أحاديث الجواز على أحاديث النهي، وبعضهم يدَّعي النسخ لأحاديث النهي، وعكسه الأثرم في الناسخ والمنسوخ وابن حزم فادَّعى نسخ أحاديث الجواز، وبعضهم جمع بين الأحاديث، وأحسن ما قيل في الجمع بينها طريقة الخطابي وابن بطال؛ فإنهم حملوا أحاديث النهي على كراهة التنزيه، والأحاديث الأخرى على بيان الجواز. قال الحافظ: (وهذا أحسن المسالك، وأسلمها، وأبعدها من الاعتراض)[8].

(5) الشـرب ثلاثًا:

وذلك لما ثبت في الحديث أنه ﷺ كان إذا شـرب تنفس، ويقول: «إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ»[9]. ولأبي داود «أهنأ». بدل (أروى). ومقصود الحديث: أنه يشـرب مرة، ثم يبعد الإناء، ويتنفس بعيدًا عنه، هكذا ثلاث مرات. ومعنى «أروى» من الرِّي، أي: أكثر ريًّا، و«أمرأ» يقال: مرأ الطعام، وأمرأ: صار مريًّا أي سائغا، و«أبرأ» أي: يبرئ من الأذى والعطش، و«أهنأ» أي: أنه يصـير هنيًّا مريًّا بريًّا، أي: سالمًا من مرض أو عطش أو أذى.

تنبيه: في معجم الطبراني الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي ﷺ كان يشـرب في ثلاثة أنفاس، وإذا أدنى الإناء إلى فيه يسمي الله، فإذا أخره حمد الله، ويفعل ذلك ثلاثًا»[10].

(6) لا يتنفس في الإناء، ولا ينفخ فيه:

لما ثبت في الحديث عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا شـرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»[11]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، وأن ينفخ فيه»[12]. قال الحافظ: (وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث، وكذلك النهي عن التنفس في الإناء؛ لأنه ربما حصل له تغير من النفس؛ إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلًا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس)[13].

(7) عدم الشـرب من فم السقاء:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ «نهى أن يشـرب من فيِّ السقاء»[14]. قال النووي: (اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم)[15]. وما ادعاه من الاتفاق قد عارضه ابن حجر بأنه ثبت عن الإمام مالك جواز الشـرب من أفواه القرب، لكن اعتذر عنه بأن النهي لم يبلغه.

قال النووي: (ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك)، وعارضه ابن حجر كذلك بأن أحاديث الرخصة المشار إليها إنما هي من فعله ﷺ، وأحاديث النهي من قوله.

ومن هذه الأحاديث التي أشار إليها النووي: ما رواه الترمذي وصحَّحه عن كبشة رضي الله عنها قالت: «دخلت على رسول الله ﷺ فشـرب من فيِّ قربة معلقة»[16].

قال الحافظ: (قال شـيخنا: لو فرق بين ما يكون لعذر؛ كأن تكون القربة معلقة، ولم يجد المحتاج إلى الشـرب إناء متيسـرًا، ولم يتمكن من التناول بكفه؛ فلا كراهة حينئذ؛ وعلى هذا تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر؛ فتحمل عليه أحاديث النهي)[17].

وأما العلة من هذا النهي، فقد ذكر العلماء بعض العلل:

فمنها: أنه لا يأمن دخول شـيء من الهوام مع الماء في جوف السقاء، فيدخل فم الشارب وهو لا يشعر.

ومنها: ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة بسند قوي بلفظ: «نهى أن يشـرب من في السقاء؛ لأن ذلك ينتنه»[18].

ومنها: أن الذي يشـرب من في السقاء قد يغلبه الماء، فينصب أكثر من حاجته، فلا يأمن أن يشـرق به، أو تبتل ثيابه.

(8) حمد الله بعد الشـرب:

ثبت في الحديث أن النبي ﷺ كان إذا أكل أو شـرب قال: «الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوَّغه، وجعل له مخرجًا»[19].

ويستحب أن يحمد الله بعد كل نفس؛ لما تقدم في الحديث أنه كان يفعل ذلك[20].

وقد تقدمت أدعية الحمد بعد الطعام والشـراب[21].

(9) البدء بالأيمن فالأيمن عند السقاية:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتي بلبن قد شـيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشـرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: «الأيمن فالأيمن»[22].

لكنه إن أراد تقديم غير الذي عن يمينه؛ لسنِّه أو لعلمه أو لغير ذلك، فإنه يستأذن من على يمينه أولًا، ولو كان صغير السن أو القدر؛ فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتي بشـراب فشـرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشـياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصـيبي منك أحدًا، قال: فتلَّه رسول الله ﷺ في يده»[23]، ومعنى «تلَّه»: طرحه ووضعه.

(10) وساقي القوم آخرهم شـربًا:

عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن ساقي القوم آخرهم شـربًا»[24].

(11) يستحب تغطية الآنية والتسمية عليها:

قال رسول الله ﷺ: «إذا كان جنح الليل، أو أمسـيتم؛ فكفوا صبيانكم؛ فإن الشـياطين تنتشـر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشـيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكوا قِرَبَكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة، فأحرقت أهل البيت»[25].

ومعنى «أوكوا»: أي اربطوا وشدوا، و«خمروا»: غطوا، و«كفوا»: ضموهم إليكم، والمعنى: امنعوهم من الحركة في ذلك الوقت.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة