رابعًا: حد شرب الخمر
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بحد شارب الخمر

الخمر: كل ما خامر العقل، وهي كل ما أسكر من أي شـيء؛ قليلًا كان أو كثيرًا.
حكمها: الخمر حرام بأدلة القرآن والسنة والإجماع؛ وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الأشـربة.
ذهب جمهور العلماء إلى أن كل شـراب أسكر كثيره فقليله حرام، وهو خمر، يوجب الحد على شاربه؛ سواء سكر بشـربه أم لا؛ لقول النبي ﷺ: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»[1].
وأما الحنفية؛ فلهم في ذلك تقسـيم؛ فإنهم يجعلون حدًّا للخمر، وحدًّا للسكر، ويفسـرون الخمر بما كان من عصـير العنب خاصة؛ سواء أسكر أم لا، ويجعلون حد السكر إذا شـرب شـرابًا من الأشـربة الأخرى المسكرة إذا سكر فيها، وأما إذا لم يسكر فلا يحد، والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقد تقدم ذكر هذه الأدلة في كتاب الأشـربة.
يشترط لإقامة حد الخمر، أن يكون الشارب: عاقلًا، بالغًا، مختارًا، غير مضطر، عالمًا بأنه خمر، عالمًا بالتحريم.
تثبت جريمة شـرب الخمر: بالإقرار على نفسه ولو مرة واحدة، أو بالبينة؛ وذلك بأن يشهد رجلان عدلان مسلمان أنه شـرب مسكرًا، ويكفي في إقراره وشهادته أن يقال: شـرب فلان خمرًا، ولا يشترط أن يقال: سكر بالشـرب؛ فعن حصـين بن المنذر قال: شهدت عثمان ابن عفان، وأُتي بالوليد بن عقبة قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان -أحدهما: حمران- أنه شـرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شـربها، فقال: يا علي: قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، قال الحسن: وَلِّ حرَّها من تولى قارَّها، (فكأنه وجد عليه) فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، فجلده، وعليٌّ يَعُد، حتى بلغ أربعين، فقال أمسك، ثم قال: «جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سُنة، وهذا أحب إلي»[2].
(1) الراجح: أنه إذا وجدت منه رائحة الخمر لا يُحَدُّ بمجرد ذلك، إلا أن تكون هناك قرينة تدل على أنه شـربها، وهذا مذهب عمر وابن الزبير رضي الله عنهما، وعطاء، وجنح إليه ابن قدامة. وذهب مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ أنه يقام عليه الحد بمجرد وجود الرائحة.
وحجة الجمهور: وجود الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، وحجة المالكية ما ورد عن الصحابة أنهم حكموا بالحد بوجود الرائحة، وذكروا بعض الآثار؛ منها أثر عثمان السابق.
والراجح: ما تقدم من قول الجمهور؛ أنه لا يحكم عليه إلا بقرينة، وهذا ما تجتمع به الأدلة، فأثر عثمان السابق لم يحكم عليه بمجرد التقيؤ، بل وجدت قرينة أخرى؛ وهي أن شاهدًا آخر رآه يشـربها.
(2) وبناءً على ما سبق فيمكن الحكم بالجلد بوجود الرائحة في الحالات الآتية:
- أن توجد الرائحة ممن عُرف بالإدمان لشـرب الخمر؛ فعن إسماعيل بن أمية قال: (كان عمر رضي الله عنه إذا وجد من رجل ريح شـراب جلده جلدات إن كان ممن يدمن الشـراب، وإن كان غير مدمن تركه)[3]، وهذا ما ذهب إليه ابن الزبير رضي الله عنه أيضًا[4].
- أن يقوم قوم عن شـراب مسكر؛ فيسكر بعضهم، ولا يسكر البعض، لكن يظهر منهم رائحة الخمر، وهذا ثابت عن عمر بن عبد العزيز[5]، أي: أنه يحد الجميع.
- (أن يوجد مع الرائحة عوارض السكر كالتقيؤ، فهذا يدل على شـربه الخمر). قاله ابن قدامة.
وغير ذلك مما يدل على شـربه الخمر عامدًا عالمًا مختارًا.
(3) كما يحرم شـرب الخمر، يحرم الجلوس على مائدة يشـرب عليها الخمر؛ لقوله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يُشـرب عليها الخمر»[6].والحديث ضعفه أهل العلم، لكن من المعلوم من أصول الشـريعة تحريم المشاركة في أماكن المعاصـي.
لكن من قعد معهم هل يحد؟
الراجح أنه لا يحد إذا لم يشـرب، لكن يعزره الإمام لجلوسه معهم.
(4) رجح شـيخ الإسلام ابن تيمية أن شارب الحشـيش والمخدرات يقام عليه الحد، وفي المسألة خلاف، ولكن هذا ما رجحه؛ لما فيها من الاشتهاء والطرب، وذهب بعض الفقهاء إلى التعزير حسب ما يراه القاضـي، وأجاز فقهاء الحنفية والمالكية في التعزير أن يصل إلى القتل إذا رأى الحاكم المصلحة في ذلك.
(5) لا يجوز لعن شارب الخمر، ولا سبه إذا أقيم عليه الحد؛ لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ أتي بسكران، فأمر بضـربه، فمنا من يضـربه بيده، ومنا من يضـربه بنعله، ومنا من يضـربه بثوبه، فلما انصـرف قال رجل: ما له أخزاه الله، فقال النبي ﷺ: «لا تكونوا عون الشـيطان على أخيكم»[7].
وفي الحديث أن رجلًا جلده النبي ﷺ في الشـراب، فأتي به يومًا، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثرَ ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه؛ فوالله -ما علمت- إنه يحب الله ورسوله»[8]، ومعنى «ما» اسم موصول بمعنى: (الذي).
الراجح الذي ذهب إليه جمهور العلماء أن عقوبة شـرب الخمر مقدرة، وأجمع الصحابة على جلده، لكنهم اختلفوا في مقدار الحد على قولين:
القول الأول: أن حد الخمر أربعون جلدة؛ لما ثبت عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ يضـرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين»[9]، وعن السائب بن يزيد قال: «كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ، وإمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين»[10].
وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، ومذهب الظاهرية.
القول الثاني: أن حد الخمر ثمانون جلدة، وهو قول المالكية والحنفية والحنابلة؛ لما ثبت عن أنس رضي الله عنه «أن النبي ﷺ أُتي برجل قد شـرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخفَّ الحدود ثمانين، فأمر به عمر»[11].
قالوا: فكان ذلك إجماعًا، واستدلوا أيضًا بما اشتهر عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون»[12].
قلت: لكن هذا الأثر عن علي ضعيف، لا يصح الاحتجاج به.
والراجح مما تقدم أن حد الخمر أربعون جلدة، لكن إذا رأى الإمام مصلحة بزيادة الحد فله ذلك إلى الثمانين، وتكون الأربعون الأخرى من باب التعزير، ومما يؤيد ذلك أن عمر إنما زاد الأربعين لما عتوا وفسقوا، وأنه استشار الصحابة في ذلك، ولو كانت الثمانون مقدرة لما استشار أحدًا، واجتماعهم على ذلك إنما هو اجتماع على التعزير بعد الحد ردعًا للفسقة، وليس إجماعًا على أن الحد ثمانون جلدة؛ لأن عثمان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما جلدا بعد ذلك أربعين جلدة.
ذهب الشافعية إلى جواز ضـرب الشارب بالجريد، والنعال، والأيدي، والثياب، والسـياط؛ لما تقدم في الحديث وفيه: «... فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا»، وفي حديث أنس: كان يضـرب في الخمر بالنعال والجريد، وهذا الرأي اختاره شـيخ الإسلام ابن تيمية.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحد لا بد أن يكون بالسوط؛ لقوله ﷺ: «من شـرب الخمر فاجلدوه»[13]، والجلد إنما يكون بالسوط، ولأن الخلفاء الراشدين ضـربوا بالسـياط، فدل ذلك على أن الحد يقام بالسوط، وأنه استقر الأمر على ذلك، وأما قبل ذلك فكان يجوز بالنعال والثياب والأيدي، وهذا القول هو الراجح. والله أعلم.
كما اختلف العلماء: هل يجوز أن يقام عليه الحد وقت السكر، أو لا بد أن يقام بعد الصحو؟ على قولين:
فذهب طائفة من العلماء إلى أنه لا يحد السكران حتى يصحو؛ ليحصل له الردع والزجر بالحد، ويذوق ألمه.
وذهبت طائفة أخرى أنه يحد متى يؤتى به؛ لأن النبي ﷺ أتى بالشارب فأقر، فضـربه.
قلت: ليس في الحديث أنه ضـربه وقت سكره. وعلى هذا؛ فإذا أتي به وهو غير سكران أقيم عليه الحد، وإذا أتى به سكرانَ لا يقام عليه الحد حتى يصحو، وهذا أعدل الأقوال، والله أعلم.
مسألة: هل يقتل شارب الخمر إذا شـربها بعد ثلاث؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يقتل بالشـرب مهما كثر، وذهب بعض العلماء؛ منهم ابن حزم وابن القيم إلى قتله إذا شـرب بعد الثالثة، ومنشأ الخلاف ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من شـرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شـرب فاجلدوه، ثم إذا شـرب فاجلدوه، ثم إذا شـرب في الرابعة فاقتلوه»[14].
فتمسك به من قال بوجوب قتله، لكن ذهب الجمهور إلى نسخ هذا الحديث؛ لما ثبت في الحديث السابق أنه ﷺ أتي برجل شـرب الخمر فقال رجل: اللهم العنة، ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي ﷺ: «لا تلعنه فوالله -ما علمت- إنه يحب الله ورسوله»[15]. وقد نقل ابن حجر أن ابن عبد البر ذكر أنه أتي به أكثر من خمسـين مرة.
قالوا: ومما يدل على النسخ ما ورد في حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من شـرب الخمر فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه» قال: فثبت الحد ودرئ القتل[16]. وقال الشافعي: هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم علمته.
وقال الترمذي: لا نعلم بين أهل العلم في هذا اختلافًا في القديم والحديث.
قلت: فعلى هذا يكون قول الجمهور هو الراجح، لكن لا مانع إذا كانت هناك مصلحة تقتضـي قتله أن يقتل تعزيرًا.
قال ابن القيم: (وقيل: قتله تعزيرًا بحسب المصلحة، فإذا أكثر منه، ولم ينهه الحد، واستهان به؛ فللإمام قتله تعزيرًا لا حدًّا)[17].