حجم الخط:

محتوى الدرس (260)

زينة أسنان:

[تمهيد]

تقدَّم في حديث ابن مسعود: «لعن المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله». و«التفليج»: مباعدة الأسنان بعضها عن بعض إظهارًا للصغر وحسن الأسنان.قال النووي: (وهي فرجة بين الثنايا والرَّبَاعِيَات، وتفعل ذلك العجوز ومن قاربتها في السن؛ إظهارًا للصغر وحسن الأسنان؛ لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغار، فإذا عجزت المرأة كبِرت سنها وتوحشت، فتَبرُدُها بالمبرد لتصـير لطيفة حسنة المظهر، وتوهم كونها صغيرة، ويقال له أيضًا: «الوَشـر»، ومنه: «لعن الواشـرة والمستوشـرة»، وهذا الفعل حرام على الفاعلة والمفعول بها؛ لهذه الأحاديث، ولأنه تغيير لخلق الله تعالى، ولأنه تزوير، ولأنه تدليس)[1].

أحكام الأسنان:

(1) حث الإسلام على الاعتناء بنظافة الفم والأسنان باستخدام السواك (وقد تقدمت مباحثه في سنن الفطرة من كتاب الطهارة).

(2) يجوز تقويم الأسنان المعوجة، وهذا من باب العلاج، وليس من باب التفليج المذكور.

(3) إذا كان التفليج لسبب جاز. قال الحافظ: (قوله: «والمتفلجات للحسن» يفهم منه أن المذمومة من فعلت ذلك لأجل الحسن، فلو احتاجت إليه للمداواة مثلًا جاز)[2].

(4) يجوز حشو الأسنان، وتقويتها بوضع جذور لها، كما يجوز تغطيتها بما يسمى (طربوش) إذا احتاجت لذلك، وكذلك يجوز وضع (سن) أو (ضـرس) بدلًا من الزائل، بل يجوز كونه من فضة أو ذهب، والأصح بالنسبة للرجل ألا يجعله من ذهب إلا للضـرورة، وإننا نجد بحمد الله في زماننا ما يغني عنه كالبورسلين، فهو أولى بتركيبه، وأما المرأة فيجوز لها بالذهب وغيره.

زينة العين:

[تمهيد]

يباح للمرأة التزين لزوجها بوضع الكحل، وقد قال النبي ﷺ: «وإن خير أكحالكم الإثمد؛ يجلو البصـر وينبت الشعر»[3].

الكحل وعدسات العين:

(1) لا يجوز للمرأة أن تظهر أمام الأجانب بكحلها حتى على رأي من يرى جواز كشف وجهها؛ لأن ذلك يكون من التبرج، فلا تبديه إلا أمام زوجها ومحارمها وأمام النساء كما تقدم.

(2) هل يجوز للرجل الاكتحال؟ ورد في فتاوى الشـيخ ابن عثيمين: أنه إذا كان للتداوي لجلي البصـر وإنبات الشعر فهو جائز، قال: وأما إن قصد به الجمال والزينة، فهذا للنساء مطلوب، وأما الرجال فمحل نظر، وأنا أتوقف فيه، والله أعلم.

(3) تجميل العين بوضع العدسات الملونة؛ إن كان للزوج فجائز ما لم يترتب عليه ضـرر، وإن كان لغير الزوج فلا يجوز؛ لأنه من التبرج، وقد تقدم أنه لا يجوز وصل الرموش برموش صناعية[4].

(4) وأما الألوان والمساحيق التي توضع على العين؛ فالأصل فيها الإباحة إذا كان بقصد التجمل والتزين للزوج، إلا إذا ترتب عليها ضـرر فتمنع؛ لأنه لا ضـرر ولا ضـرار.

زينة الجسد:

(1) تحريم الوشم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة»[5]. وعنه رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «العين حق»، ونهى عن الوشم[6].

قال النووي: («الوَشْم» أن تغرز إبرة أو مسلة أو نحوهما في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة أو غير ذلك من بدن المرأة، حتى يسـيل الدم، ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل أو النُّورة فيَخْضـر، وقد تفعل ذلك بدارات ونقوش، وقد تكثره وقد تقلِّلُه، وفاعلة هذا: «واشمة»، والمفعول بها: «موشومة»، فإن طلبت فعل ذلك فهي: «مستوشمة»، وهو حرام على الفاعلة والمفعول بها باختيارها والطالبة له، وقد يفعل بالبنت وهي طفلة، فتأثم الفاعلة ولا تأثم البنت؛ لعدم تكليفها حينئذ)[7].

قلت: وقد ظهر في الآونة الأخيرة رسوم ترسم على الجلد ولا يكون ذلك بغرز إبرة ونحوها، فما حكم هذه الرسوم؟

أقول: إن نظرنا إلى معنى الوشم لغة، فهذه لا تدخل في الوشم، وإن نظرنا إلى أنه تغيير لخلق الله ففيه نظر، والذي يترجح -والله أعلم- أنه ليس من هذا الباب، شـريطة ألا تظهر به أمام الأجانب. قال الشوكاني: (وقيل: وهذا -يعني النهي المذكور في الحديث- إنما هو في التغيير الذي يكون باقيًا، أما ما لا يكون باقيًا؛ كالكحل ونحوه من الخضابات، فقد أجازه مالك وغيره من العلماء)[8].

تنبيه: هناك نوع آخر من هذه الرسوم لا يدوم، لكنه يبقى زمنًا طويلًا قد تصل مدته إلى ستة أشهر أو سنة، فهذا اجتنابه أولى؛ لأنه شبيه بالدائم، وقد أفتى الشـيخ ابن جبرين بعدم جوازه[9].

فصل: في حكم إزالة الوشم:

قال النووي نقلًا عن أصحابه الشافعية: (فإن أمكن إزالته بالعلاج وجبت إزالته، وإن لم يمكن إلا بالجرح، فإن خاف منه التلف أو فواتَ عضو، أو منفعةِ عضو، أو شـيئًا فاحشًا في عضو ظاهر؛ لم تجب إزالته، وإن لم يخف شـيئًا من ذلك ونحوه لزمه إزالته، ويعصـى بتأخيره، وسواء في هذا كله الرجل والمرأة، والله أعلم)[10].

(2) الخضاب:

أما خضاب الشـيب؛ وهو تغيير لون الشعر بحمرة أو صفرة، فقد تقدَّم بيانه.

وأما خضاب اليدين والرجلين؛ فالذي أفتى به العلماء أنه جائز في حق المرأة، لكنه لا يجوز للرجل إلا للتداوي. قال الحافظ: (وأما خضب اليدين والرجلين؛ فلا يجوز للرجال إلا في التداوي)[11]. وقال صاحب عون المعبود: (وأما خضب اليدين والرجلين؛ فيستحب في حق النساء، ويحرم في حق الرجال إلا في التداوي. كذا في المرقاة)[12].

قال النووي: (أما خضاب اليدين والرجلين بالحناء؛ فمستحب للمتزوجة من النساء؛ للأحاديث المشهورة فيه، وهو حرام على الرجال، إلا لحاجة التداوي، ومما يدل على تحريمه قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «لعن الله المتشبهين بالنساء من الرجال».

ويدل عليه الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ «نهى أن يتزعفر الرجل»[13]، وما ذاك إلا للونه، لا لريحه؛ لأن ريح الطيب للرجال محبوب، والحناء في هذا كالزعفران)[14].

قلت: اتفق الفقهاء على جواز الاختضاب للتداوي؛ لخبر سلمى مولاة النبيﷺ أنه ﷺ كان إذا اشتكى أحدٌ رأسَه قال: «اذهب فاحتجم»، وإذا اشتكى رجلَه قال: «اذهب فاخضبها بالحناء»[15].

مسألة: حكم عمليات التجميل:

قال ابن عثيمين: (التجميل نوعان: تجميل لإزالة العيب الناتج عن حادث وغيره، وهذا لا بأس به ولا حرج فيه؛ لأن النبي ﷺ أذن لرجل قطعت أنفه في الحرب أن يتخذ أنفًا من ذهب. والنوع الثاني: هو التجميل الزائد، وهو ليس من إزالة العيب، بل لزيادة الحسن، وهو محرَّم لا يجوز؛ لأن الرسول ﷺ لعن النامصة والمتنمصة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة؛ لما في ذلك من إحداث التجميل الكمالي الذي ليس لإزالة العيب)[16].

زينة الطيب:

[تمهيد]

يستحب التطيب للرجال والنساء، إلا أنه يحرم على المرأة أن تخرج من بيتها متطيبة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أطيب النبي ﷺ بأطيب ما أجد، حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته[17]. ومعنى «وَبِيص»: لمعان.

قال ابن بطال: (يؤخذ منه أن طيب الرجال لا يجعل في الوجه، بخلاف طيب النساء؛ لأنهن يطيبن وجوههن، ويتزين بذلك، بخلاف الرجال، فإن تطيب الرجل في وجهه لا يشـرع؛ لمنعه من التشبه بالنساء)[18].

وأما الدليل على حرمة بروز المرأة من بيتها متطيبة؛ فقد ثبت في الحديث عن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة استعطرت، فمرت بقوم ليجدوا ريحها؛ فهي زانية»[19]، وعن زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيبًا»[20]. وبناء على ذلك فيجب على المرأة إزالة ما علِق بها من طيب إذا أرادت الخروج.

من أحكام الطيب:

(1) ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «طيب الرجال: ما ظهر رِيحُه وخفِي لونه، وطيب النساء: ما ظهر لونه وخفي ريحه»[21].

قال المناوي في (فيض القدير): («وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه»، أي: عن الأجانب -كالزعفران- ولهذا حرم على الرجال المزعفر، قال البغوي: قال سعد: أراهم حملوا قوله: «وطيب النساء» على ما إذا أرادت الخروج، وأما عند زوجها فتطيب بما شاءت)[22].

(2) يجوز للمرأة أن تعطر زوجها؛ لحديث عائشة السابق، ولما ثبت عنها أيضًا رضي الله عنها قالت: «كنت أطيِّب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت»[23].

لكن إن تعلق بيدها أو ببدنها شـيء من هذا الطيب وجب إزالته كما تقدم.

(3) يكره رد الطيب لمن عرض عليه؛ لما ثبت أن أنس رضي الله عنه: كان لا يرد الطيب، وزعم أن رسول الله ﷺ كان لا يرده[24].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: «من عرض عليه طيب فلا يرده؛ فإنه طيب الريح، خفيف المحمل»[25]، وثبت هذا الحديث عند مسلم بلفظ: «ريحان»[26] بدلًا من «طيب».

(4) يحرم على المرأة استعمال الطيب والكحل، والتحلي بالذهب مدة إحدادها على الميت، وقد تقدم ذلك في آخر باب الطلاق.

(5) يحرم وضع الطيب في حالة الإحرام على الرجال والنساء، وقد تقدمت هذه المسألة في أبواب الحج.

(6) العطور الكحولية لا يجوز استعمالها إذا كانت نسبة الكحول فيها كبيرة، وقد أفتت بذلك اللجنة الدائمة، وتقدم بيان ذلك في كتاب البيوع، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة