انتهاء الحرب:
تنتهي الحرب بإحدى الطرق الآتية:
خريطة ذهنية لأسباب إيقاف الحرب

والمقصود: اعتناق الكفار لدين الإسلام؛ وذلك بالنطق بالشهادتين، مع التبري من الدين الذي هم عليه، والأدلة على ذلك فيما يلي:
(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»[1].
(2) وعن أبي مالك عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم دمه وماله، وحسابه على الله»[2].
وإذا قال الكافر: أنا مسلم، أو أسلمت لله، ولم ينطق بالشهادتين؛ قُبل منه ذلك وحكم له بالإسلام؛ لما ثبت عن المقداد بن الأسود قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، وقاتلني، فضـرب إحدى يدي بالسـيف فقطعها، ثم لاذ بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقاتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله: «لا تقتله»[3].
وإذا أسلم الأبوان أو أحدهما حُكِم لأولادهما بالإسلام؛ لأنهم تابعون لهما، أو للمسلم منهما، كما يرى العلماء أن الصبي إذا وقع في السبي فهو مسلم تبعًا للدار.
من الأمن، ضد الخوف، والمقصود أن نقول لهم: أعطيناكم الأمان، أو أنتم آمنون. وعقد الأمان قسمان:
أمان عام: وهذا يصدر من الإمام لجماعة غير محددين؛ كأن يعقد عقدًا مع الدولة المحاربة بالأمان، ويدخل في ذلك عقد الهدنة.
وأمان خاص: وهو ما يكون للواحد، أو لجماعة محددة (ويقيد بعض العلماء ذلك بألا يزيدوا على عشـرة)، ويجوز أن يصدر هذا الأمان من أفراد المسلمين؛ سواء كان رجلًا أو امرأة، فقد ثبت في الحديث عن أم هانئ أنها أمنت أحد المشـركين، فقال لها النبي ﷺ: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ»[4].
والأدلة على عقد الأمان:
قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ [التوبة:6]. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صـرفًا ولا عدلًا»[5]، وفي رواية: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم»[6].
ومعنى «ويسعى بذمتهم أدناهم»، أي: أنه لو أعطى واحد منهم أمانًا فليس للباقين نقضه.
وقد أجاز النبي ﷺ أمان أم هانئ لرجلين من أحمائها[7]، وأمان ابنته زينب لزوجها أبي العاص[8].
ذهب جمهور العلماء إلى أن عقد الأمان عقد لازم من جانب المسلمين، ولا ينقض إلا لتهمة أو مخالفة؛ ويصح من المسلم العاقل البالغ؛ سواء كان عبدًا أو حرًا، رجلًا أو امرأة، بشـرط أن يكون مختارًا غير مكره.
ويقتضـي هذا العقد ثبوت الأمن للمستأمن، فلا يجوز قتلهم ولا سبي نسائهم وأولادهم، ولا اغتنام أموالهم، بل ولا ضـرب الجزية عليهم، ولا يحل الغدر بهم؛ لأن الغدر حرام. وعلى هذا فعلى المسلمين أن يكفوا الأذى عن المستأمن مدة الأمان، فإذا انته ت مدة الأمان وجب على الحاكم إبلاغ المستأمن إلى مأمنه، أي: توصـيله أو السماح له بالوصول إلى المكان الذي يأمن فيه على نفسه وماله.
ينتهي الأمان في الحالات الآتية:
(1) إذا انتهت المدة المحددة للأمان، إن كانت له مدة معلومة.
(2) بنبذ الإمام له: أي: نقضه، وذلك عند خوف الضـرر منهم، بشـرط أن يعلمهم نبذه للعقد حتى لا تكون خيانة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال:58].
(3) ينتهي عقد الأمان أيضًا إذا طلب العدو نقضه.
وفي جميع الأحوال لا يعتدى عليه، بل لا بد أن نبلغه مأمنه.
تنبيه: يشترط في الأمان ألا يكون هناك ضـرر واقع على المسلمين؛ سواء كانت هناك مصلحة حاصلة أم لا، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، ولذلك لا يجوز الأمان لجاسوس ونحوه مما يسبب ضـررًا للمسلمين، ويرى الحنفية والمالكية اشتراط المصلحة للمسلمين في عقد الأمان، أي: أنهم لا يكتفون بعدم وقوع الضـرر فقط، بل يشترطون مع عدم الضـرر تحصـيل المصلحة أيضًا.
مسألة: هل يجوز للمستأمن دخول حرم مكة والمسجد الحرام؟
الجواب: ذهب الشافعية والحنابلة إلى منع غير المسلم من دخول مكة؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ﴾ [التوبة:28].
والمقصود من المسجد الحرام في الآية حرم مكة، وقالوا: لا يدخل أيضًا غير المسلم الحجاز، ولا يستوطن فيها، ودليلهم: ما ثبت عن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أترك إلا مسلمًا»[9]، والمراد بها بلاد الحجاز فقط دون بلاد اليمن، وإن كانت من جزيرة العرب؛ لأن عمر رضي الله عنه أجلاهم من الحجاز دون اليمن.
وذهب المالكية إلى جواز (دخول) غير المسلم مكة، لكن لا يدخلون البيت الحرام، على أن تكون مدة الأمان في مكة ثلاثة أيام، ويمكن أن تزيد إذا كانت مصلحة يراها الإمام، وقالوا: لا يجوز لهم (استيطان) جزيرة العرب، ويفسـرون جزيرة العرب بالحجاز واليمن؛ لعموم الأحاديث الواردة في إخراجهم من جزيرة العرب.
وأما الحنفية فعندهم يجوز لغير المسلم (دخول) أي مكان في دار الإسلام بأمان، حتى مكة والمسجد الحرام مدة إقامة المسافر ثلاثة أيام، وقالوا: إن الآية المقصود منها منعهم أن يحجوا أو يعتمروا إلى البيت الحرام كما كانوا في الجاهلية.
والراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة؛ لقوة أدلتهم، والله أعلم.
(1) يثبت عقد الأمان حتى لو كان بصورة غير صـريحة، إن جرت العادة به أنه أمان.
قال ابن قدامة: (ومن قال لكافر: أنت آمن، أو لا بأس عليك، أو أجرتك، أو قف، أو ألقِ سلاحك، أو مَتَرْس فقد أمنه)[10].
وقال في شـرحه لذلك: (لأن الكافر يعتقده أمانًا، أشبه ما لو سلَّم عليه، ولقول ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله يعلم كل لسان، فمن كان منكم أعجميًّا فقال: مترس فقد أمنه)[11].
قلت: ويدخل في هذا المعنى من يدخلون بلاد المسلمين بتأشـيرة الدخول أو تصـريح عمل أو تصـريح إقامة أو نحو ذلك.
(2) ويثبت الأمان بما جرت به العادة ولو بغير عقد. قال ابن قدامة: (ومن دخل دار الإسلام بغير أمان، فادعى أنه رسول أو تاجر، ومعه متاع يبيعه، قُبِل منه)[12].
(3) يدخل في عقد الأمان بالتبعية كل من كانوا يتبعون المستأمن ولا ينفصلون عنه؛ كأبنائه غير البالغين فلا يحتاج هؤلاء إلى عقود أمان خاصة بهم.
(4) ويثبت الأمان، وإن كنا لا نقصده؛ إذا فهم الحربي من ذلك أمانًا. قال ابن قدامة: (والإشارة كالقول؛ قال عمر رضي الله عنه: «لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشـرك فنزل إليه فقتله، لقتلته».
وقال أحمد: إذا أشـير إليه بشـيء غير الأمان فظنه أمانًا فهو أمان، وكل شـيء يرى العلج أنه أمان فهو أمان)[13].
مسألة: هل يجوز قتل الأجانب الموجودين في بلاد الإسلام؟
يقول الدكتور سـيد حسـين العفاني -حفظه الله-: (إن هؤلاء الأجانب؛ سواء كانوا سـياحًا أو أطباء أو خبراء أو غيرهم، قدموا إلى بلاد المسلمين وهم يحملون أكثر من صـيغة للأمان، وليس صـيغة واحدة للأمان؛ فقد دخلوا بجوازات سفر صحيحة، ومعها تصـريح بالدخول، أو ما يسمى عرفًا تأشـيرة دخول، وبعضهم -مثل الخبراء والأطباء والعلماء والتجار- قد يحمل تصـريحًا بالعمل، أو تصـريحًا بالإقامة، أو دعوة للزيارة، وهذه كلها صـيغ صحيحة ودقيقة ومكتوبة للأمان.
ولذلك فإن قتل هؤلاء خطأ شـرعي جسـيم، وإراقة لدمائهم بغير حق، وبغير موجب من الشـرع، ينبغي على كل مسلم ملتزم بشـرع الله الامتناع والتوقف عنه، ونصح غيره بذلك، والإنكار على من يفعل ذلك بكل سبل الإنكار الممكنة)[14].