مسائل عامة في باب الأيمان:
المسألة الأولي: حكم الناسـي والمكره:
الراجح: أن من حلف ألَّا يفعل شـيئًا، ففعله ناسـيًا؛ فلا كفارة عليه، وهذا مذهب الإمام أحمد، والشافعي -رحمهما الله- والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [الأحزاب:5]، وقول النبي ﷺ: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسـيان وما استكرهوا عليه»[1]، ولأن الكفارة وجبت في اليمين لرفع الإثم، ولا إثم على الناسـي.
قلت: ويدخل فيه ما لو حلف على شـيء، ففعله خطأ، يظنه غير ما حلف عليه؛ كمن حلف ألَّا يأكل طعامًا، فأكل طعامًا يظنه غير الذي حلف عليه فكان هو؛ فلا حنث عليه ولا كفارة.
قلت: وهذا عام في جميع الأيمان حتى الحلف بالطلاق، فلو قال: إن فعلت كذا فزوجتي طالق، ففعله ناسـيا؛ لم تطلق.
والمكره على فعل ما حلف عليه لا يحنث كذلك، سواء أُلجئ إليه؛ كمن حلف ألا يدخل دارًا، فحُمل فأُدخل إليها أو دفع حتى دخلها بغير اختياره، أو كان الإكراه بالضـرب والتهديد بالقتل ونحوه، فلا كفارة عليه.
المسألة الثانية: الحلف على الغير:
إذا حلف إنسان على آخر بفعل شـيء؛ كأن يقول له: أُقسِم عليك أن تدخل الدار، فقال: لا، بل ادخل أنت، فهل يحنث الحالف ويكون عليه كفارة؟ قولان للعلماء:
والراجح: أنه لا يحنث إذا كان ذلك على سبيل الإكرام، فكأنه قال: والله إني لأكرمك، وقد حدث الإكرام بطلبه للدخول. قال شـيخ الإسلام: (وكذلك لا حنث عليه إذا حلف على غيره ليفعلنه فخالفه، إذا قصد إكرامه، لا إلزامه به؛ لأنه كالأمر، ولا يجب الأمر إذا فهم منه الإكرام؛ لأن النبي ﷺ أمر أبا بكر بالوقوف في الصف، ولم يقف)[2].
وعلى هذا يحمل حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قصة تقديمه الطعام للضـيفانِ، فقال الضـيفانُ: كل أنت، فقال: لا، والله ما آكل، فقالوا لزوجته: كلي، فقالت: لا، والله ما آكل، فقال الضـيفان: والله ما نأكل، فقال أبو بكر: هذا من الشـيطان، أنا الذي آكل؛ فأكل أبو بكر وأكلوا بعده، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أنت خيرهم وأبرهم»[3]، ولم يأمره بالكفارة.
قلت: وعلى هذا، فلو كان الأمر على سبيل الإلزام، فلم يفعل؛ حنث.
ولكن هل يجب أن يبره لو حلف عليه؟
الصحيح أنه يستحب إبرار المُقْسِم؛ لما ثبت في «الصحيح» أن النبي ﷺ أمر بإبرار المقسم[4]، وهذا الأمر على سبيل الندب لا على الوجوب؛ لما ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه لما (عبَر) الرؤيا قال له النبي ﷺ: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا»، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أقسمت عليك يا رسول الله ﷺ لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال النبي ﷺ: «لا تقسم يا أبا بكر»[5].
ولكن إذا حلف على غيره على سبيل الإلزام، فأحنثه، فهل يجب كفارة على الحانث؟
قال ابن قدامة: (فالكفارة على الحالف؛ كذلك قال ابن عمر، وأهل المدينة، وعطاء، وقتادة، والأوزاعي، وأهل العراق، والشافعي)[6].
قلت: وذهب ابن حزم أنه لا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد الحنث، ولأنه لا يملك منع غيره أو إلزامه بالفعل، وقد قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة:286]، وهذا الاستدلال بعيد جدا؛ لأنه يملك أن لا يحلف على غيره ابتداء، وهو يعلم ابتداء أن من حلف عليه يمكن أن يحنثه، ولو قال رجل: (أنا أتكفل بما يأخذه فلان) فهو ملزم بذلك مع أنه لا يملك منعه أيضًا وهذا ما ذهب إليه الحسن البصـري؛ قال: إذا أقسم على غيره فأحنث فلا كفارة عليه، ويرى إبراهيم النخعي أن الكفارة تكون على الاستحباب، لا على الوجوب[7]،والراجح ما قال ابن قدامة ؒ.
المسألة الثالثة: هل اليمين على نية الحالف أو على نية المستحلف؟
ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «يمينك على ما يُصدِّقك عليه صاحبك»[8].
قال الشوكاني: (فيه دليل على أن الاعتبار بقصد المحلِّف؛ من غير فرق بين أن يكون المحلِّف هو الحاكم أو الغريم، وبين أن يكون المحلِّف ظالمًا أو مظلومًا، صادقًا أو كاذبًا، وقيل: هو مقيد بصدق المحلِّف فيما ادعاه، أما لو كان كاذبًا كان الاعتبار بنية الحالف)[9].
قلت: ذهب إلى ذلك الحنفية والحنابلة؛ قالوا: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلومًا؛ لأنه لا يقتطع بيمينه حقًّا، فلا يأثم إن نوى غير الظاهر من كلامه، وأما إن كان ظالمًا فاليمين على نية المستحلف؛ لأنه يقتطع به حق غيره.
قلت: ومما يؤيد ذلك ما ثبت في حديث سويد بن حنظلة رضي الله عنه قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي فخلي سبيله، فأتينا رسول الله ﷺ، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، قال: «صدقت؛ المسلم أخو المسلم»[10].
المسألة الرابعة: الاستثناء في اليمين:
معني الاستثناء في اليمين أن يقول في يمينه: (إن شاء الله)، أو أي عبارة أخرى بهذا المعنى؛ كأن يقول: (إن أراد الله)، والراجح كذلك أنه يعد من الاستثناء نحوُ قوله: (إلا إن غير الله نيتي، أو بدل، أو إلا أن يبدو لي، أو يظهر، أو إلا أن أشاء، أو أريد، أو أختار)[11]، وكذلك لو قال: (إن شاء زيد أو فلان)؛ وذلك لعموم الحديث: «من حلف فاستثنى؛ فإن شاء رجع، وإن شاء ترك غيرَ حَنِث»[12]، فهذا عموم لكل استثناء.
والحكم في الاستثناء: أنه لا يحنث فيه. قال ابن المنذر: (وأجمع العلماء على تسميته استثناء، وأنه متى استثنى في يمينه لم يحنث فيها)[13].
والدليل على ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة سليمان عليه السلام؛ إذ قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة؛ كلٌّ تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك، قل: إن شاء الله، فنسـي، فطاف بهن، فلم تأت امرأة منهم بولد، إلا واحدة بشق غلام، فقال ﷺ: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا في حاجته»[14]، ومعنى «دركًا» لحاقًا، أي: يلحق ما أراد بمعنى يتحقق.
واشترط الفقهاء لعدم الحنث في الاستثناء شـروطًا:
(1) أن يكون الاستثناء متصلًا باليمين، ولا يفصل بكلام أجنبي؛ لأنه لو كان قطع الكلام ينفعه ما وقع حنث قط إذ يستطيع أن يستثني في أي وقت بعد ذلك، لكن لا يضـر الانقطاع إن كان لتنفس أو تذكر، وقال بعضهم كذلك: لا يضـر لو استغفر أو قال: لا إله إلا الله، ويرى ابن تيمية أنه لو ذكَّره أحد بعد يمينه فاستثنى، نفعه ذلك؛ مستدلًّا بقصة سليمان عليه السلام إذ قال له الملك: «قل: إن شاء الله».
(2) يشترط أن يتلفظ بلسانه ولا يكفيه مجرد القلب: لحديث: «من حلف فقال: إن شاء الله؛ لم يحنث»[15]، وفي رواية: «فقد استثنى»[16]، فقد قيَّده بالقول، والقول لا يكون إلا باللسان.
(3) أن يكون مقصوده الاستثناء، لا مجرد التبرك بمشـيئة الله.
قال ابن حجر: (واتفقوا على أن من قال: لا أفعل كذا إن شاء الله؛ إذا قصد به التبرك فقط ففعل يحنث، وإن قصد الاستثناء فلا حنث عليه)[17].
قلت: والراجح أن الاستثناء ممكن في جميع الأيمان؛ سواء كان بالله، أو بالطلاق، أو غير ذلك، ولا يشترط أن يكون الاستثناء بعد اليمين، بل يصح أن يكون قبل الحلف وبعده.
المسألة الخامسة: ما يرجع إليه ويحمل عليه اليمين:
(1) يرجع اليمين أولًا إلى نية الحالف إذا كان اللفظ يحتمله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ [المائدة:89]، وقوله: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، فكما كان حكمُ أصلِ اليمين المؤاخَذ به بحسب نيته: هل هي يمين منعقدة أو لغو؛ فمن باب أولى أن يرجع إلى نيته في المراد بيمينه. وأيضًا ففي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»[18].
مثال: لو قال: والله لا أكلم هذا الصبي، فلما كبر الصبي كلمه، فقلنا له: إنك حلفت ألا تكلمه، قال: إنما قصدت ما دام صبيًّا، فإنه لا يحنث، وأما إذا قصد ألا يكلمه مطلقًا فإنه يحنث.
(2) فإذا لم يكن للحالف نية، فيرجع حكم يمينه إلى سبب اليمين: فإذا سمع مثلًا عن رجل أنه شـرير، فقال: والله لا أكلم هذا الرجل أبدًا، ثم تبين بعد ذلك أن ما سمعه عن الرجل غير صحيح، بل هو رجل صالح وليس بشـرير، فإنه إن كلمه لا يحنث؛ لأنه امتنع عن الكلام بسبب شـره، فكأنه قال: والله لا أكلم هذا الرجل إذا كان شـريرًا.
(3) فإن لم يكن له نية، ولم يعرف له سبب؛ رجعنا فيه إلى التعيين: فإذا قال مثلًا: والله لا آكل هذا الرطب، فصار تمرًا، أو قال: والله لا أشـرب هذا اللبن، فصار جبنًا، ولا أكلم زوجة فلان، فطلقت؛ فإنه يحنث لو أكل التمر، أو الجبن، أو كلم المطلقة؛ لأنه عيَّن المحلوف عليه بالإشارة إليه بعينه إلا أن ينوي في يمينه أنه لا يفعل ذلك ما دام على هذه الصفة، فحينئذ لا يحنث، فإذا قال: أنا قصدت لا أكل هذا الرطب ما دام رطبًا، أولا أشـرب هذا اللبن ما دام لبنًا، أو لا أكلم هذه الزوجة ما دامت زوجة؛ فإنه يُصدَّق في قوله، ولا حنث عليه.
(4) فإن عدم ذلك؛ فالمرجع إلى ما يتناوله الاسم الذي حلف به: أي: المرجع إلى اللفظ الذي وقع الحلف عليه، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شـرعي، ولغوي، وعرفي، وقد تتفق الألفاظ في مدلولاتها الثلاثة؛ كلفظ السماء، والأرض، والبحر، ونحو ذلك، فمعناه الشـرعي واللغوي والعرفي واحد، فإذا قلت: السماء فهم المقصود منها، ولا يختلف المعنى الشـرعي عن اللغوي عن العرفي، وقد تختلف المدلولات؛ كلفظ الصلاة والطهارة ونحوهما، فالصلاة في اللغة: الدعاء، والطهارة لغة: النظافة، ولكن معناهما في الشـرع يختلف. واللحم؛ فإنه يشمل في اللغة الشحم والكبد والكرش ونحو ذلك، ولا يشمله في العرف.
وبناء على ذلك يقدم اللفظ الشـرعي، ثم اللغوي، ثم العرفي، وبعضهم يقدم العرف على اللغة وهذا الرأي قرره القرافي في الفروق وغيره
فإذا قال: والله لأصلين الآن، فقام فدعا (بناء على أن الصلاة بمعنى الدعاء لغة)، فإنه لم يبر في يمينه حتى يصلي الصلاة الشـرعية؛ لأن لفظ «الصلاة» يقصد بها المعنى الشـرعي أولًا.
وإذا قال: والله لا آكل لحمًا، فأكل شحمًا لا يحنث عند من يقدم العرف على اللغة، ويحنث عند من يقدم اللغة على العرف، والراجح في هذا المثال تقديم العرف؛ لأنه هو الذي يعقد عليه يمينه إلا إذا تبين خلاف ذلك.
ومثلًا: الشاة تطلق في اللغة على الضأن والمعز، ولكن في العرف تطلق على الضأن فقط، فلو قال: والله لا آكل لحم شاة فأكل لحم معز؛ فإنه لا يحنث للعرف، إلا إن قصد المعنى اللغوي فإنه يحنث.
المسألة السادسة: إذا كرر اليمين:
إذا تعدد اليمين من الحالف، ثم حنث؛ فهل يكون عليه كفارة واحدة أو تتعدد الكفارات؟
الجواب عن هذه المسألة: أننا نقسمها إلى ثلاث حالات:
(أ) أن يتعدد اليمين، والمحلوف عليه واحد؛ كأن يقول: والله لا أذهب إلى فلان، ثم يقول: والله لا أذهب إلى فلان، وهكذا، فهنا الأيمان مكررة، والمحلوف عليه واحد، فإذا حنث وجب عليه كفارة واحدة، إلا أن يحلف مرة أخرى بعد الحنث؛ فيكون عليه كفارة أخرى إذا حنث أيضًا.
(ب) أن يكون اليمين واحدًا، والمحلوف عليه متعددًا، كأن يقول: والله لا أذهب إلى فلان، ولا أكل من طعامه، فإذا حنث فليس عليه إلا كفارة واحدة.
(جـ) أن يتعدد اليمين، ويتعدد المحلوف عليه، كأن يقول: والله لا آكل هذا الطعام، والله لا أذهب إلى السوق، والله لا أدخل البيت، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه يلزمه لكل يمين كفارة، وهذا هو الراجح.
تنبيه: إذا كان ما يجب بسببه الكفارة مختلفًا، فعليه لكل سبب كفارته إذا حنث.
مثال: لو قال لامرأته: والله لا أكلمك، وأنت عليَّ كظهر أمي، فهنا عليه كفارة يمين إذا حنث، وعليه كفارة ظهار، فلا تتداخل الكفارتان، فكفارة اليمين وجبت بسبب الحنث في الحلف بالله، وكفارة الظهار وجبت بسبب الحنث في مظاهرته لامرأته.
المسألة السابعة: التوكيل في اليمين:
إذا حلف ألا يفعل شـيئًا، ثم وكل غيره بفعله، فإنه يحنث، إلا إن كانت نيته ألا يباشـر الفعل بنفسه فقط.
مثال: حلف ألا يبيع سـيارته لفلان، ثم وكل غيره في بيع السـيارة له، فإنه يحنث، لكن إن كان مقصوده ألا يباشـر البيع معه، جاز له التوكيل ولا يحنث.
قال ابن حزم: (من حلف ثم قال: نويت بعض ما يقع عليه اللفظ؛ صُدِّق، وكذلك لو قال: جرى لساني ولم يكن لي نية فإنه يصدق، فإن قال: لم أنو شـيئًا دون شـيء؛ حمل على عموم لفظه)[19].
المسألة التاسعة: يمين السكران ونحوه:
اختلف العلماء في وقوع يمين السكران، والمعتمد عند الحنابلة أنه لا يقع، وهو الذي رجحه شـيخ الإسلام
وقال ابن حزم: (ولا يمين لسكران، ولا لمجنون في حالة جنونه، ولا لهاذٍ في مرضه، ولا لنائم في نومه، ولا لمن لم يبلغ)[20].
ومن الأدلة على ذلك: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاث؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل»[21]. وثبت عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وفيه: «عن المبتلى حتى يبرأ»[22]. قال ابن حزم: (السكران مبتلى في عقله).