كتاب الجهاد

لغة: بذل الجهد، أي بذل المشقة.
واصطلاحًا: بذل الجهد في قتال العدو، ويكون باليد والمال واللسان والقلب، ويطلق الجهاد على جهاد النفس والشـيطان والفساق[1].
أولًا: من (القرآن):
قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة:111].
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ ١٠ ﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الصف:10-11].
ثانيًا: من (السنة):
الأحاديث في ذلك كثيرة؛ منها:
(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور»[2].
(2) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وبماله في سبيل الله»، قال: ثم من؟ قال: «ثم مؤمن في شِعب من الشعاب؛ يعبد الله، ويدع الناس من شـره»[3].
(3) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا تستطيعونه»، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثة، كل ذلك يقول: «لا تستطيعونه»، ثم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة ولا صـيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله»[4].
(4) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض»[5].
(5) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا»[6]، يعني: قاتله من المسلمين.
(6) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن جرح جرحًا في سبيل الله، أو نكب نكبة؛ فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت؛ لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك»[7]، ومعنى «فواق ناقة»: ما بين الحلبتين من الوقت. وهناك آيات وأحاديث أخرى كثيرة في فضل الجهاد، والرباط في سبيل الله، وفضل الشهادة، وسـيأتي بعضها إن شاء الله.
قد يكون الجهاد فرض كفاية، وقد يكون فرض عين؛ وذلك على حسب الحاجة الداعية إليه، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: فرض كفاية:
وذلك إذا لم يكن النفير عامًّا، وكون الجهاد فرض كفاية هو الأصل في حكم الجهاد، ومما يدل على أنه فرض كفاية قوله تعالى: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ عز وجل ﴾ [النساء:95]، فلو كان الجهاد فرض عين لما وعد الله القاعدين الحسنى؛ لأن القعود في هذه الحالة يكون حرامًا.
قال الشـيخ ابن عثيمين: (لا بد فيه من شـرط، وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب النبي ﷺ على المسلمين القتال وهم في مكة، لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة وكونوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة؛ أمروا بالقتال)[8].
قلت: لكن يلزمهم فرضًا إذا كانوا في حالة عجز وضعف أن يسعوا لتحصـيل القوة التي يتمكنون بها من مقاتلة عدوهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال:60].
ثانيًا: فرض عين:
يتعين الجهاد على كل فرد إذا كان النفير عامًّا؛ لقوله تعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ [التوبة:41]. ويتعين الجهاد في الحالات الآتية:
(1) إذا التقى الجيشان وتقابل الصفان، فيحرم على من حضـر أن ينصـرف؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ﴾ [الأنفال:45]، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها: «التولي يوم الزحف»[9]، فلا يجوز لمن حضـر القتال أن ينصـرف، إلا في حالتين:
الأولى: أن يكون متحرِّفًا لقتال، بمعنى أن يذهب ليأتي بقوة أكثر.
الثانية: أن يكون منحازًا إلى فئة؛ كأن يُذكر له أن فئة من المسلمين تكاد تنهزم فينحاز إليهم لتقوى شوكتهم، شـريطة ألا يؤثر ذلك في الفئة التي هو فيها.
(2) إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.
(3) إذا استنفرهم الإمام (الحاكم)؛ لقوله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشـي»[10].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿ ٣٨ ﴾ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ [التوبة:38، 39]. وقال النبي ﷺ: «وإذا استُنفِرتم فانفِروا»[11].
(1) استئذان الوالدين: إذا كان الجهاد فرض كفاية فلا بد من استئذان الأبوين قبل الخروج، وأما إذا كان فرض عين فلا يجب الاستئذان، بل يخرج الولد من غير إذن أبويه، وتخرج المرأة من غير إذن زوجها.
(2) من يقوم بالكفاية: زاد الشـيخ ابن عثيمين توضـيحًا لما يكون فيها الجهاد فرض عين؛ وهو إذا احتيج إليه؛ كأن يكون عندنا دبابات وطائرات لا يحسن قيادتها إلا هؤلاء، فيتعين عليهم الجهاد.
يشترط لوجوب الجهاد سبعة شـروط؛ وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والسلامة من الضـرر، ووجود النفقة.
(فالإسلام والبلوغ والعقل) هي شـروط لوجوب فرائض الشـريعة على العموم.
وأما (الحرية) فلأن النبي ﷺ كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، وأما العبد فكان يبايعه على الإسلام فقط.
وأما (الذكورة) فدليلها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ فقال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور»[12].
وأما (السلامة من الضـرر) فلقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ [الفتح:17].
وأما (وجود النفقة) فلقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة:91].
(1) هل يجب الجهاد بالمال أو بالنفس أو بهما؟
الجواب: تارة يجب بالمال فقط في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه وعنده سعة من المال، وتارة يجب بالبدن فقط في حال من لا مال له، وتارة يجب بهما في حال القادر بدنيًّا وماليًّا.
(2) وظائف الإمام في الجهاد:
على الإمام أن يتفقد الجيش؛ سواء كان ذلك بنفسه إن كان ذا خبرة، أو بمن يثق به من ذوي الخبرة، فينظر الصالحَ للجهاد فيقره، والفاسدَ فيمنعه؛ سواء كان ذلك في معدات الحرب أو في قدرات المجاهدين.
وعلى الإمام أن يمنع كل من لا يصلح للجهاد، كالذي يخذِّل الناس ويضعف من عزمهم وإقدامهم؛ كأن يبث فيهم أننا مهزومون لا محالة، أو لماذا نجاهد الآن وعدونا أقوى منا؟ ونحو ذلك مما يرجف بالجيش، وكذلك يخرج المرجفين الذين يهوِّلون قوة العدو، وأنهم هزموا قبلنا سـرايا كذا وكذا، فإن هذا كله يضعف من قوة المسلمين.
وعلى الإمام كذلك أن ينظم الجيش، ويقسمه حسب ما تقتضـيه المصلحة؛ حتى لا يبدو الجيش فوضـى عند الالتحام.
ومعنى «الرباط»: ملازمة الثغور التي بين المسلمين والكفار، حتى لا يتحين الكفار الفرصة فيهجموا على بلاد المسلمين، ويقال لهم الآن: (حرس الحدود). قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:200].
وردت الأحاديث في فضل الرباط في سبيل الله؛ منها:
(1) عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرَّوْحة يَرُوحها العبد في سبيل الله أو الغَدْوة خير من الدنيا وما عليها»[13].
(2) وعن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم وليلة خير من صـيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفَتَّان»[14].
(3) عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، فإنه يَنْمِي له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر»[15].
وغير ذلك من الأحاديث في فضل الرباط في سبيل الله عز وجل.
ذهب فريق من العلماء إلى وجوب إبلاغ العدو الدعوةَ إلى الإسلام قبل القتال؛ سواء كانت الدعوة بَلَغَتْهُم قبل ذلك أم لا، وهذا مذهب الإمام مالك.
وذهب فريق آخر من العلماء إلى أنه لا يجب الإبلاغ مطلقًا، وهو رأي عند الحنابلة.
وذهب جمهور العلماء إلى الفرق بين من بلغته الدعوة قبل ذلك؛ فلا يجب إعادة الإبلاغ لهم، ويكون الإبلاغ حينئذ من باب الاستحباب، وبين من لم تبلغه الدعوة؛ فيجب إبلاغهم، وهذا هو الراجح جمعًا بين الأدلة؛ فقد ثبت في الحديث عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سـرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «وإذا لقيت عدوك من المشـركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم»[16].
فهذا الحديث يدل على وجوب البلاغ قبل القتال، لكن ثبت أن النبي ﷺ أغار على قوم من غير إبلاغهم؛ فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم»[17]، ومعنى «أغار» أي: هجم عليهم، والغارة تكون فجأة لا يسبقها دعوة. و«هم غارون» أي: غافلون.
وقد جمع الجمهور بين هذه الأحاديث بأنه حيث أمر بدعوتهم، فذلك فيما إذا كانوا لم يصل إليهم بلاغ قبل ذلك، وحيث قاتلهم فجأة، فذلك فيما إذا كانوا قد دعاهم وأبلغهم قبل ذلك، وهذا القول هو أرجح الأقوال، والله أعلم.