كتاب الجنايات

لغة: هي الذنب والجرم.
وشـرعًا: التعدي على الأبدان بما يوجب قصاصًا، أو دية، أو كفارة[1].
الجناية محرمة شـرعًا بالكتاب والسنة والإجماع.
أما (الكتاب): فقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الأنعام:151]، [الإسـراء: 33].
وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:93].
وأما (السنة): فقد قال ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام؛ مالُه ودمُه وعرضُه»[2].
وقال ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»[3].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «لزوال الدنيا أهون عند الله تعالى من قتل امرئ مسلم»[4].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»[5].
وأما (الإجماع): فقد أجمعت الأمة على تحريم القتل بغير حق. قال ابن قدامة: (لا خلاف بين الأمة في تحريمه؛ فإن فعله إنسان متعمدًا فسق، وأمره إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له)[6].
وسوف أتكلم عن أحكام هذه الجنايات في فصلين:
الأول: الجناية على النفس.
والثاني: الجناية على ما دون النفس.
![]()
المقصود بالجناية على النفس: القتل.
تنقسم الجناية على النفس إلى: القتل العمد، وشبه العمد، والخطأ:
أولًا: القتل العمد:
معناه: أن يقصد مَن يَعلَمُه آدميًّا معصومًا، فيقتله بما يغلب على الظن موته به. ومن خلال هذا التعريف يمكننا أن نقول: لا يكون القتل عمدًا إلا إذا تحقق فيه ما يلي:
(أ) القصد: خرج به من قتل خطأ، وخرج به المجنون؛ لأنه لا قصد له.
(ب) أن يعلمه آدميًّا: فلو رأى سوادًا فظنه ذئبًا مثلًا، فألقاه بشـيء فقتله، فإذا هو آدمي، فلا يكون ذلك عمدًا.
(ج) أن يكون معصومًا: ومعصومو الدم هم: المسلم، والذمي، والمستأمن، والمعاهد[7].
(د) أن يقتله بما يَغلِب على الظن القتلُ به: سواء كان محددًا كالسـيف والسكين، أو غير محدد كأن يلقي عليه حجرًا كبيرًا.
ويتفرع على ذلك ما يلي:
(1) إذا ضـربه بعصا صغيرة فمات، فهذا لا يكون عمدًا؛ لأن هذه العصا لا يغلب على الظن القتل بها.
(2) إذا اجتمعت أسباب الجناية، لكن المجني عليه لم يمت، بل تداوى؛ فلا يحكم بالقتل عمدًا؛ لأنه لم يحصل القتل.
(3) إذا جرحه بشـيء ينفذ في البدن فمات؛ فإن كان في موضع يموت به كان ذلك عمدًا، كأن يطعنه بإبرة في قلبه، وأما إن كان في موضع لا يموت به، فهو شبه عمد؛ كأن يطعنه بها في يده فيموت.
(4) اعلم أن من العمد أن يسقيه سمًّا، أو يلقيه في ماء فيغرق، أو في نار فيموت.
ثانيًا: القتل شبه العمد:
هو أن يقصد آدميًا معصومًا فيقتله بما لا يغلب على الظن الموت به.
وذلك مثل ضـربه بحجر خفيف، أو لكمه باليد، أو عصا صغيرة فيموت، بشـرط ألا يوالي بين الضـربات، ولا يكون الضـرب في مقتل، ولا يكون المضـروب صغيرًا أو ضعيفًا.
ثالثًا: القتل الخطأ:
هو القتل الحادث بغير قصد الاعتداء، لا للفعل، ولا للشخص؛ وذلك مثل: أن يرمي صـيدًا أو هدفًا فتنحرف يده؛ فيصـيب إنسانًا فيقتله، فهذا لم يقصد الاعتداء بفعله، ومثل: أن يرى سوادًا فيظنه ذئبًا فيقتله، فهذا لم يقصد الاعتداء على الشخص.
(1) تقسـيم القتل إلى: عمد، وشبه عمد، وخطأ هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقد ثبتت أدلة العمد والخطأ في الكتاب والسنة، وأما شبه العمد فثبتت أدلته في السنة فقط.
فأما دليل القتل العمد: فقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:93].
وأما دليل القتل الخطأ: فقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾ [النساء:92].
وأما دليل القتل شبه العمد: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضـى النبي ﷺ أن دية جنينها غُرَّة: عبد أو وليدة، وقضـى بدية المرأة على عاقلتها»[8].
فأوجب النبي ﷺ الدية على العاقلة، ومعلوم أن العاقلة لا تحمل دية العمد، (وسـيأتي بيان معنى العاقلة إن شاء الله)، وهذا القتل ليس خطأ، فثبت وجود قسم ثالث غير العمد والخطأ، وهو شبه العمد.
(2) هذا التقسـيم السابق هو الراجح، وخالف المالكية، فقسموا القتل إلى عمد وخطأ فقط، وحجتهم أن شبه العمد غير وارد في القرآن، والحديث السابق حجة عليهم.
وخالف كذلك الحنفية؛ فزادوا قسمين آخرين وهما: ما أجري مجرى الخطأ؛ كانقلاب نائم على آخر فيقتله، والقتل بالتسبب، أي: أنه يتسبب ولا يباشـر القتل؛ كمن حفر بئرًا في غير ملكه فوقع فيه إنسان فمات.
قلت: والصحيح أن هذين القسمين يندرجان تحت قسم الخطأ.
حكم قبول توبة القاتل:
اختلف العلماء في قبول توبة القاتل على قولين:
القول الأول: عدم قبول توبته: وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، والحجة في ذلك:
(1) قول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:94].
(2) وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسـى الله أن يغفره، إلا من مات مشـركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا»[9].
القول الثاني: تقبل توبته: وهذا قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح، وأدلتهم على ذلك كثيرة، منها:
(1) قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ [النساء:18]، فهذا الحكم في حالة عدم التوبة، فتكون مقبوله في حالة التوبة من باب أولى.
(2) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر:53]، فإذا كان الله يغفر الشـرك لمن تاب، وهو أعظم الذنوب، فلأن يغفر للقاتل التائب أولى.
(3) حديث الرجل الذي قتل مائة نفس، ثم تاب، فتاب الله عليه[10].
قلت: وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن مرتكب الكبيرة لا يكفر إلا إذا استحلها، كما هو مقرر في كتب العقيدة، وأما الآية التي احتج بها الأولون فمحمولة على من لم يتب، أو أن هذا جزاؤه إن جازاه الله، وكذلك حديث أبي الدرداء السابق محمول على أنه لا يغفر له إذا كان مستحلًا للقتل. وأما ما ورد عن ابن عباس فقد ورد عنه روايتان، إحداهما قبول التوبة، فتحمل الرواية السابقة على تغليظ الإثم، وعليه فحاصل المسألة أنه لا خلاف فيها.
العقوبات القضائية على أنواع القتل:
عقوبة القتل العمد:
هناك عقوبات تترتب على القتل العمد، فالعقوبة الأصلية هي القصاص، وهذا بإجماع العلماء، والعقوبة البدلية هي الدية؛ إذا أسقط أولياء الدم القصاص واختاروا الدية، وهناك عقوبة تبعية؛ وهي الحرمان من الميراث، والحديث هنا خاص عن العقوبة الأصلية والبدلية.
عقوبة القتل الخطأ وشبه العمد:
تجب الدية في القتل الخطأ وشبه العمد، وتكون على العاقلة، وتجب الكفارة على القاتل، أما في القتل العمد فالدية بدل من القصاص كما سبق.
وسوف نتكلم - إن شاء الله - عن أحكام القصاص، ثم عن أحكام الديات.