حجم الخط:

محتوى الدرس (257)

المسألة الرابعة: ما يتعلق بلباس النساء:

[تمهيد]

يحرم على المرأة أن تبدي زينتها أمام الأجانب، والواجب عليها أن تتستر أمامهم بما أمرها الله به من الحجاب الشـرعي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ [الأحزاب:33]، والحجاب الشـرعي للمرأة لا بد أن يتحقق فيه الشـروط الآتية[1]:

شروط لباس المرأة إذا خرجت من بيتها:

الشـرط الأول: أن يستر جميع البدن:

لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59].

واختلف العلماء في وجوب ستر الوجه والكفين على قولين، مع إجماعهم على وجوب ستر ما عدا ذلك، والراجح -والله أعلم- القول بوجوب سترهما[2].

تنبيه: ظهر في زماننا من يدَّعون العلم، ويقولون بأن ستر الوجه والكفين بدعة، أو أنه ليس من الدين، حتى تطاول بعضهم وزعم أن المنتقبة آثمة، وهذا من الجهل بالدين وسلوك غير سبيل المؤمنين.

الشـرط الثاني: ألا يكون الثوب زينة في نفسه:

وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النور:31]؛ فيشمل ذلك النهي عن كل زينة تلفت أنظار الرجال إليها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]، ويدخل في ذلك العباءات التي تلبسها النساء وبها تطريز، أو لافتة للأنظار في صنعتها؛ مثل التي بها فتحات.

الشـرط الثالث: أن يكون الثوب صفيقًا:

والمعنى: ألا يشف عما تحته، فلا يشف عن بدنها، ولا يشف عن الثياب المزينة التي تحت حجابها.

والدليل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سـياط كأذناب البقر يضـربون بها الناس، ونساء كاسـيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسـيرة كذا وكذا»[3].

الشـرط الرابع: أن يكون فَضفاضًا (واسعًا):

فلا يحل للمرأة أن تلبس الملابس الضـيقة التي تصف جسمها وتظهر حجم أعضائها؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة كانت مما أهداها دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله ﷺ: ما لك لم تلبس القبطية؟» قلت: يا رسول الله، كسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله ﷺ: «مرها فلتجعل تحتها غلالة، إني أخاف أن تصف حجم عظامها»[4]. و«القُبْطية» ثياب تصنع بمصـر، و«الغِلالة» بطانة تكون تحت الثوب، و«تصف»: تجسم الأعضاء لالتصاقها بالجلد.

الشـرط الخامس: ألا يكون مبخرًا أو مطيبًا:

فعن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا من ريحها، فهي زانية»[5]. والسبب في كونها زانية، أنها تسببت في نظر الرجال إليها، وهيجت شهوتهم نحوها، فكانت بذلك آثمة زانية.

وفي كتاب الزواجر للهيتمي ذكر أن خروج المرأة من بيتها مستعطرة متزينة من الكبائر، ولو أذن لها زوجها[6].

قلت: ولا يجوز للمرأة أن تطيع زوجها إذا أمرها بالتبرج أو التعطر أو إظهار الزينة أمام الأجانب، فإنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصـية الخالق.

الشـرط السادس: ألا يشبه لباس الرجال:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل»[7].

الشـرط السابع: ألا يكون لباس شهرة:

لما تقدم من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة»[8].

الشـرط الثامن: ألا يشبه لباس الكافرات:

وقد جاءت نصوص الشـريعة بالأمر بمخالفتهم في أقوالهم وأفعالهم وأعيادهم، ونحو ذلك، ومما يدل على ذلك أيضًا ما ثبت عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: «إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها»[9].

الشـرط التاسع: ألا يكون فيه تصاليب:

لحديث عائشة: «أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شـيئًا فيه تصاليب إلا نقضه»[10].

أحكام متعلقة بلباس المرأة:

(1) ينبغي التيقن والتدقيق عند شـراء الملابس والفرش في هذا الزمان:

لوجود هذه التصاليب في أكثرها، وكذلك للتحقق من خلوها من الصور ذوات الأرواح. وسـيأتي حكم الصور.

(2) يباح للمرأة لبس جميع الملابس:

ومنها الحرير، بالشـروط السالفة الذكر عند خروجها.

(3) لا يشترط لون معين:

شـريطة ألا يكون زينة؛ كالألوان الزاهية، أو المزركشة-فيجوز لبس الأسود والأخضـر ونحوها من الألوان التي لا تلفت الأنظار؛ فعن عكرمة «أن رفاعة طلق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، قالت عائشة: وعليها خمار أخضـر، فشكت إليها، وأرتها خضـرة بجلدها، فلما جاء رسول الله ﷺ قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات؛ لجلدها أشد خضـرة من ثوبها...» الحديث[11].

وعن القاسم أن عائشة رضي الله عنها كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي مُحْرِمة[12].

(4) حكم لبس الكعب العالي:

لا يجوز للمرأة أن تلبس الكعب العالي، وتسـير به أمام الأجانب؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كان الرجال والنساء في بني إسـرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة لها الخليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فألقي الحيض»، فكان ابن مسعود يقول: «أخروهن حيث أخرهن الله»[13]. و«القالب»: نعل من الخشب كالقبقاب[14].

فالظاهر عدم جواز لبس الكعب العالي؛ لأن فيه تشـرفًا للرجال، ولأنه يلفت نظر الرجال إليها، ولأنه يجعل لها حركة ملفتة (لافتة)، فإن كان له صوت كان المنع منه أشد؛ لأن الله تعالى نهى المرأة أن تضـرب برجلها ليُعْلَم ما تخفي من زينتها، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31].

(5) حكم لبس البنطلون للمرأة:

لا يجوز للمرأة أن تلبس البنطلون أمام الأجانب؛ لأنه يجسِّم مفاتن المرأة، وقد تقدم أن من شـروط لبس المرأة أن يكون واسعًا غير ضـيق.

وكذلك لا يجوز لها لبسه أمام محارمها، بل ولا أمام النساء؛ لما تقدم فيما يجوز أن تبديه المرأة أمامهم، ومعلوم أن البنطلون ليس بالساتر الشـرعي لأن من شـروطه ألا يكون ضـيقًا.

وأما لبس البنطلون أمام الزوج فالراجح جواز لبسه أمامه من باب التزين، شـريطة ألا يشبه لباس الرجال.

كما يجوز لها أن تلبسه تحت عباءتها؛ لأنه أستر لها خاصة إذا انكشفت ثيابها عند ركوب السـيارة مثلًا. والله أعلم.

(6) تقدم أنه لا يجوز إسبال الإزار:

ولكن هذا الحكم خاص بالرجال، أما النساء فإنهن يرخين الثياب؛ لما ثبت في الحديث عن صفية بنت أبي عبيد أن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت لرسول الله ﷺ حين ذكر الإزار: فالمرأة يا رسول الله؟ قال: «ترخي شبرًا»، قالت أم سلمة: إذًا ينكشف عنها، قال: «فذراعًا لا تزيد عليه»[15].

واختلف العلماء في تحديد الموضع الذي تقيس منه المرأة قدر الشبر، ففي عون المعبود[16]: الشبر يقاس من منتصف الساق؛ لأن سؤال أم سلمة ورد بعد قوله حين ذكر الإزار، فرأى أن السؤال ورد بعد تقدير أن إزار المؤمن إلى أنصاف الساقين، فيكون قياس الشبر من منتصف الساق.

قلت: ولا يسلم له هذا التقدير؛ لأن الأحاديث الواردة في إزار الرجل إلى أنصاف الساقين، فإن كان لا بد فإلى الكعبين، لذلك قال الخطابي: (والحاصل أن للرجل حالين: حال استحباب؛ وهو أن يقتصـر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذا للنساء حالان: حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو «جائز» للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع)[17].

المسألة الخامسة: آداب اللباس:

[تمهيد]

أذكر هنا بعض الآداب زيادة على ما تقدم، فينبغي أن يراعى أن كل ما سبق هو من آداب اللباس، ويزاد على ذلك ما يلي:

(1) استشعار نعمة الله تعالى:

على الإنسان أن يشاهد بقلبه نعمة الله عليه إذ منَّ عليه بما يستر عورته، ويقيه الحر والبرد، فيحمله ذلك على شكر الله عليه؛ قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:81].

(2) التواضع وعدم التكبر في اللباس:

وليس معنى التواضع عدم التجمل، بل المقصود عدم الإسـراف، وعدم الحرص على لباس أغلى الثياب مباهاة وتكبرًا. وأما كونه يلبس ثوبًا حسنًا جميلًا نظيفًا، فهذا محمودٌ؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقيل: يا رسول الله! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة أفهذا من الكبر؟، فقال ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال؛ الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس»[18]. ومعنى «بطر الحق»: التكبر عليه وعدم قبوله، و«غمط الناس»: ازدراؤهم واحتقارهم.

(3) البدء باليمنى عند اللبس:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله»[19]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ: «كان إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه»[20]. فيستحب للإنسان إذا لبس ثوبًا أو نعلًا أن يبدأ باليمين.

(4) البدء باليسـرى عند نزع النعل:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا انتزع فليبدأ بالشمال، ليكن اليمنى أولهما تُنْعل وآخرهما تُنزع»[21]. قال النووي: (يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم أو الزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك)[22].

(5) يكره المشـي في نعل واحدة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمشـي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا، أو ليحفهما جميعًا»[23].

واختلفوا في الحكمة من ذلك:

قال الخطابي: (والحكمة في النهي أن النعل شـرعت لوقاية الرِّجل عما يكون في الأرض من شوك ونحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشـي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشـيه، ولا يأمن مع ذلك من العِثار، وقيل: لأنه لم يعدل بين جوارحه، وربما نُسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه)[24].

قال ابن العربي: (قيل: العلة فيها أنها مشـية الشـيطان، وقيل: لأنها خارجة عن الاعتدال)[25]. وقال البيهقي: (الكراهة فيها الشهرة؛ فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شـيء صـير صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب)[26].

تنبيه: ذهب الخطابي إلى أنه يلحق بذلك كل شفع من اللباس؛ كالخفين، وإخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى، والتردي على أحد المنكبين دون الآخر، ومعنى (التردي): لبس الرداء.

وعارضه الحافظ في (الفتح) فقال: (وإلحاق إخراج اليد الواحدة من الكم وترك الأخرى بلبس النعل الواحدة والخف الواحد بعيد، إلا إن أخذ من الأمر بالعدل بين الجوارح وترك الشهرة، وكذا وضع طرف الرداء على أحد المنكبين)[27].

(6) الدعاء إذا لبس ثوبًا جديدًا:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا استجدَّ ثوبًا سماه باسمه؛ قميصًا، أو عمامة، أو رداء، ثم يقول: «اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك من خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شـره، وشـر ما صنع له»[28].

(7) الدعاء لمن لبس ثوبًا جديدًا:

كان النبي ﷺ يدعو لمن لبس ثوبًا جديدًا فيقول: «البَس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة»[29].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة