المسألة الثانية: أحكام النظر:
أولاً: حكم نظر الرجل إلى المرأة:
جاز للزوج اللمس والنظر إلى جميع جسدها بلا استثناء باتفاق العلماء، والأدلة على ذلك كثيرة:
منها: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿ ٥ ﴾ إِلَّا عز وجل أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ [المؤمنون:5، 6، والمعارج:29-30]، فإن الآية دليل على ما هو فوق النظر؛ من المس والضم والمباشـرة، فكان النظر مباحًا من باب الأولى.
ومنها: ما تقدم من حديث عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد يقال له الفَرْق»[1].
ومنها: ما تقدم من قوله ﷺ: «احفظ عورتك، إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك».
فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة؛ من جواز نظر محارمها إلى ما يظهر غالبًا؛ كالرقبة والرأس والكفين والقدمين، وليس له النظر إلى ما يستتر غالبًا؛ كالصدر والظهر ونحوهما[2].
وهذا هو الذي ذهبت إليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وقد تقدم نص الفتوى قريبًا[3][4].
قلت: ويجوز أن يزاد على ما ذكر: جواز النظر إلى مواضع الوضوء؛ لما تقدم من الأحاديث؛ أي أن له أن ينظر -زيادة على ما تقدم- إلى الذراعين وأطراف الساقين، كما هو مذهب المالكية.
(يعني ليست بزوجة له، ولا هو محرم لها): فلا يحل له النظر إليها، وهو الراجح، وهو مذهب الشافعية والحنابلة؛ لقوله ﷺ: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشـرفها الشـيطان»[5]. فإن وقع نظره على امرأة من غير قصد وجب عليه أن يصـرف بصـره؛ لما ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصـرف بصـري»[6]، وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي، لا تُتبع النظرةَ النظرةَ؛ فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة»[7].
يجوز نظر الرجل للرجل من غير شهوة إلى جميع بدنه ما عدا العورة؛ وهي ما بين السـرة إلى الركبة، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة، فإن كان النظر بشهوة حرم كذلك؛ سواء كان أمرد (يعني ليس له لحية) أو ملتحيًا.
ثالثًا: حكم نظر المرأة إلى المرأة:
ذهب كثير من العلماء إلى أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى الرجل؛ فلها أن تنظر إلى جميع بدنها ما عدا ما بين السـرة والركبة.
وتقدَّم أن قول أبي حنيفة أن لها النظر إلى ما يباح نظر المحارم إليه، وهذا هو الراجح لظاهر القرآن، وقد صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة تأييدًا لهذا القول، وتقدَّم كذلك أن الأصح ما ذهب إليه الجمهور من عدم إبداء الزينة أمام الكتابية، فلا تظهر إلا الوجه والكفين.
جاز لها اللمس والنظر إلى جميع بدنه من غير استثناء.
جاز أن ترى منه جسده إلا عورته؛ وهي ما بين السـرة إلى الركبة.
فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
الأول: لا يجوز نظر المرأة إلى الرجال الأجانب مطلقًا؛ بشهوة أو بغير شهوة، ودليلهم عموم قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ [النور:31].
وحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم -وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب- فقال النبي ﷺ: «احتجبا عنه» فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصـرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصـرانه؟»[8]، ولكنه حديث ضعيف.
الثاني: قالوا: يجوز لها النظر للرجال الأجانب إذا أمنت الفتنة، ودليلهم ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله ﷺ يومًا على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم[9].
وقد رجح النووي الرأي الأول[10]، ورجح ابن قدامة الرأي الثاني[11]، والله أعلم.
قلت: ولا يعني هذا إباحة الاختلاط ومسامرة النساء للرجال ونحو ذلك، علمًا بأن الرأي الأول أقرب لسد الذرائع، وأمن الفتنة.
فروع في النظر والمس والخلوة والاستئذان:
(1) يباح النظر عمومًا عند الضـرورة:
فيباح نظر الرجل إلى المرأة والعكس عند الخطبة، وعند العلاج، وأمام القاضـي، والشاهد، ويشترط أن تقدر الضـرورة بقدرها؛ ففي الخطبة مثلًا لا يزاد عن موضع الحاجة؛ كالنظر إلى الوجه والكفين.
وعند أحمد: يجوز النظر إلى الرقبة والشعر والقدم[12]، وعند العلاج يشترط وجود المحرم، ويشترط عدم وجود طبيبة مسلمة، فإن لم توجد فطبيبة غير مسلمة، ولا يكشف إلا قدر الحاجة، وأن يكون هناك ضـرورة للعلاج.
وقد توسع الناس في هذا الزمان بكشف النساء عند الرجال حتى في كشف العورات المغلظة كالفرجين، وكذلك عمَّ البلاء في المستشفيات؛ بجعل الممرضات يكشفن عن عورات الرجال والعكس، وهذه من المنكرات التي ينبغي تغييرها من ولاة الأمور وممن لهم في ذلك وجاهة؛ كمديري المستشفيات والأطباء وغيرهم، مع مراعاة أحوال الضـرورة، وتقديرها بقدرها، والله المستعان.
ومن الضوابط أنه عند الشهادة إذا عرفها الشاهد وهي بالنقاب لا يحتاج الأمر إلى الكشف.
(2) لا يعني إباحة النظر فيما سبق إباحةَ المس:
فلا يحل مصافحة المرأة؛ لما ثبت في الحديث: «واليدان تزنيان، وزناهما البطش»[13]، وفي رواية: «اللمس».
وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يضـرب رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»[14].
(3) يحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية:
فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخولَ على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو، قال: «الحمو الموت»[15]. ومعنى «الحمو»: أقارب الزوج.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»[16].
قال القرطبي في (المفهم): (المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي: فهو مُحرَّم معلوم التحريم، وإنما بالغ في الزجر عنه وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم لذلك حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة، فخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت، أي لقاؤه يفضـي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضـي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غَيْرة الزوج، أو إلى الرجم إن وقعت الفاحشة)[17].
قلت: فعلى هذا يحرم الجلوس مع المرأة إلا مع وجود المحرم، ومعنى «المحرم»: كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها[18].
(4) ولكن هل يجوز أن يدخل رجل على مجموعة نساء؟ وكذلك هل يجوز دخول أكثر من رجل على امرأة؟
قال النووي: (وإذا دخل رجل على مجموعة من النسوة وهن محجبات، ويبعد التواطؤ على الفاحشة، والفتنة مأمونة جاز، والله أعلم)[19]، فهذا جواب عن السؤال الأول، وأما الثاني فقد ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة، إلا ومعه رجل أو اثنان»[20]، و«المُغِيبة»: التي غاب زوجها.
قال النووي: (ثم إن ظاهر الحديث جواز خلوة الرجلين والثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا: التحريم، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة؛ لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك، وقد أشار القاضـي إلى نحو هذا التأويل)[21].
قلت: ومما يؤيد ذلك دخول النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما منزل الأنصاري أبي الهيثم بن التيهان وزوجها غير موجود[22]. قال النووي: (وفيه جواز سماع كلام الأجنبية، ومراجعتها الكلامَ للحاجة، وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علمًا محققًا أنه لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة)[23].
قلت: ينبغي أن يراعى -حيث قيل بالجواز- أن تكون المرأة في كامل حجابها، وأن تكون هناك حاجة وضـرورة للدخول عليها، وألا يكون هناك شبهة فتنة، وأما إذا كان مجيء الضـيوف انتظارًا لزوجها، فيكونون في مكان منعزل مع مراعاة الشـروط السابقة، وحبذا لو كانت غرفة الضـيوف مفردة، وعلى كل فلا بد من أمن الفتنة.
وأما ما يحدث من المسامرة والمضاحكة، والجلوس أمام شاشات التليفزيون وغيره، حتى يأتي صاحب البيت؛ فهذه من المنكرات التي عمت وطمت، ونسأل الله السلامة.
(5) يجوز أن تكلم النساء الرجال للحاجة والضـرورة والعكس:
ولا بد من مراعاة الضوابط الشـرعية؛ من عدم اللين في القول، وعدم التكشف أمام الرجال والاختلاط بالرجال والكلام الذي لا فائدة فيه؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ [الأحزاب:53]. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين.
(6) يجب الاستئذان حتى في الدخول على الأم والأخت وغيرهما من ذوي المحارم.
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ﴾ [النور:58]، ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [النور:59]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فالإذن واجب على الناس كلهم.
قال ابن كثير: (هذه الآية الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض)[24].
وقد ثبت أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود؛ قال: أأستأذن على أمي؟ فقال: «ما على كل أحيانها تحب أن تراها»[25]. وثبت نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما [26].