الملزم بأداء الدية:
اتفق الفقهاء على أن الدية في القتل الخطأ تتحملها «عاقلة الجاني»، والدليل على ذلك ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ، فقضـى بدية المرأة على عاقلتها»[1].
اختلف العلماء في بيان العاقلة على قولين:
الأول: أنهم عصبة الجاني، أي: أقرباؤه من جهة الأب؛ كالإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، وأعمام الأب وبنيهم، وأعمام الجد وبنيهم، وهكذا، وهذا القول هو مذهب جمهور العلماء، ودليلهم ما ثبت في حديث أبي هريرة السابق في رواية: «أن رسول الله ﷺ جعل العقل على عصبتها»[3].
الثاني: أن العصبة هم أهل الديوان إن كان القاتل من أهل الديوان (وهم الجيش أو العسكر الذين كتبت أساميهم في الديوان) على أن تؤخذ من عطاياهم أو من أرزاقهم (مرتباتهم) لا من أصول أموالهم التي يملكونها، فإن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته: قبيلته وأقرباؤه، وكل من يتناصـر هو بهم، فإن لم يكن له عاقلة فبيت المال، وهذا مذهب الحنفية وقريب منه مذهب المالكية، إلا أنهم جعلوا العاقلة هم: العصبة (وليست القبيلة) إذا لم يكن من أهل الديوان.
قلت: ورجح ابن تيمية هذا القول؛ باعتبار أن العاقلة هم الذين ينصـرون الرجل ويعينونه، فلما كانت العاقلة في زمنه ﷺ هم عصبته، جعل الدية عليهم، فلما وضع عمر الديوان، كان معلومًا أن جند كل مدينة ينصـر بعضه بعضًا، فكانوا هم العاقلة.
قال: (وهذا أصح القولين، وأنها تختلف باختلاف الأحوال، وإلا فرجل قد سكن المغرب وهناك من ينصـره ويعينه؛ كيف تكون عاقلته مَنْ بالمشـرق في مملكة أخرى، ولعل أخباره قد انقطعت عنهم؟ والميراث يمكن حفظه للغائب، فإن النبي ﷺ «قضـى في المرأة القاتلة أن عقلها على عصبتها، وأن ميراثها لزوجها وبنيها»، فالوارث غير العاقلة)[4].
مسائل تتعلق بمن يلزم بأداء الدية:
(1) هل يدخل الجاني مع العاقلة في دفع الدية؟
الجواب: مذهب الحنفية أنه يدخل معهم؛ لأن الدية باعتبار النصـرة، وهو أحق من ينصـر نفسه، ومذهب الشافعية والحنابلة والمالكية أنه لا يتحمل مع العاقلة؛ لأن النبي ﷺ قضـى بالدية على العاقلة، ولم ينص على الجاني، والأصل حرمة مال المسلم. ولأنه يتحمل الكفارة فكأنها نصـيبه من المشاركة
كل من كان حرًّا، مكلفًا، ذكرًا، غنيًّا، موافقًا للجاني في الدين؛ فيخرج بذلك العبد؛ لأنه لا يملك أصلًا، ويخرج الصغير والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل النصـرة، وكذلك لا تكون النساء من العاقلة، ويخرج الفقير؛ لأنه لا يملك الإعانة، ولا يعقل المسلم قريبه الكافر، ولا العكس.
(3) يرى الشـيخ ابن عثيمين أننا لا نعطي القاتل الخطأ من مال الزكاة لدفع الدية؛ لأنه غير مدين وهي على عاقلته، فإن لم يكن له عاقلة فعلى بيت المال، فإن لم يوجد بيت للمال فلا نعطيهم من الزكاة، لكن نعطيهم من الصدقة بشـروط:
الأول: أن نعلم أن الدية لم تقض بعد، لئلا يتخذها وسـيلة للتسول.
الثاني: أن يعلم أن القاتل ليس متهورًا؛ قال: لأني أرى ألا يساعد هؤلاء المتهورون أبدًا لا في شـيء من الدية ولا غيرها[5].
ثانيًا: الدية في القتل شبه العمد:
تجب الدية في القتل شبه العمد مثل القتل الخطأ، إلا أنها تكون مغلظة؛ بأن تكون مثلثة، وهذا مذهب المالكية والشافعية، ومعنى مثلثة: أن تكون الإبل مقسمة ثلاثة أجناس؛ وهي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفة أي: حاملًا.
وأما عند الحنفية والحنابلة فتكون مربعة: خمس وعشـرون بنت مخاض، وخمس وعشـرون بنت لبون، وخمس وعشـرون حقة، وخمس وعشـرون جذعة، ودية شبه العمد على العاقلة كما تقدم، وتؤدى مؤجلة في ثلاث سنين كما تقدم في دية القتل الخطأ.
وأما إذا دفعت الدية بغير الإبل فإنها لا تغلظ لأن التغليظ في صفة الإبل لا في العدد.
تقدم أن القتل العمد يوجب القصاص، فهذه هي العقوبة الأصلية، ولكن إن عفا أولياء القتيل فتركوا القصاص، وطلبوا الدية جاز؛ سواء قلنا: إن الدية تكون بالصلح على ذلك؛ أي: أن القاتل يرضـى بهذا (كما هو مذهب الحنفية والمالكية)، أو قلنا: إن الدية بدل عن القصاص أي: رضـي القاتل أم لا (كما هو مذهب الشافعية)، وعلى هذا فالدية عقوبة بدلية.
وأما الحنابلة فقد ذهبوا إلى أنها عقوبة أصلية، ولأولياء القتيل الحق في اختيار أحدهما. فخلاصة دية العمد ما يلي:
(1) دية القتل العمد مغلظة: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، كما هو الثابت في الحديث[6].
(2) دية العمد تجب في مال القاتل، ولا تتحملها العاقلة.
(3) دية العمد حالَّة لا تؤجل، وهذا مذهب الجمهور؛ لأن العامد يستحق التغليظ.
أولًا: القتل الخطأ:
تقدم أنه يجب الكفارة مع الدية في حالة القتل الخطأ؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ عز وجل عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء:92].
ويؤخذ من الآية ما يلي:
(1) تجب الدية والكفارة في قتل المسلم خطأً.
(2) تجب الكفارة فقط من غير دية إذا كان المسلم المقتول مع قوم كفار محاربين وقتله المسلم خطأً؛ لقوله: ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ عز وجل عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ ، ومعنى «من» هنا أى: مع.
(3) وأما إذا كان بين قوم كفار مستأمنين أو معاهدين، ففيه الدية والكفارة.
(4) بينت الآية أن الكفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصـيام شهرين متتابعين، ولا ينتقل إلى الإطعام، فإذا لم يقو على الصـيام سقطت الكفارة.
ثانيًا: القتل شبه العمد:
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الكفارة كذلك في القتل شبه العمد؛ لأنه ملحق بالقتل الخطأ المحض في عدم القصاص، وأن العاقلة تتحمل الدية، وأنها تؤجل ثلاث سنوات، فأجري مجرى الخطأ في وجوب الكفارة.
ثالثًا: القتل العمد:
الذي ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا كفارة في القتل العمد؛ سواء اقتص من الجاني أم عُفي عنه إلى الدية، أو مجانًا، وإنما الكفارة في القتل الخطأ، وذلك لأن القرآن لم ينص في العمد إلا على القصاص، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمر بالكفارة في العمد، وذهب الشافعية إلى وجوب الكفارة مطلقًا؛ أيًّا كان القاتل ولو كان صغيرًا أو مجنونًا؛ سواء كان مباشـرًا للقتل أو متسببًا، إلا أن يكون المقتول مباح الدم كالحربي والزاني المحصن والصائل ونحوهم.
ويرى الشوكاني أنه إذا اقتص منه فلا كفارة؛ لأن الحدود كفارات، وأما إذا لم يقتص فإنه يكفر.
والذين رأوا الكفارة استدلوا بحديث واثلة بن الأسقع؛ قال: أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال: «أعتقوا عنه رقبة؛ يعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار»[7].
قلت: ولا يصح الاستدلال بهذا على وجوب الكفارة على القاتل؛ لأن الحديث ضعيف، ففي إسناده الغريف الديلمي: مجهول.