حجم الخط:

محتوى الدرس (270)

آداب الجهاد:

(1) يجوز قتل الذين يقاتلوننا من المشـركين:

ممن يشتركون في الحرب برأي أو تدمير أو قتال، وأما غير المقاتلة فلا يجوز قتلهم؛ من امرأة، أو صبي، أو شـيخ، أو مجنون، أو مريض مقعد، أو أشل، أو راهب في صومعة، أو عاجز عن القتال، لكن مَن كان في هؤلاء يشارك برأي أو تدمير، أو قاتل مع قومه؛ فإنه يجوز قتلهم.

ومن الأدلة على منع قتلهم:

عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: « انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله ﷺ، ولا تقتلوا شـيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين»[1].

عن رباح بن ربيع رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الْحَقْ بخالد، فقل له: لا تقتلن امرأة ولا عسـيفًا»[2]. و«العسـيف»: الأجير، وفي رواية: «ذرية» بدلًا من: «امرأة».

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان إذا بعث جيوشه قال: «لا تقتلوا أصحاب الصوامع»[3].

وأما الدليل على جواز قتلهم إذا قاتلوا أو كان لهم رأي أو مشورة: فعن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه أن ربيعة بن رفيع السلمي أدرك دريد بن الصمة يوم حنين، فقتله وهو شـيخ كبير جاوز المائة، لا ينتفع إلا برأيه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه[4].

(2) لا يجوز للمسلمين الغدر:

ومعناه: الخيانة بنقض العهد، ولا التمثيل بالأعداء، ولا سـرقة الغنيمة؛ وهي (الغلول).

(3) ينبغي تحسـين النية في القتال:

بأن يكون مقصده إعلاء كلمة الله عز وجل، وقد سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»[5].

(4) يجوز للمجاهد أن يتمنى الشهادة:

لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتى ما قعدت خلف سـرية، والذي نفسـي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل»[6]، وثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك، وموتًا في بلد رسولك»[7].

وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه»[8].

(5) يجوز للإمام أن يبايع الجند على عدم الفرار، أو على الموت:

وقد ثبت في الحديث عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «بايعت النبي ﷺ، ثم عدلت إلى ظل شجرة، فلما خفَّ الناس قال: يا ابن الأكوع، ألا تبايع؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: وأيضًا، فبايعته الثانية»، فقال الراوي لسلمة بن الأكوع: يا أبا مسلم، على أي شـيء كنتم تبايعون؟ قال: «على الموت»[9].

ولا يلزم من المبايعة على الموت وقوع الموت، بل المقصود الثبات وعدم الفرار ولو ماتوا.

(6) تقدم أنه يجب الثبات عند لقاء العدو:

لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45]، لكن إن غلب على الظن أنهم سـيغلبون ويقتلون، فلا بأس من الفرار متحرفين لقتال، أي: يطلبون من ينصـرهم على الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الأنفال:16]. يقول العز بن عبد السلام: (التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة، لكنه واجب إذا علم أنه يُقتل من غير نكاية في الكفار)[10].

(7) ويحرم على المسلمين بيع السلاح:

والكُراع (الخيل) والمعدات الحربية لأهل الحرب التي تقوي شوكة العدو على المسلمين.

(8) يجوز استخدام وسائل التخريب والتدمير:

التي تفرق العدو، وتكسـر شوكتهم؛ كضـرب حصونهم وإحراقها، وإغراقها بالماء، وتوجيه النبال، والمدافع، والصواريخ من وسائل القتال الحربية: البرية والبحرية والجوية.

(9) الأصل أن المسلمين لا يستعينون بأهل الشـرك على المشـركين:

لقوله ﷺ لرجل تبعه يوم بدر: «ارجع، فلن أستعين بمشـرك»[11]، ولأنه لا يؤمن غدرهم.

لكن أجاز بعض الفقهاء الاستعانة بهم إذا كانت ضـرورية، أو كانت هناك حاجة، شـريطة أن تكون القيادة للمسلمين؛ لأن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية يوم حنين[12]، وأعانته خزاعة عام فتح مكة.

مسألة: حكم قتال العدو إذا تترس بالمسلمين:

هذه المسألة ظهرت أيام حروب التتار؛ إذ إنهم كانوا يضعون أمامهم أسـرى المسلمين يتترسون بهم؛ حتى لا يرميهم أحد من المسلمين، خشـية أن يصـيب المسلمين، فنشأ السؤال عن حكم رمي العدو في هذه الحالة علمًا بأنه قد يصـيب التُّرس:

قال ابن قدامة: (وإن تترسوا بمسلم، ولم تدع حاجة إلى رميهم؛ لكون الحرب غير قائمة، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شـرهم؛ لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلمًا فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين[13] جاز رميهم؛ لأنها حال ضـرورة، ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين، لكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي.

قال الأوزاعي والليث: لا يجوز رميهم... وقال القاضـي والشافعي: يجوز رميهم إن كانت الحرب قائمة؛ لأن تركه يُفضـي إلى تعطيل الجهاد)[14].

وقال القرطبي: (قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضـرورية كلية قطعية، فمعنى كونها (ضـرورية) أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها (كلية): أنها قاطعة لكل الأمة حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى كونها (قطعية): أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعًا)[15].

وعلى هذا فشـروط قتل الترس ما يلي:

(1) أن تكون الحرب قائمة، والحاجة تدعو إلى رميهم.

(2) أن يقصد قتل الكفار، لا قتل المسلمين.

(3) أن تكون المصلحة ضـرورية كلية قطعية.

وعلى هذا فلا يجوز مثلًا قتل المسلم المجاور للمشـرك؛ لأنه لم يتترس به، بل ذهب العلماء إلى أنه لا يجوز رميهم إذا لم نتوقع مضـرة منهم.

إذا علمت هذا، فاعلم أن ما تفعله بعض الحركات الإسلامية من قتل بعض أفراد الأمن المركزي؛ مستدلين على ذلك بفتوى التترس بعيد جدًا، فهم ليسوا كفارًا، وليست هناك حرب قائمة، ولم يتترس بهم أحد، ثم إن المفاسد في قتلهم لا يحصـيها إلا الله[16].

مسألة: حكم الأعمال المسماة (استشهادية أو انتحارية)!!

ظهرت هذه المسألة في زماننا؛ وذلك بأن يلقي بعض المجاهدين بنفسه أو بسـيارة معه بعدما يلغم نفسه وسـيارته بالألغام، ويفجر ذلك في العدو، وذلك يسبب للأعداء خسائر فادحة، أو إضعافًا لعزمه، ويعلم ذلك المجاهد يقينًا أنه سـيموت بسبب هذا الانفجار، فهل هذا العمل الذي يسميه بعضهم (استشهادًا) ويسميه بعضهم (انتحارًا)؛ هل هو صحيح؟

الجواب: خلاصة ما أفتى به العلماء: أن هذه العمليات جائزة إذا ترتب عليها مصلحة كبيرة للإسلام والمسلمين، وأن من يقوم بهذه العملية شهيد إن صدقت نيته مع الله، وهناك أدلة يمكن الاستدلال بها على جواز هذه العمليات الاستشهادية؛ منها:

(1) قصة الغلام الذي دل الملك على الكيفية التي يقتله بها نصـرة للدين؛ إذ آمن الناس وقالوا: آمنا برب الغلام.

(2) قصة البراء بن مالك في معركة اليمامة؛ إذ أمر أصحابه أن يحملوه في ترس على الرماح، ويلقوه داخل الحصن حتى فتح باب الحصن[17].

(3) قصة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه في القسطنطينية، وفيها أن رجلًا من المسلمين حمل على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله؛ يلقي بنفسه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية[18] هذا التأويل، إنما نزلت فينا معشـر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصـروه، فقال بعضنا لبعض سـرا - دون رسول الله ﷺ-: إن أموالنا ضاعت، وإن الله أعز الإسلام، وكثر ناصـروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه الآية[19].

(4) عن أبي إسحاق السبيعي قال: سمعت رجلًا سأل البراء بن عازب: أرأيت لو أن رجلًا حمل على الكتيبة وهم ألف؛ ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: «لا، ولكن التهلكة أن يصـيب الرجل الذنب، فيُلقي بيده ويقول: لا توبة لى»[20].

وهذا ما اتفق عليه العلماء في فتاوى قريبة لهذا المعنى: فقد نقل الإمام النووي في شـرح مسلم الاتفاق على التغرير بالنفس في الجهاد[21].

وقال أبو بكر بن العربي: (والصحيح عندي جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم؛ لأن فيه أربعة وجوه: طلب الشهادة، ووجود النكاية بالعدو، وتجرئة المسلمين عليه، وضعف نفوسهم؛ ليروا أن هذا صنع واحد فما ظنك بالجميع؟)[22].

وغير ذلك من الأدلة والآراء التي تدل على مشـروعية هذه العمليات، وهو ما أفتى به علماء مجمع الفقه الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، ولكن لا بد لصحة هذا العمل الاستشهادي من شـروط:

(أ) ألا يكون عملًا فرديًّا، وإنما يكون بإذن الإمام.

(ب) أن يكون مقصوده إعلاء كلمة الله ونصـرة دينه.

(ج) مراعاة المصلحة في ذلك؛ بأن يغلب على الظن تحقيق نكاية بالعدو، وألا يكون هناك ضـرر محقق يقع على المسلمين.

(د) أن يتجنب قتل النساء والأطفال، إلا إذا كانوا تبعًا لا قصدًا، كما هو الحال في فلسطين، فإن النساء هناك يعددن من المقاتلة، ومن المحاربين.

تنبيه: ما يفعله بعض الشباب من الحركات الإسلامية من تفجيرات يريق بها دماء المسلمين، ويزهق أرواحهم عمل لا أساس له من الدين، وليس هذا من الجهاد المشـروع، لأن حرمة القتل للمسلم والمستأمن ثابتة بالكتاب والسنة، ولا يمكن أن يزال هذا الأصل بما يرد على عقول هؤلاء الشباب من شبهات، كأن يعتمدوا على فتوى التترس، وقد تقدم وجه الصواب فيها، أو كقولهم: «يبعثون على نياتهم»، فيبيحون قتل معصومي الدماء بمثل هذه الظنون، وهذا من التضليل في دين الله، وسطحية الفهم لمعاني القرآن والسنة[23].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة