أحكام القصاص
القصاص ثابت بالقرآن والسنة والإجماع:
أما (القرآن): فقال الله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة:179]. وقال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ [البقرة:178]. وقال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة:45].
وأما (السنة): فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى، وإما أن يقاد»[1].
ومعنى: «يودى»: أي: يقبل الدية، و«يقاد»: يقتص من القاتل، وسمي قودًا؛ لأنهم كانوا يقودون الجاني بحبل أو غيره إلى محل استيفاء القصاص.
وأما (الإجماع): فقد قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الحر يقاد بالحر)[2].
يشترط لثبوت القصاص عدة شـروط:
(أي: عاقلًا بالغًا)، وأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما، ويعد قتلهما خطأ، فعليهما الدية فقط.
وأما السكران فقد ذهب الأئمة الأربعة أنه يقتص منه، وذلك سدًّا للذريعة، حتى لا يتعمد السكر ليقتل حتى يكون بمأمن من العقوبة.
ورجَّح ابن القيم أن أقوال السكران لا عبرة لها، وأما أفعاله ففيها ما في فعل الخطأ؛ لأنه لا قصد له، إلا إذا تعمد السكر ليقتل فهذا يقتص منه؛ لأنه قصد الجناية.
أي: قاصدًا إزهاق الروح، أما إن كان مخطئًا فلا قصاص، وسـيأتي حكم القتل الخطأ.
(3) أن يكون المقتول معصوم الدم:
فلو كان المقتول حربيًّا، أو زانيًا محصنًا، أو مرتدًّا، فإنه لا ضمان على قاتله؛ لا بقصاص ولا بدية، واختلفوا في إيجاب القصاص إذا كان المقتول ذمِّيًّا أو معاهدًا، وسـيأتي تقرير ذلك.
(4) ألا يكون القاتل أصلًا للمقتول:
أي: لا يكون أبًا له أو أمًّا أو جدًّا أو غيرهم من أصول المقتول، وإنما تجب في هذه الحالة: الدية فقط، وهذا متفق عليه بين الأئمة، إلا أن المالكية استثنوا حالة واحدة؛ وهي إذا تحقق أن الأب أراد قتل ابنه، وانتفت شبهة تأديبه وتهذيبه. وهذا ما رجحه ابن عثيمين
ويستدل لقول الجمهور بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقتل والد بولده»[3].
قلت: وهذا الحديث لا يخالف قول المالكية لأنهم يقولون به، لكنهم يجعلون الحكم دائرًا مع علته وجودًا وعدمًا، ولذلك يستثنون ما ذُكر.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «كانت لرجل من بني مدلج جارية، فأصاب منها ابنًا، فكان يستخدمها، فلما شب الغلام دعا بها يومًا، فقال: اصنعي كذا وكذا، فقال الغلام: لا تأتيك؛ حتى متى تستأمر أمي، قال: فغضب أبوه فحذفه بسـيفه، فأصاب رجله أو غيرها فقطعها، فنزف الغلام فمات، فانطلق في رهط من قومه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا عدو نفسه؛ أنت الذي قتلت ابنك؟ لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقاد الأب بابنه» لقتلتك، هلم ديته، قال: فأتاه بعشـرين أو ثلاثين ومائة بعير، قال: فتخير منها مائة، فدفعها إلى ورثته وترك أباه»[4].
قالوا: ولأن الأب كان سببًا لحياة الابن، فلا يكون الابن سببًا لوفاة الأب.
قلت: وما ذهب إليه المالكية من الاستثناء قوي؛ لأن الأب إذا تعمد قتل ابنه، فلا يقال: إن الابن كان سببًا لموت أبيه، أعني: بالقصاص؛ لأنه في الحقيقة هو -أي: الأب- الذي كان سببًا في إهلاك نفسه بتعديه على النفس التي خلقها الله، وتعمده قتل ابنه، ثم إن عموم الأدلة تؤيد ما قالوه؛ قال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة:45]، وقال ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»[5]، وبناءً على ذلك فإنه إذا أراد قتله وانتفت شبهة التأديب قتل به، والله أعلم.
(5) التكافؤ بين القاتل والمقتول:
والمقصود أن يكون هناك تكافؤ في (الدين) وفي (الحرية أو الرق)، فالكلام في مبحثين:
الأول: التكافؤ في الدين:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يقتل المسلم إذا قتل كافرًا؛ سواء كان حربيًّا أو ذميًّا، واستدلوا على ذلك بعموم قوله ﷺ: «لا يقتل مسلم بكافر»[6]، وعن علي بن أبي طالب: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»[7].
وهذا القول هو ما ذهب إليه عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية رضي الله عنهم ، وذهب إليه مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم من أهل العلم.
وأما الحنفية فقد اتفقوا مع جمهور العلماء على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي، ولكنهم خالفوهم في الذمي؛ فرأوا أن المسلم يقتل بالذمي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة:45]، ولما ورد في الحديث عن عبد الله بن عبد العزيز الحضـرمي قال: قتل رسول الله ﷺ يوم خيبر مسلمًا بكافر قتله غيلة، وقال: «أنا أولى وأحق من أوفى بذمته»[8].
وقد أولوا أحاديث الجمهور بأن معناها: لا يقتل مسلم بكافر حربي، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي.
قلت: والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن القصاص يلزم فيه المساواة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، ولوجود شبهة في إباحة دم الذمي بسبب الكفر المبيح للدم، ولا قصاص مع الشبهة.
وأما ما استدل به الحنفية «أن النبي ﷺ قتل مسلمًا بكافر» فهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، وما تأولوه في الحديث الآخر: «لا يقتل مؤمن بكافر» أنه الحربي؛ فهو تأويل غير صحيح لأنه تخصـيص لعموم الحديث بلا حجة، وأما الجملة الأخيرة من الحديث: «ولا ذو عهد في عهده» فهي حكم جديد؛ أي أن النبي ﷺ حرم قتل المعاهد ما دام في عهده، فلا يحتاج الكلام إلى تقدير، والأصل في الكلام ظاهره وحقيقته.
الثاني: التكافؤ في الحرية والرق:
ذهب جمهور العلماء كذلك إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ﴾ [البقرة:178].
وبما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا يقتل حر بعبد»[9].
وبقول علي بن أبي طالب: «من السنة ألا يقتل حر بعبد»[10]، قالوا: ولأن العبد يجري الحكم عليه مجرى الأموال، والدليل على ذلك أن ديته قيمته، فهو إذن لا يساوي الحر.
وأما الحنفية فلم يشترطوا التكافؤ في الحرية والرق، وإنما يكفي التكافؤ في الإنسانية؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة:45]، ولعموم قوله ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»، وعموم قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ [النساء:93]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾ [النساء:92]، والعبد المسلم داخل تحت هذا العموم.
وأجابوا عن أدلة الجمهور بأن المقصود بالآية: ﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ﴾ الرد على ما كان يفعله بعض القبائل من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حرًّا، وفي امرأتهم إلا رجلًا، فأبطل الله ما كان من الظلم، ولأن آية المائدة متأخرة، وفيها قوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة:45]، أي أنها ناسخة لآية النساء، وقد قال في آخر الآية: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة:45].
قالوا أيضًا: وقد ثبت أن النبي ﷺ قتل رجلًا بامرأة؛ فعن أنس رضي الله عنه «أن يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل هذا بك؛ فلان أو فلان؟ حتى سمى اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به فاعترف، فأمر به النبي ﷺ فرُضَّ رأسه بين حجرين»[11].
فإذا كان النبي ﷺ قتل الرجل بالمرأة مع أن الآية تنص على ﴿ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ﴾ فإن ذلك يدل على أن هذا الحكم إما أنه منسوخ، وإمَّا أنه لمنعهم من الظلم كما تقدَّم، والله أعلم.
وهذا الرأي الأخير رجحه الشـيخ ابن عثيمين في كتابه الشـرح الممتع[12].