حجم الخط:

محتوى الدرس (286)

ثانيًا: حد القـذف

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بحد القذف

جدول 155 حد القذف

معناه:

لغة: الرمي؛ قال تعالى: ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ [طه:39]، واستعمل في الرمي بالمكروه.

واصطلاحًا: الرمي بوطء أو نفي نسب لآدمي حر عفيف. مثل أن يقول له: يا زان، يا لوطي، أو يا ابن الزانية، أو لست بابن فلان.

حكم القذف:

القذف حرام، وهو من الكبائر؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23]، ولما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها: «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»[1].

مشروعية حد القذف:

بيَّن الله حد القذف في كتابه فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4].

شروط حد القذف:

[تمهيد]

هناك شـروط تتعلق بالقاذف، وأخرى تتعلق بالمقذوف، وثالثة تتعلق بصـيغة القذف؛ وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: شـروط القاذف:

يشترط في القاذف أن يكون بالغًا، عاقلًا، مختارًا، عالمًا بالتحريم، وزاد الشافعية: ألا يأذن له المقذوف بقذفه، فإن أذن له بقذفه لم يحد، واشترطوا كذلك أن يكون القاذف ملتزمًا بأحكام الشـريعة[2]، وأما لو قذفه الحربي فإنه لا يحد؛ لأنه غير ملتزم بأحكام الشـريعة.

ولا فرق في ذلك بين كون القاذف رجلًا أو امرأة.

كما اشترط الحنفية: النطق بالقذف، فلا تكفي إشارة الأخرس؛ لوجود الشبهة، واشترطوا كذلك الإقامة في دار العدل، فلو قذفه في دار الحرب لم يحد، والراجح أنه يؤخر حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه الحد.

ثانيًا: شـروط المقذوف:

اشترط الفقهاء في إقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف محصنًا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23].

وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الإحصان المقصود في الآية هو ما اجتمع فيه خمسة شـروط؛ وهي: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا؛ وبناءً على ذلك إذا رمى صبيًّا، أو مجنونًا، أو عبدًا، أو كافرًا، أو من لا عفة له؛ فلا يحد بهذا القذف، أما ابن حزم فقد ذهب إلى أن معنى الإحصان: «المنع»، فهم محصنون عن الزنا.

وعلى ذلك فيمكن القول بأن الفقهاء جميعًا اتفقوا على أنه يشترط أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزنا، ولكنهم اختلفوا في بقية الشـروط؛ وهي البلوغ والعقل والإسلام والحرية، فيرى الجمهور اشتراطها، ويرى ابن حزم عدم اشتراطها، وقول ابن حزم أقوى؛ إذ لا دليل على إطلاق اللسان في أعراض الناس، ورُبَّ عبد خير من حر، وأتقى لله منه، فكيف يُجعل عرضه فكاهة يسـيء إليه من شاء دون رادع يردعه، أو زاجر يزجره.

تنبيه:

اشترط جمهور الفقهاء ألا يكون القاذف أصلًا للمقذوف، فلو قذف الأب ابنه، أو الجد حفيده؛ فلا حد عليه، قالوا: لأنه ليس من البر أن يقيم الولد حد القذف على أبيه، وقد قال تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسـراء:23]، ولأن الوالد لا يقتص منه في جنايته على ابنه، فكذلك لا يُحد بقذفه.

وذهب بعض العلماء، وهم الظاهرية، وقول عند المالكية، ومذهب عمر بن عبد العزيز؛ إلى أن الأب يُحد بقذف ابنه؛ لعموم الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:23]، دون تخصـيص، ولأن الله أوجب الشهادة بالقسط على النفس والأقربين، فدخل في ذلك في باب الحدود.

ثالثًا: شـروط تتعلق بالقذف:

يشترط في القذف أن يكون بصـريح الزنا، كأن يقول: يا زانية، أو يا زانٍ أو نحو هذه العبارات التي يفهم منها التصـريح بالزنا، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.

واختلفوا إذا قذف بلفظ غير صـريح كالتعريض أو الكناية، فالكناية كقوله: «يا قحبة»؛ لأنه قد يقصد بها المرأة العجوز، وتطلق على السعال، وتطلق على الزانية، وهذا ما قرره الفقهاء، لكن رجح الشـيخ ابن عثيمين أن العرف الآن في زماننا أنها صـريحة وليست كناية.

ومثال التعريض أن يقول في المشاتمة: أنا لست بزان، أي: يعرض بصاحبه أنه زان، والذي يترجح أن يُحد مَن عرَّض إذا فُهم منه القذف فهمًا واضحًا لا لبس فيه، وربما كان التعريض أنكى في القذف من التصـريح، وهذا ما ثبت عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، فروى عبد الرزاق أن رجلًا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما أمي بزانية، ولا أبي بزان، قال عمر: «ماذا تريدون؟ قالوا: رجل مدح نفسه، قال: بل انظروا؛ فإن كان بالآخر بأس فقد مدح نفسه، وإن لم يكن به بأس فلم قالها؟ فوالله لأحدنه، فحده»[3].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن عمر كان يحد في التعريض بالفاحشة»[4].

ثبوت حد القذف:

يثبت حد القذف عند القاضـي كبقية جرائم الحدود: بالبينة أو الإقرار.

(أ) الإقرار: إذا أقر بالقذف ولو مرة فقد وجب عليه حد القذف، ولا يقبل رجوعه بعد ذلك باتفاق العلماء، خلافًا لحد الزنا ففيه خلاف كما تقدم؛ لأن حد القذف تعلق به حق لآدمي.

(ب) البينة: وذلك بشهادة رجلين عدلين، وهذا قول أكثر الفقهاء، فلا يقبل فيها شهادة النساء، ولا الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضـي إلى القاضـي؛ لأن ذلك موجبه الحد، والحدود تدرأ بالشبهات، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد. وهو الراجح.

وذهب مالك والشافعي إلى قبول الشهادة على الشهادة، وكتاب القاضـي إلى القاضـي.

الخصومة في الحد:

(1) يتوقف إثبات الحد على (الخصومة)؛ أي: رفع الدعوى من المقذوف، ومن المعلوم أن هذا ليس شـرطًا في حد الزنا والسـرقة، فمتى ثبتت جريمة الزنا أو السـرقة أقيم الحد من الحاكم، ولا يشترط إقامة دعوى من المتضـرر على ذلك.

(2) في حالة الخصومة إذا لم يستطع أن يأتي بالبينة، وطلب من القاضـي أن يستحلف القاذف بالله تعالى، فعند الحنفية لا يحلف، وقال مالك والشافعي وأحمد: يحلف، وإذا نكل لا ترد اليمين على المدَّعِي، وإنما يحكم عليه بالنكول عن اليمين، وإلزامه بادعاء المدَّعِي.

عقوبة القذف:

قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿ ٤ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:4، 5].

فقد تضمنت الآية ثلاث عقوبات للقاذف:

الأولى: الجلد ثمانين جلدة.

الثانية: عدم قبول شهادته، واختلفوا في قبولها بعد توبته كما سـيأتي.

الثالثة: الحكم بفسقه، ويرتفع هذا الحكم عنه إذا تاب بإجماع العلماء.

ويتعلق بعقوبة القذف ما يلي:

(1) إذا قذف العبد حرًّا، فهل يحد ثمانين أو أربعين؟

الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أن الحد يتنصف بالرق كالزنا، وهذا هو الثابت عن عمر وعثمان والخلفاء؛ فعن أبي الزناد قال: سألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك، فقال: «أدركت عمر وعثمان بن عفان والخلفاء وهلم جرًّا، فما رأيت أحدًا جلد في فرية أكثر من أربعين»[5].

(2) هل تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب؟

ذهب جمهور العلماء إلى القول بقبول شهادته إذا تاب، وجعلوا الاستثناء المذكور في الآية راجعًا إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4]؛ أي: أنهم إذا تابوا قبلت شهادتهم، ورفع عنهم صفة الفسق.

ويؤيد ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل شهادة نافع وشبل لما تابا في قذفهما للمغيرة بن شعبة، ولم يقبل شهادة أبي بكرة؛ لأنه لم يتب[6]. وكيف لا تقبل توبته ومعلوم أن من أصول الشـريعة أن من تاب تاب الله عليه؟

وخالف في ذلك الحنفية؛ فرأوا أنه لا تقبل شهادته حتى لو تاب، وحملوا الاستثناء على آخر جملة في الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

قلت: والراجح من ذلك قول الجمهور لما علمت من قوة أدلتهم، وفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحضـرة الصحابة دون أن ينكر عليه أحد.

(3) كيف يتوب القاذف؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

الأول: أن يكذب نفسه فيما قاله؛ وهذا مذهب الشافعي وأحمد؛ لأن ذلك ضد الذنب ليرتفع عن المكذوب العار الذي ألحقه به.

الثاني: الندم والإصلاح، وإن لم يكذب نفسه، وهذا مذهب مالك.

والصحيح هو القول الأول، ولا يقال: كيف يكذب نفسه، وقد يكون رأى فعل الزنا حقيقة ولكنه لم يستطع أن يأتي بأربعة شهداء؟

وقد أجاب ابن القيم رحمه الله- بما محصله: أن الكذب يراد به أمران: إما الخبر غير المطابق لمخبره، وإما الخبر الذي لا يجوز الإخبار به، وإن كان في حقيقة الأمر مطابقًا باعترافه بتكذيب الله له؛ حيث لم يأت بأربعة شهداء. والله أعلم.

(4) إذا كان القاذف هو الزوج:

وليس معه شهود؛ جاز له اللعان، كما تقدم حكمه في أبواب الطلاق والفرقة بين الزوجين.

(5) إذا جاء القاذف بالشهود:

أقيم حد الزنا على المقذوف، فإن لم يأت بهم أقيم على القاذف.

(6) اختلف العلماء إذا قذف شخصٌ جماعة:

فيرى بعضهم أنه يُحد حدًّا واحدًا؛ وهو قول الجمهور، ويرى بعضهم أنه يحد لكل واحد حدًّا، وهذا مذهب أحمد والشافعي في قول له.

والراجح قول الجمهور؛ لأن الله قال: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ، ولم يفرق بين واحد أو جماعة، ولأن هلال بن أمية قذف امرأته بشـريك بن سحماء فقال النبي ﷺ: «البينة، أو حد في ظهرك». ولم يقل له: أو حدان. (انظر كتاب اللعان).

متى يسقط حد القذف:

يسقط في الحالات الآتية:

(1) عفو المقذوف عن القاذف في مذهب الشافعية والحنابلة؛ سواء كان قبل رفعه للإمام أو بعد رفعه، وخالفهم الحنفية فرأوا أنه لا يجوز العفو مطلقًا، ورأى المالكية أنه إذا رفع إلى الإمام فلا يسقط الحد بالعفو، إلا عفو الابن عن أبيه.

قلت: في الحديث قوله ﷺ: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب»[7].

وعلى هذا فالراجح قول المالكية، والله أعلم، واستثناؤهم عفو الابن عن أبيه لهم في ذلك وجهة قوية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسـراء:23]

(2) يسقط الحد عن الزوج إذا لاعن زوجته بعد أن رماها بالزنا.

(3) يسقط الحد إذا ثبتت جريمة الزنا على المقذوف؛ سواء كان ذلك بإقراره أو بالشهود.

(4) يرى بعض العلماء أنه يسقط الحد كذلك إذا زال إحصان المقذوف قبل إقامة الحد، فلو فرض أنه زنا بعد أن قذفه، ولم يقم عليه الحد بعد؛ سقط حد القذف.

(5) اتفق العلماء أنه إذا رجع الشهود أو بعضهم عن شهادتهم سقط حد القذف؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة