كتاب الأيمان والكفارات والنذور

لغة: جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأطلقت على الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضـرب كل امرئ منهم بيمينه علي يمين صاحبه[1].
وشـرعًا: توكيد الشـيء بذكر اسم أو صفة لله[2]، ويعرِّفه بعض الفقهاء بقوله: عقد قَوِيَ به عزم الحالف على الفعل أو الترك[3]. وقال ابن عثيمين: (تأكيد الشـيء بذكرِ معَظَّم بصـيغة مخصوصة)[4].
مشروعية اليمين: اليمين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
أما (الكتاب): فقد أمر الله نبيه ﷺ بالحلف في ثلاثة مواضع؛ فقال سبحانه: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ [يونس:53].
وقال تعالى: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ [سبأ:3].
وقال تعالى: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ [التغابن:7].
وقد نهى الله عن نقض الأيمان؛ فقال: ﴿ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ﴾ [النحل:91].
وأما (السنة): فعن أبي موسـى رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها؛ إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير»[5].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان يمين النبي ﷺ: «لا ومُقلِّبِ القلوب»[6].
وأما (الإجماع): فقد أجمعت الأمة على مشـروعية اليمين، وثبوت أحكامها[7].
ينقسم اليمين إلى ثلاثة أقسام، وبيانها فيما يلي:
قال تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [البقرة:225].
نرى من خلال الآية أن الله جعل (اللغو) في مقابلة (ما كسبت القلوب)، فدل ذلك على أن اللغو هو غير ما كسبت القلوب، أي: غير المقصود، ولذا ورد في تفسـير اللغو ما يلي:
(أ) أن يقول في أثناء كلامه: لا والله، بلى والله، لا يعقد على ذلك قلبه: عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، قالت: أنزلت في قول الرجل: لا والله، وبلى والله[8].
وثبت ذلك أيضًا عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أيمان اللغو: ما كان في الهزل، والمراء، والخصومة، والحديث الذي لا يعقد عليه القلوب[9].
وعلى هذا؛ ذهب الشافعية والمالكية أنه إذا قال في أثناء كلامه: بلى والله، لا والله، سواء كان ذلك في الماضـي أو الحال أو المستقبل، ولم يكن ذلك عن قصد القلب وعقده على كلامه، فهذا كله لغو.
(ب) أن يحلف على الشـيء يعتقده صحيحًا، فيظهر بخلاف ما حلف، سواء كان ذلك في النفي أو الإثبات، مثل أن يقول: (والله ما كلمت زيدًا)، وفي ظنه أنه لم يكلمه، أو يقول: (والله لقد كلمت زيدًا)، وفي ظنه أنه كلمه، فيظهر بخلاف الواقع. فسـر ذلك زرارة بن أوفى رضي الله عنه إذ قال: «هو الرجل يحلف على اليمين، لا يرى إلا أنها كما حلف»[10].
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
قلت: وكلا القولين صحيح؛ لأن كلا منهما عن غير كسب القلب وعقده عليه.
اتفق الفقهاء على أن يمين اللغو لا كفارة فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، فرفع عنهم المؤاخذة، فلا إثم ولا كفارة؛ لأنه لم يقصد المخالفة، فأشبه ما لو حنث ناسـيًا[11].
هي اليمين الكاذبة قصدًا، أو هي الحلف على أمر ماضٍ، أو في الحال، متعمدًا الكذب؛ سواء كان ذلك نفيًا أو إثباتًا؛ مثل أن يقول: (والله لقد دخلت هذه الدار)، وهو يعلم أنه لم يدخلها، أو يقول: (والله ما رأيت فلانًا)، وهو يعلم أنه رآه.
وتسمى هذه اليمين: اليمين الغموس، والزور، والفاجرة، ويمين صبر (أي: أنه يصبر فيها نفسه على الجزم بالكذب، أو يصبر -يحبس- حق مسلم بها).
وسميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار.
تعد اليمين الغموس من الكبائر، فيأثم صاحبها، ويجب عليه التوبة والاستغفار؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشـراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس»[12].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف على يمينِ صبرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان»[13].
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرَّم عليه الجنة»، فقال رجل: وإن كان شـيئًا يسـيرًا يا رسول الله، قال: «وإن كان عودًا من أراك»[14].
مسألة: هل تجب الكفارة في اليمين الغموس؟
اختلف العلماء في وجوب الكفارة في اليمين الغموس على قولين:
القول الأول: لا كفارة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، واستدلوا على ذلك ببعض الأحاديث الضعيفة، ورأوا أنها تصلح للاستدلال بمجموعها.
وبما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له: اليمين الغموس[15]. قالوا: ولا نعلم لابن مسعود مخالفًا من الصحابة.
قالوا أيضًا: إن اليمين الغموس أعظم من أن تكفر، وإنما يلزمها التوبة ورد الحقوق لأصحابها.
قالوا أيضًا: وتسميتها يمينًا من باب المجاز؛ لمشابهتها لليمين، ولكنها كذب وزور. فاليمين التي تشـرع هي التي يعقد عليها القلب مستقبلًا لفعل شـيء أو تركه.
القول الثاني: فيها الكفارة -أي: مع التوبة- وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وذهب إليه ابن حزم، ونقله من قول الأوزاعي، والحسن بن حي، والحكم بن عُتَيبة، وعطاء ابن أبي رباح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومعمر، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة؛ منها:
(1) قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ [المائدة:89]، فالظاهر إيجاب الكفارة في كل يمين لعموم الآية، فلا تسقط إلا إذا كان هناك نص في إسقاطها.
(2) قالوا: إن اليمين الغموس مما كسبه القلب، والله يقول: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [البقرة:225].
وأجابوا عن أدلة الأخرين بأن الأحاديث التي استدلوا بها ضعيفة، والأحاديث التي فيها الوعيد لصاحب اليمين الغموس لا تنفي الكفارة، بل إنها توجب التوبة فقط، فعليه أن يتوب إلى الله ويرد الحقوق لأصحابها، وعليه زيادة على ذلك: الكفارة. وأما أثر ابن مسعود فمنقطع؛ لأنه من رواية أبي العالية عنه، وهو لم يلقه.
وأما قولهم: هي أعظم من أن تكفر، فقد أجابوا بأن: هذه الدعوي لا دليل عليها؛ وذلك لأن هناك من الكبائر ما تجب فيه الكفارة؛ كمن جامع في رمضان متعمدًا. وتعلُّقْ الإثم بالغموس لا يمنع الكفارة، كما أن الظهار منكر من القول وزور، وتتعلق به الكفارة.
هي اليمين على أمر في المستقبل؛ بأن يفعله، أو بأن لا يفعله؛ كأن يقول: والله لا أفعل كذا، أو: والله لأفعلن كذا، ويعزم قلبه على ذلك.
تجب الكفارة إذا حنث في اليمين المنعقدة، وهذا باتفاق العلماء، سواء كان اليمين على فعل واجب أو تركه، أو فعل معصـية أو تركها، أو فعل مندوب أو تركه، أو فعل مكروه أو تركه، أو فعل مباح أو تركه.
(أ) فأما فعل الواجب وترك المعصـية:
كأن يقول: (والله لأصلين)، أو يقول: (والله لا أشـرب الخمر)؛ فإنه يجب الوفاء والبر بيمينه؛ لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»[16]، فإن لم يبر بقسمه فإنه يأثم، ويحنث، ويلزمه الكفارة.
(ب) وأما ترك الواجب أو فعل المعصـية:
كأن يقول: (والله لا أصلى)، أو يقول: (والله لأشـربن الخمر)، فإنه يجب عليه التوبة من حلفه هذا، ويجب عليه الحنث في يمينه، والكفارة، وقد قال ﷺ: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه»[17]. ولما ثبت في الحديث: «ومن نذر أن يعصـي الله فلا يعصه»[18].
(جـ) وأما إن حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه:
فيستحب له البر في يمينه؛ لأن فيه طاعةً لله عز وجل، فإن حنث وجب عليه الكفارة.
(د) وأما إن حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه:
كقوله: (والله لا أصلي نافلة)، وكقوله: (والله لألتفتن في الصلاة)، فالمستحب أن يحنث في يمينه، وذلك بأن يفعل المندوب، ويترك المكروه، ويُكفِّر عن يمينه؛ وذلك لما تقدَّم في الحديث: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه»، ولما ثبت في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ ﴾ [النور:22]؛ نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد حلف ألا يبر مِسطَحًا؛ لأنه كان ممن تكلم في الإفك على عائشة رضي الله عنها. ومعنى «لا يأتل»: لا يقسم.
(هـ) وأما إن كانت اليمين على مباح:
فيجوز له البر في يمينه، ويجوز له الحنث مع الكفارة، لكن الأفضل البر بيمينه؛ لما فيه من تعظيم شعائر الله، ولقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ [النحل:91]، بشـرط ألا يكون هناك ضـرر على نفسه أو على غيره، وإلا فليأت الذي هو خير، وليكفر.
يشترط في اليمين المنعقدة الشـروط الآتية:
(1) يشترط في الحالف: أن يكون بالغًا عاقلًا مختارًا، فلا تنعقد يمين الصبي والمجنون؛ لرفع المؤاخذة عنهما، ولا تنعقد اليمين إذا حلف مخطئًا، أو مكرهًا، أو ناسـيا؛ لما ثبت في الحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسـيان وما استكرهوا عليه»[19].
تنبيه: اختلف العلماء في اشتراط الإسلام لانعقاد اليمين؛ فذهب الحنفية والمالكية إلى اشتراط الإسلام، وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم اشتراطه، أي: أن الكافر إذا حنث لزمته الكفارة، فيجوز أن يكفر بالإطعام، أو العتق، أو الكسوة، لكنه لا يكفر بالصوم حتى يسلم؛ لأن الصوم عبادة، ولا تصح إلا بالإسلام.
واستدل هؤلاء بأن الله جعل الكافر من أهل اليمين بالله، فقال الله تعالى: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ [المائدة:106]. ولما ثبت في الحديث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، فقال له ﷺ: «أوف بنذرك»[20].
(2) يشترط أن يقصد اليمين، ويعقد عليه القلب، فلا ينعقد اليمين باللغو كما تقدم[21].
(3) أن يكون اليمين بالله، أو بأسمائه، أو بصفاته.
(4) يشترط التلفظ باليمين، فلا يكفي في ذلك أن يحدث نفسه به، وهذا هو قول الجمهور.
(5) يشترط في المحلوف عليه أن يكون لأمر مستقبل مقصود، أو يمكن وجوده حقيقة عند الحلف؛ ودليل كونه مستقبلًا قوله ﷺ: «فليكفر، وليأت الذي هو خير»، ولا يتصور الإتيان لأمر ماضٍ.
ولا ينعقد اليمين على ما هو مستحيل الوجود حقيقة أو عادة؛ كأن يقول: (والله لأشـربن الماء الذي في هذا الإناء) ثم يتبين أن الإناء لا يوجد به ماء، فإن اليمين لا تنعقد، وكذلك لو قال: (والله لأصعدن إلى السماء)، أو (لأشـربن ماء البحر كله)، فإن هذا مستحيل، فلا تنعقد اليمين.
(1) اعلم -رحمك الله- أنه لا يملك الحالف الرجوع عن اليمين والنذر والطلاق، وإنما تلزمه بمجرد النطق بها.
(2) يجوز الحلف من غير استحلاف؛ لتأكيد أمر.
(3) مع أن الحلف مباح عند الفقهاء إلا أنه يكره الإفراط فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ﴾ [البقرة:224]، أي: (لا تجعلوا حلفكم بالله مانعا لكم من إتيان البر)، فالوقف عند (لأيمانكم) لا يتم به المعنى، وإنما يتم بالوقف عند (عرضة لأيمانكم أن تبروا)، فكلمة (عرضة) معناها (مانع) وقد قال تعالى: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾ [المائدة:89].
(4) وبناءً على ذلك فلا يتخذ الحلف وسـيلة للتأثير في رواج السلعة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف مَنْفَقَة للسلعة، مَمْحَقة للبركة»[22].
قسَّم الحنابلة الحلف إلى خمسة أقسام:
واجب: وهو الذي ينجي به إنسانًا معصومًا من هلكة، وكذلك إذا كان لإثبات حق.
مندوب: وهو الذي تتعلق به مصلحة؛ كإصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم، أو دفع شـر.
مباح: مثل الحلف على فعل شـيء، أو تركه، أو الإخبار عن شـيء.
مكروه: وهو الحلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب.
محرم: وهو الحلف الكاذب؛ قال تعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [المجادلة:14]، أو ما كان على ترك واجب، أو فعل محرم.
يمكن أن نقسم صـيغ الحلف إلى قسمين:
الأول: صـيغة القسم الحقيقي: وهو ما يقصد به تعظيم المقسم به، ولا يصح هذا القسم إلا بالله أو أسمائه أو صفاته، وهذه الصـيغة تشتمل على أداة القسم، والمقسم به، والمقسم عليه.
الثاني: ما خرج مخرج الشـرط أو الجزاء، ويدخل فيه يمين النذر، ويمين الطلاق، ويمين العتاق، ويمين الحرام، ويمين الظهار. وبيان صيغ القسم كما يلي:
الصـيغة الأولى: صـيغة القسم الحقيقي:
اتفق العلماء على إباحة القسم بالله، أو بأسمائه؛ كقوله: والله لأفعلن، وربي لأفعلن، والرحمن لأفعلن، وغير ذلك.
كما اتفقوا على إباحة القسم بصفات الله عز وجل؛ كأن يقول: أقسم بوجه الله، أو بحياة الله، أو أقسم بعزة الله، أو أقسم بعظمة الله، وكذلك لو أقسم فقال: «أقسم بمجيء الله يوم القيامة للفصل بين العباد»، كان ذلك قسمًا صحيحًا. ويتعلق بذلك مسائل:
أولًا: الحلف لا يكون إلا بالله:
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يسـير في ركب يحلف بأبيه، فقال ﷺ: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، قال عمر: فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرًا ولا آثِرًا[23]. ومعنى قوله: «فما حلفت بها ذاكرًا» أي: عن ذكر مني وعلم، و«ولا آثرًا» أي: ولا راويًا عن أحد أنه حلف بأبيه.
قلت: وقد دلت الأحاديث على أن من حلف بغير الله فقد أشـرك؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحْلَفُ بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير الله، فقد أشـرك»[24].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا[25]. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية: (لأن الحلف بغير الله شـرك، والشـرك أعظم من الكذب)[26].
الحلف بغير الله لا تنعقد به اليمين؛ لأنه محرم وشـرك. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية: (الحلف بالمخلوقات؛ كالحلف بالكعبة، والملائكة، والمشايخ، والملوك، والآباء، والسـيف، وغير ذلك مما يحلف به كثير من الناس[27].
فهذه الأيمان لا حرمة لها، بل هي غير منعقدة، ولا كفارة على من حنث فيها باتفاق المسلمين، بل من حلف بها فينبغي أن يوحد الله تعالى؛ كما قال النبي ﷺ: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله»[28])[29].
ثانيًا: الحلف بأسماء الله تعالى:
اتفق العلماء على إباحة استعمال الأيمان بأسماء الله تعالى.
(أ) فإن كان الاسم خاصًّا بالله لا يطلق إلا على الله؛ كالله، والرحمن، كان هذا يمينًا بلا خلاف.
(ب) وإن كان الاسم مشتركًا، أي: يطلق على الله وعلى غيره، ولكن عند الإطلاق لا يراد به إلا الله كان يمينًا كذلك، وذلك مثل الخالق؛ لأنه عند الإطلاق ينصـرف إلى الله.
(جـ) وإن كان الاسم مما يسمى به الله تعالى ويسمى به غيره، ولا ينصـرف إليه عند الإطلاق، فهذا القسم إن قصد به اليمين كان يمينًا، وإن لم يقصد به اليمين لم يكن يمينًا، وذلك نحو: الحي، والكريم.
ثالثًا: الحلف بصفات الله تعالى:
يجوز الحلف بصفات الله؛ سواء كانت هذه الصفات ذاتية، أو فعلية.
(أ) فمثال الصفات الذاتية: الحلف بجلال الله وعظمته وعزته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «بينا أيوب يغتسل عريانًا، فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب؛ ألم أكن أغنيتك عن هذا؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك»[30]. وكذلك إذا أقسم بوجه الله فهذا الحلف جائز؛ لأنه قسم بصفة ذاتيه لله.
(ب) ومثال الصفات الفعلية، ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت يمين رسول الله ﷺ: «لا، ومقلب القلوب»[31].
قلت: ومن هذا الباب القسم بقدرة الله، وقوته، وإرادته، ومشـيئته، ورضاه، ومحبته، وكلامه.