حجم الخط:

محتوى الدرس (273)

حكم الأنفال والغنائم:

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالأنفال والأسرى

جدول 147 أحكام الأموال التي تؤخذ من الكفار وأحكام الأسرى

الأموال التي تكون بسبب الحرب مع الكفار، وتؤخذ منهم؛ لها تعريفات مختلفة حسب ما يخص كل نوع؛ وبيان ذلك فيما يلي:

أولاً: النَّفَل:

هو أن يخص الإمام بعض المجاهدين زيادة لهم عن حصتهم في الغنيمة، وذلك من باب التحريض على القتال، وذلك كأن يقول الإمام: من قتل قتيلًا فله سلبه، أو يقول لسـرية (مجموعة من الجيش): جعلت لكم الربع أو النصف تحريضًا لهم على القتال.

ومعنى «السَّلَب» سلاح المقتول، وملابسه، ودابته، وماله الذي معه.

واختلف العلماء: هل التنفيل لا بد فيه من إذن الإمام، أو أنه حكم عام سواء أذن الإمام أم لا؟ على قولين للعلماء، فيرى الحنفية والمالكية أنه لا بد فيه من إذن الإمام، وذهب الشافعية والحنابلة أنه لا يشترط الإذن، وسبب اختلافهم راجع إلى حديثه ﷺ يوم حنين: «من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ؛ فله سلبه»[1]؛ هل هذا حكم عام صادر عن النبي ﷺ؛ فلا يحتاج إلى الإذن بعد ذلك، أو أنه حكم خاص في هذه الواقعة؛ فلا بد إذًا من إذن الإمام. بمعنى: هل كان من باب الحكم والفتوى؟ أو كان من باب الإمامة والولاية؟

ثانيًا: الفيء:

هو المال الذي يؤخذ من الكفار من غير قتال، أي: بطريق الصلح كالجزية والخراج.

وحكم الفيء: أنه كان لرسول الله ﷺ خاصة في حياته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ [الحشر:6].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «كانت أموال بني النضـير مما أفاء الله على رسوله ﷺ، وكانت خالصة له، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكُراع والسلاح»[2]، ومعنى «الكُراع»: الخيل والبغال والحمير. وبعد موت النبي ﷺ فإن مصـرف الفئ يكون في مصالح المسلمين العامة؛ سواء كان المال منقولًا أو عقارًا، وهذا مذهب الجمهور، ويفرق الشافعية بين المنقول والعقار؛ فيرون أن العقار يكون لمصالح المسلمين، وأما المنقول فيخمسونه كالغنيمة، ويجعلون (الخمس) خمسة أسهم، سهم الرسول (ويكون الآن في مصالح المسلمين)، وسهم أولي القربى (وهم بنو هاشم وبنو المطلب)، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم أبناء السبيل.

ثالثًا: الغنيمة:

[تمهيد]

هي ما أخذ من أموال الحرب عَنْوة، بطريق القهر والغلبة، ويتعلق بها ما يلي:

متى تتملك الغنيمة؟ ومتى تقسم؟

تتملك الغنيمة بمجرد الاستيلاء عليها، فيثبت بذلك انتقال الملكية للغانمين، ويجوز للإمام أن يقسمها في دار الحرب أو دار الإسلام، وهذا رأي جمهور العلماء.

وعند الشافعية أن تملك الغانمين لأموال العدو لا يتم إلا بعد الاستيلاء عليها وقسمتها، والفرق بين هذا الرأي والرأي السابق: أن الرأي الأول يثبت الملكية بمجرد الاستيلاء فقط، وهذا الرأي يثبت الملكية بعد الاستيلاء والقسمة، وعلى هذا إذا مات واحد من الغانمين قبل القسمة، يورث نصـيبه بناءً على قول الجمهور، ولا يورث بناء على قول الشافعية.

وأما الحنفية فإنهم لا يثبتون الملكية إلا بعد نقل الغنائم إلى دار الإسلام، فيثبت الحق العام بذلك، لكن لا تثبت الملكية الخاصة لكل واحد إلا بعد القسمة.

وقول الجمهور هو الأرجح؛ لأن النبي ﷺ قسم غنائم حنين قبل أن يرجع إلى المدينة؛ إذ قسمها بذي الحليفة، وقسم غنائم بني المصطلق في دارهم كما رواه البيهقي في السنن[3].

طريقة تقسيم الغنائم:

قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ عز وجل الْجَمْعَانِ [الأنفال:41]. وعلى هذا فتقسم الغنيمة خمسة أقسام، ثم توزع كالآتي:

الخمس الأول: يقسم على من ذكرتهم الآية؛ وهم خمسة: لله ورسوله واحد - ولذي القربي واحد - ولليتامي واحد - وللمساكين واحد - ولابن السبيل واحد.

الأخماس الأربعة الباقية: للغانمين، للراجل سهم (أي: غير الراكب)، وللفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك في خيبر.

ويلاحظ في ذلك ما يلي:

أولًا: سهم الرسول ﷺ كان يأخذه النبي لكفايته لنفسه وعياله، وأما بعد موته ﷺ فإن سهم الله ورسوله يكون فيئًا في بيت المال يصـرف في مصالح المسلمين.

ثانيًا: سهم ذوي القربي -وهم (بنو هاشم وبنو المطلب)- ينفق عليهم حسب حاجتهم، ويشترك فيهم الفقير والغني، والرجال والنساء؛ لعموم الآية ﴿ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ ، وقد أعطى النبي ﷺ العباس منه، وكان من أغنياء قريش، وكان الزبير يأخذ سهم أمه صفية عمة النبي ﷺ.

ثالثًا: اليتامي لا يشترط فيهم الفقر، وإلا لما كان لذكر الفقراء والمساكين معنى، ولا شك أن من كان أحوج كان أحق بالأخذ.

رابعًا: سهم الغانمين للمقاتلين الذين دخلوا المعركة، ولو لم يقاتل بعضهم، ويشارك الجيش سـراياه فيما غنمت، فتضم غنائم السـرايا إلى غنائم الجيش، وغنائم الجيش إلى غنائم السـرايا، ويشترك فيها الجميع.

خامسًا: تقدم أن النبي ﷺ جعل للراجل سهمًا، وللفارس ثلاثة (سهمان لفرسه، وسهم له)، فما القول الآن في الحروب الحديثة؟

الجواب: الأشبه بالفارس الآن من يركبون الطائرات، والأشبه بالإبل: الدبابات والمركبات ونحوها، فهؤلاء جميعًا يأخذون ثلاثة أسهم، وأما المشاة فلهم سهم واحد.

فإن قيل: الطائرات والدبابات ملك للحكومة، فالجواب: يكون لهذه الآلات سهمان؛ يرجع قدرهما إلى بيت المال (خزانة الدولة)، إلا إذا رأى ولي الأمر مصلحة بأن يعطيه لقائد الطائرة فلا بأس.

حكم الغال للغنيمة:

المقصود بالغالِّ: الذي كتم شـيئًا من الغنيمة، وأخذه لنفسه قبل أن يقسمها الإمام، وهو عمل محرم من كبائر الذنوب؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161].

وقد ثبت في الحديث أن رجلًا من المسلمين رُمي بسهم فكان فيه حتفه، فقال الصحابة: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: «لا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة التي غلها لتلتهب عليه نارًا، أخذها من الغنائم، لم تصبها المقاسم»، ففزع الناس، فجاء رجل بشـراك أو شـراكين، فقال: أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ: «شـراك من نار، أو شـراكان من نار»[4].

و«الشَّمْلة» كساء صغير، و«الشـراك»: سـيرُ النعل الذي يكون على وجهه.

وإذا ثبت أنه غلَّ شـيئًا من الغنيمة، فالحكم أن يحرق جميع رحل الغال (يعني: جميع متاعه) عقوبة له -واستثنى العلماء من ذلك السلاح والمصحف وما فيه روح- وذلك من باب التنكيل بمن يغل، ولكن هل هذا التحريق على الوجوب، أو أنه يرجع إلى اجتهاد الحاكم؟

رجَّح شـيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الحكم يرجع إلى اجتهاد الإمام؛ فإن رأى المصلحة أن يحرق حرقه، وإن رأى أن يبقيه أبقاه.

مسألة: إذا غنم المسلمون أرضًا فتحت عنوة، فالإمام مخير بين أن يقسمها على الغانمين، وبين أن يوقفها على المسلمين، ويضـرب عليها خراجًا مستمرًا، أي: أنه لا يقسمها، بل يجعلها وقفًا، ويأخذ الخراج، وهو جزء من المال يأخذه ممن يجعل الأرض تحت يديه.

فمثلًا: يقول الإمام: على كل ألف متر «خراج» سنويًّا ألف جنيه، يأخذها ممن يعمر هذه الأرض؛ سواء عمرها بالبنيان أو بالغرس، فإن عجز عن دفع الخراج أجبر: إما أن يؤجرها أو يردها، وإذا دفع الخراج فالأرض تحت تصـرفه مستمرًّا، وتورث عنه.

وهذه الأموال التي يأخذها الإمام خراجًا تصـرف في مصالح المسلمين، كما تصـرف أيضًا أموال الجزية في مصالح المسلمين العامة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة