حجم الخط:

محتوى الدرس (277)

مسائل في الاختلاف بين القاتل والمقتول:

(1) تحريم قتل الذمي:

لا يعني عدم قتل المسلم بالذمي أن ذلك إباحة لقتل الذمي أو المعاهد أو المستأمن، بل هذا حرام بكل حال، وإنما الخلاف في وجوب القصاص إذا وقع القتل، علمًا بأن قتله حرام.

والأدلة على ذلك:

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل قتيلًا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسـيرة أربعين عامًا»[1]، وفي رواية: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»[2].

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ألا من قتل نفسًا معاهدة، لها ذمة الله وذمة رسوله؛ فقد أخفر ذمة الله، ولا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسـيرة أربعين خريفًا»[3].

(2) إذا قتل المسلم ذميًّا حرابة:

(وذلك مثل أن يكون المسلم من قطاع الطريق)، فهل يقتل بالذمي أو يشترط أيضًا التكافؤ؟

الجواب: ذهب مالك وأحمد في إحدى رواياته إلى أنه لا يشترط التكافؤ في هذه الحالة، فيقتل المسلم بالذمي، وعند الشافعي والرواية الثانية لأحمد: لا يقتل.

وقد رجح ابن تيمية قول المالكية، وهو أعدل الأقوال؛ لأن القتل في هذه الحالة لحق الله، فلا يشترط فيه التكافؤ، فيقتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر، ولا عفو فيه، ولا صلح، والحكم فيه إلى الإمام.

(3) اتفق الفقهاء على:

أنه يقتل الرجل بالأنثى، والكبير بالصغير، والعاقل بالمجنون، والعالم بالجاهل، والشـريف بالوضـيع، وسليم الأعضاء بمقطوعها وبالأشل، أي: أنه لا يشترط التكافؤ.

(4) [هل يقتل البغاة قصاصًا]

في هذه الأمور المذكورة ذهب جمهور العلماء؛ من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (على الراجح عندهم): أنه لا يقتل البغاة قصاصًا بأهل العدل، ولا العكس[4]. قال الزهري: (وقعت الفتنة والصحابة متوافرون، فاتفقوا على أن كل دم استحل بتأويل القرآن العظيم فهو موضوع)[5].

وذهب الشافعية إلى أن إيجاب القصاص في غير حال القتال، أي: أنه إذا وقع القتل وقت المقاتلة والحرب فلا قصاص، وأما إذا قتله في غير المقاتلة فإنه يقتص منه، ويجوز العفو.

(5) الكفار يُقتل بعضهم ببعض دون تفريق:

فيقتل الذمي بالذمي، أو المجوسـي، أو الحربي، أو المستأمن.

(6) الراجح ما ذهب إليه الجمهور من وجوب القصاص:

سواء قتله في دار الإسلام أو في دار الحرب، خلافًا للحنفية الذين ذهبوا إلى أنه لا قصاص إذا قتله في دار الحرب؛ لأن الإمام لا ولاية عليه فيها.

(7) هل تُقتل الجماعة بالواحد؟

إذا اشترك جماعة من الناس في قتل مسلم حر، فقتلوه، وذلك بأن باشـر كل منهم فعلًا يؤدي إلى قتله، فالذي ذهب إليه جمهور العلماء أنهم يقتلون به جميعًا؛ لما ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في غلام قتل غيلة: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا»[6].

وذهب بعض أهل العلم أنهم لا يقتلون به؛ لقوله تعالى: ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، فلم يوجب إلا نفسًا قصاصًا للنفس، وقال بعضهم: تؤخذ الدية فقط، وقال بعضهم: يقتل به واحد فقط منهم، وتؤخذ الدية من الباقين، وحجتهم أن الله جعل القصاص: النفس بالنفس، فلا تستوفى أكثر من نفس.

قلت: والقول الأول هو الأرجح؛ لأنه لو سقط القصاص بالاشتراك في القتل لأدى ذلك إلى عدم ردع الجناة بأن يشتركوا في القتل، وأما الآية فإن الله سبحانه تعالى إنما أوجب القصاص في أقل صوره، ولكنه لم يمنع تعديه إذا كثر الجناة، وقد بين ذلك الصحابة رضي الله عنهم بحكمهم على قتل المشتركين في القتل. ومما يؤيد هذا أيضًا حديث العرنيين الذين قتلوا الراعي، فقتلهم به النبي ﷺ، وهو في (الصحيحين)[7] وغيرهما.

ولكن لو طالب أولياء القتيل بالدية، فهل يأخذون من كل واحد دية أو دية واحدة منهم جميعًا؟

الراجح: أنهم يأخذون دية واحدة؛ لأن الدية تتعلق بالمقتول لا بالقاتل، ولذلك تختلف بحسب المقتول؛ إن كان امرأة أو جنينا أو ذميا أو نحو ذلك.

(8) إذا كان أحد المشتركين ممن لا قصاص عليه:

كوالد المقتول، أو كان صبيًّا غير مكلف، فالراجح أنه يقتص من الآخرين، وتجب الدية على عاقلة الآخر، وهذا مذهب مالك وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد.

وذهب بعض العلماء إلى أنه لا قصاص على أحد؛ وهو مذهب الحنفية والقول الثاني للشافعي، والمشهور من مذهب أحمد.

وكذلك إذا اشتركا في قتله، وكان أحدهما متعمدًا والآخر قتله خطأ، فالقصاص على الأول، وعلى الثاني نصف الدية.

(9) إذا اتفقوا على القتل:

لكن أحدهم لم يباشـر القتل، لكنه حرَّض، أو أعدَّ له الآلة دون أن يباشـر القتل، ففي هذه الحالات كلها لا يقع القصاص عليه، إنما القصاص على المباشـر، وأما الآخر فيعزر عند جمهور الفقهاء، وأما المالكية فقالوا: يقتص ممن حضـر أو أعان ولم يباشـر؛ كمن حرس الأبواب ومفارق الطرق، ورجح الشـيخ ابن عثيمين أن القصاص عليهم جميعًا؛ لحديث عمر السابق: «لو تمالأ أهل صنعاء..» إلخ. والتمالؤ معناه الاجتماع والتعاون كما في كتب اللغة، فلا يلزم أن يكون المقصود به من لا يباشـر، فلا يصح الاعتماد على عمومه المجرد.

(10) هل يقتص ممن أمسك المقتول ليقتله الآخر؟

الذي ذهب إليه الجمهور أنه لا يعد مباشـرًا للقتل، بل يحبس فقط، وذهب مالك والليث إلى أن الممسك يقتل كالمباشـر، إذ لولا الإمساك لما حصل القتل.

قلت: وهو الراجح أيضًا، وقد رجَّحه ابن عثيمين؛ لأثر عمر رضي الله عنه: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به»، وعلى هذا لو أمسكه من غير أن يتواطأ معه على القتل، بل لا يدرى أنه يريد قتله، فهنا ليس على الممسك شـيء. وهذه شبهة واضحة تكفي لإسقاط القصاص؛ وقد اتفق الفقهاء على أن الحدود تدرأ بالشبهات

فإن أمسكه لسبع، فالقصاص على الممسك؛ لأنه لا ضمان على السبع، فإن كان الممسك مجنونًا فتجب الدية على عاقلته.

(11) [إذا لم يتمالؤوا ولم يتفقوا]

الأحكام في المسائل السابقة تتعلق بما إذا تمالأ عليه القتلة أو الذين ساعدوهم، ولكن إذا لم يكن بينهم تمالؤ واتفاق؛ بأن ضـربوه من غير اتفاق على قتله، فمات، فينظر؛ إن كانت كل ضـربة منهم تقتله لو انفرد بها، اقتص منهم جميعًا، وإن كانت كل ضـربة منها لا تقتل لو انفردت، فلا يقتل أحد به؛ لأن ذلك لم يكن ناشئًا عن اتفاق، وأما إن كانت بعض الضـربات قاتلة لو انفردت وبعضها غير قاتل، اقتص من الأول دون الثاني.

مسألة: حكم الإكراه على القتل:

فيه صور:

الصورة الأولى: أن يكون المكرِه مكلفًا والمكرَه مكلفًا أيضًا، فيقول له: إن لم تقتل فلانًا قتلتك، فقام فقتله؛ فعلى من يكون القصاص؟

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فقيل على المكرَه؛ لأنه المباشـر للقتل، وقيل: على المكرِه؛ لأنه ألجأه إلى ذلك، وقيل عليهما، وهو الراجح؛ لأن الأول ألجأه لذلك، والثاني ليس له أن يقتل آخر ليستبقي نفسه.

الصورة الثانية: أن يكون المكرِه غير مكلف؛ كأن يكون صبيًا مثلًا، والمكرَه مكلفًا، فعلى من يكون الضمان؟ الذي ذكره العلماء أن الضمان على القاتل المكرَه؛ لأن المكرِه غير مكلف.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة