حجم الخط:

محتوى الدرس (283)

طرق إثبات الجناية:

[تمهيد]

تثبت الجناية بإحدى الطرق الثلاث الآتية:

1- الإقرار 2- الشهادة 3- القسامة

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بإثبات الجناية

جدول 151 طرق إثبات الجناية

أحكام القسامة:

معناها: لغة: القسامة مصدر بمعنى القسم، أي: اليمين.

اصطلاحًا: الأيمان المكررة في دعوى القتل، يقسم بها أولياء المقتول لإثبات القتل على المتهم، أو يقسم بها المتهم على نفي القتل عنه.

مشـروعيتها: أقرها الإسلام، وكانت طريقة من طرق الإثبات في الجاهلية، ودليل مشـروعيتها:

(1) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار «أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية»[1].

(2) وعن سهل بن أبي حثمة: أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتي محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول الله ﷺ لمحيصة: «كبِّر، كبِّر» - يريد السن - فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله ﷺ: «إما أن يَدُوا صاحبكم، وإما أن يُؤذِنوا بحرب»، فكتب رسول الله ﷺ إليهم في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» قالوا: لا، قال: «أفتحلف لكم يهود؟» قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله ﷺ من عنده، فبعث إليهم رسول الله مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، فقال سهل: فلقد ركضتني منهم ناقة حمراء[2]. ومعنى «فقير»: بئر.

وفي رواية: فقال: «تبرئكم يهود بخمسـين، ويحلفون أنهم لم يقتلوه، ولم يعلموا قاتلًا؟» فقالوا: كيف نرضـى بأيمان قوم مشـركين؟ قال: «فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه؟» قالوا: كيف نحلف ولم نر؟ فوداه رسول الله ﷺ من عنده، فركضتني بَكْرةٌ منهم»[3].

وبناءً على هذا الحديث فقد ذهب جمهور العلماء؛ من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة والظاهرية وغيرهم، إلى مشـروعية القسامة، وأنه يثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تكن هناك بينة.

ورأى بعض العلماء عدم العمل بذلك، وقالوا: إن النبي ﷺ لم يحكم فيها بالقسامة، إنما تلطف بهم ليبين بطلانها؛ إذ إنها كانت من أحكام الجاهلية.

والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقد أجاب الشوكاني عن استدلالهم بعدم الحكم به فقال: (وعدم الحكم في حديث سهل بن أبي حثمة لا يستلزم عدم الحكم مطلقًا، فإنه ﷺ قد عرض على المتخاصمين اليمين، وقال: «إما أن يدوا صاحبكم، وإما يؤذنوا بحرب»، وهو لا يعرض إلا ما كان شـرعًا)[4].

ويلاحظ أن القسامة لا تكون إلا في جريمة القتل؛ سواء كان عمدًا أو خطأً أو شبه عمد، دون بقية الاعتداءات على ما دون النفس؛ لأن النص ورد في القتل فيقتصـر عليه؛ قال ابن قدامة: لا أعلم بين أهل العلم في هذا خلافا.

شروط القسامة:

اشترط الفقهاء في القسامة شـروطًا:

(1) أن يكون بالقتيل أثر القتل؛ من جرح أو ضـرب أو خنق، فإن لم يوجد أثر من ذلك، فالظاهر أنه مات حتف أنفه، فلا يجب به شـيء.

(2) اشترط الفقهاء - غير الحنفية - وجود لَوْث؛ وهي عداوة ظاهرة بين المقتول والمدَّعَى عليه، فاللوث: أمارة غير قاطعة على القتل، فهي شبهة على القتل تدل عليه ولا يقطع بها.

(3) أن ترفع الدعوى إلى القضاء؛ لأن القسامة يمين، واليمين لا يجب من دون دعوى.

(4) أن يتفق الأولياء في الدعوى، فإن ادعى بعضهم، وأنكر بعضهم لم تثبت القسامة.

(5) إنكار المدَّعَى عليه؛ لأنه إن اعترف ثبتت عليه الجناية فلا قسامة.

كيفية القسامة:

اختلف العلماء فيمن يبدأ بالحلف المدَّعَى عليهم، أم المدعون أولياء القتيل؟

فعند الحنفية يبدأ المدَّعَى عليهم باليمين أولًا، فإن حلفوا لزم أهلَ المحلة (يعني الذين وجد القتيل بينهم) الديةُ، أي: إنهم يرون أنه بالحلف يرتفع القصاص، ومع هذا فيلزمهم الدية.

وعند جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة وداود الظاهري: يبدأ المدَّعون أولياء القتيل بالأيمان، فيحلف كل ولي بالغ عاقل منهم أمام الحاكم: بالله الذي لا إله إلا هو: لقد ضـربه فلان فمات، أو لقد قتله فلان، فإن حلفوا ثبت مدعاهم، وحكم لهم إما بالقصاص أو الدية، فإذا لم يحلف المدعون حلف المدَّعَى عليه خمسـين يمينًا وبرئ، فيقول: والله ما قتلته، ولا شاركت في قتله، ولا تسببت في موته.

فإن لم يحلف المدَّعون، ولم يرضوا بحلف المدَّعَى عليه بريء المتهم، وكانت الدية من بيت المال عند الحنابلة خلافًا للشافعية والمالكية.

وقول الجمهور هو الأرجح الموافق لظاهر الأحاديث، ويُعترَض على قول الحنفية بأنهم يرون إلزام أهل المحلة بالدية إذا حلفوا، وهذا لا يتفق مع أصولهم؛ لأنها تقضـي بأن اليمين على شخص تكون إما ليبرأ من حق اتهم به، أو يستحق حقًّا له، وهذا يخالف ما ذهب إليه الحنفية من أنهم يحلفون ويغرمون الدية.

الأثر المترتب على القسامة:

اتفق الفقهاء على أن الدية تجب بالقسامة على العاقلة في القتل الخطأ أو شبه العمد، مخففة في الأولى، ومغلظة في الثانية.

ولكن هل يجب القصاص بالقسامة في حالة القتل العمد؟ يرى الحنفية والشافعية أنه لا يجب القصاص، وإنما الواجب فقط الدية في مال المتهم، واستدلوا على ذلك بما ورد في صحيح البخاري: «إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تأذنوا بحرب»، فقد أوجب النبي ﷺ الدية ولم يفرق بين عمد وخطأ، وثبت ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما. وذهب المالكية والحنابلة إلى وجوب القصاص إذا اختاره أولياء القتيل، واستدلوا على ذلك بحديث الصحيحين: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم»[5].

والراجح: قول الحنابلة والمالكية؛ لأن القسامة ثبتت بها الجناية، فيثبت بها الحكم، والحديث صـريح في استحقاق الدم، وأما الرواية السابقة التي فيها الدية فإنها لا تنفي القصاص.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة