ثالثًا: انتهاء الحرب بالهدنة:
صلح مؤقت بمعنى الموادعة؛ وهي مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة، وتسمى مهادنة، وموادعة، ومعاهدة، ومسالمة. ويشترط أن يكون عقد الهدنة من الإمام أو نائبه، ولا تصح من الأفراد، وهو قول الجمهور، ويرى الحنفية جواز الهدنة مع جماعة من المسلمين إذا كانت هناك مصلحة؛ لأنها نوع أمان، فكما يصح من الواحد يصح من الجماعة.
والغرض من الهدنة وجود المصلحة؛ كأن يكون المسلمون في حال ضعف، والكفار أقوياء؛ فنوادعهم، أو أن تكون مصلحة لدفع عدوان غيرهم، أو لتحقيق غرض إسلام الكفار، أو تحصـيل منافع اقتصادية أو عسكرية، أو غير ذلك.
قال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الأنفال:61]، وقد اشتهرت الهدنة التي وادع فيها النبي ﷺ كفار مكة عام الحديبية.
(1) تجوز الهدنة بعوض ندفعه أو نأخذه، وتجوز بلا عوض.
(2) إذا تمت الهدنة ترتب عليها أمان للأعداء كما في عقد الأمان، فنكف عنهم الأذى، ويجب الوفاء بالشـروط المتفق عليها، ولا تجوز الخيانة.
(3) عقد الهدنة عقد لازم عند جمهور العلماء، لا يجوز نقضه إلا إذا خيف خيانة من العدو، أو غدر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ﴾ [الأنفال:58]، أي: أنه في هذه الحالة لا بد من إعلامهم بنقض العهد.
ومن مظاهر خيانة العدو للهدنة: أن يقاتلوا المسلمين، أو يناصروا من يقاتلون المسلمين، أو يسبوا الله أو رسوله أو كتابه، أو يتجسسوا على المسلمين، ونحو ذلك، فإن ثبت ذلك فقد نقضوا العهد، وجاز قتالهم، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾ [التوبة:12]، فهؤلاء نقضوا العهد فنقاتلهم، ولا يلزم إبلاغهم في هذه الحالة بنقض العهد الذي بيننا وبينهم، ولذلك لما نقضت قريش العهد قاتلهم النبي ﷺ حتى فتح مكة.
وأما إذا استقاموا على العهد فإنه يلزمنا أن نستقيم عليه، ولا يجوز مقاتلتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ [التوبة:7].
أن بقاء العهد أو نقضه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يستقيموا لنا، فنستقيم لهم.
الثاني: أن نخاف منهم غدرًا وخيانة، فنعلمهم بنقض العهد قبل أن نقاتلهم.
الثالث: أن يقع منهم الغدر والخيانة، فنقاتلهم ولا يشترط إعلامهم.
(4) هل عقد الهدنة مؤقت بزمن أو أنه يمكن أن يكون مطلقًا؟
الجواب: هناك ثلاثة آراء في هذه المسألة:
القول الأول: أنه مؤقت، ولا يزيد عن عشـر سنوات، ودليلهم أن عقد الحديبية كان عشـر سنوات، فلا يزيد على ذلك.
القول الثاني: أنه مؤقت، ولا يشترط أن تكون المدة عشـر سنوات، بل يجوز أن يزيد عن عشـر سنوات إذا دعت الحاجة لذلك؛ لأن الأدلة عامة في جواز المهادنة دون تقييد، وأما كون النبي ﷺ وادعهم عشـر سنوات فهذا لأنه رأى أن ذلك كافٍ للمصلحة.
القول الثالث: أنه يجوز أن يكون مطلقًا من غير تحديد مدة، شـريطة أن يكون العقد غير لازم، وللمسلمين الحق في نقضه متى شاءوا، وهذا ما رجحه شـيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن في هذه الحالة لا بد أن نعلمهم بأنه لا عهد بيننا وبينهم إذا أردنا نقضه.
رابعًا: انتهاء الحرب بعقد الذمة:
لغة: العهد؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ﴾ [التوبة:10]، «والإل»: الأهل والقرابة، و«الذمة»: العهد.
واصطلاحًا: التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والدفاع عنهم ببذل الجزية، مع استسلامهم، ويلاحظ أن عقد الذمة عقد مؤبد.
ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه على رأي جمهور العلماء.
والحكمة من عقد الذمة: تمكين غير المسلمين من الاطلاع على حقائق الإسلام وعقيدته.
(1) عقد الذمة لا يكون إلا لأهل الكتاب أو للمجوس؛ لأن عندهم شبهة كتاب، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة:29].
وأما الدليل على إعطائها للمجوس فهو ما ثبت «أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر»[1]، وأما المشـركون فلا نقبل منهم الجزية، بل إما الإسلام وإما القتال؛ لقوله تعالى عن المشـركين ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ [الفتح:16].
وذهب بعض الفقهاء إلى أنها تعقد لكل كافر؛ لحديث بريدة عن النبي ﷺ أنه كان يوصـي الأمراء: «وإذا لقيت عدوك من المشـركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم؛ فادعهم إلى الإسلام، فإن هم أبوا فسلهم الجزية...»[2] الحديث.
وهذا القول -أعني عمومها لكل كافر- هو ما رجحه الشـيخ ابن عثيمين.
كما يشترط ألا يكون المعاهد مرتدًّا؛ لأن حكمه القتل إذا لم يتب.
(2) إذا تم عقد الذمة انتهت الحرب، وعصم الكفار نفوسهم وأموالهم وأعراضهم.
(3) عقد الذمة عقد لازم من جهة المسلمين، فلا يجوز نقضه، وهذا باتفاق الفقهاء، وأما للذميين فالعقد غير لازم، فيجوز لهم نقضه متى شاءوا، واتفق الفقهاء على أن الذميين مطالبون بالالتزام بأحكام الشـريعة الإسلامية (أي: المدنية والجنائية) وأما أحكام العبادات وما يدينون به، فلهم ما يدينون به؛ كأكلهم الخنازير وشـربهم الخمور، لكن لا يُحدِثون بِيعة، ولهم أن يرمموا أماكن عبادتهم فقط.
(4) تقدم أنهم يطالبون بأحكام الشـريعة في النفس والمال والعرض؛ فمن قتل منهم قتلناه، ومن أتلف مالًا ضَمَّنَّاه، وإذا أتلف المسلم لهم مالًا ضَمِنه، ولا يجوز أن نغتالهم ولا نقذفهم بالزنا، ومن أتى منهم حدًّا يعتقدون تحريمه فتحاكموا إلينا، أقمنا عليه الحد؛ كمن زنى أقمنا عليه حد الزنا، فإن لم يتحاكموا إلينا تركناه، وأما إن جاء بما يوجب الحد لكنه لا يعتقد تحريمه؛ كشـرب الخمر، فإننا لا نقيم عليه الحد، لكن عليهم ألا يظهروا ذلك، فمن أظهر شـرب الخمر عزرناه.
(5) يرى جمهور الفقهاء أنه ينقض عهدهم بالامتناع عن أداء الجزية، أو الامتناع عن تطبيق أحكام الشـريعة العامة، أو الاجتماع على قتال المسلمين.
(6) لا يجوز القيام لهم، ولا تصديرهم في المجالس، ولا بدؤهم بالسلام؛ لقوله ﷺ: «لا تبدءوهم بالسلام، واضطَرُّوهم إلى أضـيق الطرق»[3]، ولكن إن بدءونا بالسلام وجب الرد عليهم بقولنا: «وعليكم»؛ لما ثبت في الحديث: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»[4].
ويرى شـيخ الإسلام جواز بداءتهم بقولنا: كيف حالك؟ وكيف أصبحت؟ لأن هذا مجرد ترحيب، بخلاف السلام فإن فيه معنى الدعاء لهم.
(7) هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيهم، أو نعود مرضاهم؟[5].
الجواب: أما التهنئة فهي تنقسم إلى قسمين:
الأول: تهنئة بأعيادهم؛ كعيد الكريسمس، وعيد الفصح؛ فهذا حرام بلا شك.
الثاني: تهنئة دنيوية؛ كأن يولد له مولود، أو يوجد له مفقود، فهذه فيها نظر، إن كان في ذلك مصلحة؛ كتأليف على الإسلام، أو مكافأة لهم على عمل قدموه، فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة، فلا يجوز؛ لأن ذلك نوع إكرام.
وأما التعزية: فلا يعزون؛ لأن التعزية تسلية للمصاب، وكيف يسلى على مصاب وقد قال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ [التوبة:52]؟
قال ابن عثيمين: (وهذا لا شك في أهل الحرب، لكن في أهل الذمة، قال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة؛ كمصلحة التأليف لقلوبهم، أو للمكافأة؛ إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعل بهم)[6].
قلت: وفي جميع الأحوال لا يجوز المشاركة في مراسـيمهم، والحضور بكنائسهم.
وأما عيادتهم: فالصحيح أنها تجوز، لكن للمصلحة أيضًا كأن يرجى إسلامه[7].
اعلم أن القاعدة في معاملة أهل الذمة أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ويمكن أن نؤكد بعض الحقوق التي لأهل الذمة فيما يلي:
(1) حمايتهم من الاعتداء الخارجي: وقد ذكر ابن حزم في كتابه «مراتب الإجماع» أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ[9].
(2) حمايتهم من الظلم الداخلي: وقد كانت وصايا الخلفاء لأمرائهم بأهل الذمة مشهورة معلومة، وصـرح الفقهاء وأكدوا دفع الظلم عنهم والمحافظة عليهم.
(3) حماية الدماء والأبدان، وفي الحديث: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسـيرة أربعين عامًا»[10]، وقد أجمع الفقهاء على أن قتل الذمي من كبائر الذنوب.
(4) حماية أموالهم، فلا يحق لمسلم أن يأخذ مال الذمي من غير حق، ولا أن يماطله في دين استدانه منه، بل إن الإسلام حمى لهم أموالهم التي يعدونها هم مالًا، مع أن الإسلام لا يعده مالًا كالخنزير.
(5) تأمين احتياجاتهم عند العجز والشـيخوخة والفقر والمرض، وقد ورد في عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحِيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: (وجعلت لهم: أيُّما شـيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًا فافتقر، وصار أهل دِينه يتصدقون عليه؛ طرحتُ جزيتَه وعِيلَ من بيت مال المسلمين هو وعياله)[11].
(6) حرية التدين: حرية الاعتقاد والتعبد، فليس هناك أي ضغوط ليتحولوا بها عن دينهم إلى دين الإسلام؛ قال تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة:256]، ومن تأمل عقود المسلمين لأهل الذمة وجدها تنص على حماية أموالهم ومعابدهم.
(7) حرية العمل والكسب؛ وذلك بالبيع والشـراء ومزاولة المهن من أي أنواع الأنشطة والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية.
(8) توليهم وظائف بالدولة، إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية؛ كالإمامة، ورياسة الدولة، وقيادات الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات.
وغير ذلك من أنواع الحقوق التي امتاز بها الإسلام من: التسامح، وحماية هؤلاء الأقليات الذين تحت عهده وذمته، وضمن لهم هذه الحقوق.
أولًا: المكلفون بأداء الجزية:
تؤخذ الجزية من البالغ العاقل الذكر، مع توفر الصحة والقدرة المالية، والسلامة من العاهات المزمنة، والحرية.
فلا تجب الجزية على الصبي، ولا المجنون، ولا تجب على النساء، ولا على المرضـى، ولا على الفقير المتعطل عن العمل، ولا على الرهبان الذين لا يخالطون الناس، ولا على الزمنى (أي: أصحاب العاهة، ورجل زَمِن أي: مبتلى) ؛ كالأعمى والشـيخ الفاني، ولا على العبد.
ومن صار أهلًا من هؤلاء في أثناء السنة؛ كصبي بلغ، أو فقير اغتنى، أو عبد أُعتق أخذت منه الجزية في آخر الحول، فإذا اغتنى مثلًا في نصف الحول أخذ منه نصف الجزية فقط.
ثانيًا: مقدار الجزية ووقت أدائها:
ذهب الشافعية إلى أن أقل الجزية دينار لكل سنة، ومِنْ متوسط الحال ديناران، ومن الغني أربعة دنانير.
ومذهب الحنفية والحنابلة قريب من هذا المذهب، إلا أنهم يقدرون بالدراهم، فالجزية اثنا عشـر درهما، والمتوسط أربعة وعشـرون درهمًا، والغني ثمانية وأربعون درهمًا.
وأما المالكية فالتقدير عندهم حسب حال الإنسان، بما يراه الأئمة.
ثالثًا: متى تسقط الجزية:
تسقط الجزية باعتناق الإسلام، وتسقط بالموت على الراجح.