سادسًا: حد الـردة
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بحد الردة

لغة: الرجوع عن الشـيء إلى غيره.
وشـرعًا: الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر، وذلك بإتيان ما يقتضـي الكفر؛ من قول، أو فعل، أو ترك، أو اعتقاد، أو شك، مع توفر الشـروط.
الردة من أفحش الذنوب؛ لأنها محبطة للأعمال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة:217].
وعلى هذا فالردة تكون بالاعتقاد: كأن يعتقد في قلبه الكفر، أو يعتقد أن لله صاحبة أو ولدًا، أو يعتقد استحلال ما حرمه الله.
وتكون الردة بالفعل: كالسجود للصنم، وإلقاء المصحف في القاذورات متعمدًا.
وتكون بالقول: كالاستهزاء بالله، أو بالنبي ﷺ، أو بأحكام الدين.
وتكون تَرْكًا: كمن ترك الصلاة والصـيام وغيرهما جحودًا، واختلفوا في ترك الصلاة تكاسلًا.
لا يحكم بالردة إلا على من كان بالغًا، عاقلًا، مختارًا، مريدًا للكفر، عالمًا بالحكم.
فقولنا: «بالغًا»: خرج بذلك الصبي والمجنون؛ لقوله ﷺ: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»[1].
ومعنى «مختارًا» أي: غير مكره، فخرج بذلك المكره على الكفر؛ فإنه لا يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل:106]، ولأن المكره لا يفعل الشـيء برضاه واختياره، بل باختيار غيره.
ومعنى «مريدًا للكفر» أي: قاصدًا له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ [النحل:106]، أما لو قاله لشدة فرح، أو شدة غضب، أو ذهول، أو سبق لسان، أو نحو ذلك؛ فلا يحكم بالردة، وقد ثبت في حديث التوبة من الذي انفلتت راحلته، ثم وجدها أنه قال: «اللهم أنت عبدي، وأنا ربك»[2]؛ أخطأ من شدة الفرح.
وأما «علمه بالحكم» فالمقصود أن يعلم أن هذا القول أو الفعل كفر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ﴾ [التوبة:115].
وعلى هذا فيعذر المرء بجهله إذا أتى شـيئًا من الكفر لا يعلم أنه كذلك. ولكن إذا كان هذا الشـيء معلومًا من الدين بالضـرورة فلا يقبل ادعاؤه الجهل؛ كمن نفى وجود الملائكة، أو من سب الله ورسوله، أو ادعى عدم علمه بتحريم الزنا فاستحله؛ فلا يقبل إلا أن يكون قد نشأ بعيدًا عن ديار المسلمين.
(1) الراجح أن السكران لا تقع ردته، وهذا مذهب الحنفية؛ لأنه زائل العقل، غير معتقد لما يقوله.
(2) الهازل بما يوجب الردة تقع ردته.
قال الشـيخ ابن عثيمين: (قد يكون الهازل أعظم من الجاد؛ لأنه جمع بين الكفر والهزء بالله، فمن سخر بالدين وقال: أنا ما قصدت إلا المزاح والضحك، قلنا: إنك كفرت، وإذا كنت صادقًا؛ فتب إلى الله، واغتسل، وعد إلى الإسلام، والتوبة تجب ما قبلها)[3].
قلت: ودليله قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿ ٦٥ ﴾ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة:65، 66].
(3) من الكفر عدم تكفير من دان بغير الإسلام أو شك في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم؛ كمن لا يُكفِّرون اليهود والنصارى، وقد قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ [المائدة:73]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران:85].
واعلم أن البعض قد يفهم هذه القاعدة خطأ، إذ إنه يحكم على شخص بأنه كافر، ثم يكفر من لم يكفره، وهذا غير صحيح؛ لأن المقصود كفر من هو مقطوع بكفره؛ كاليهود والنصارى أو كأبي لهب وأبي جهل، أما إذا كان التكفير محل اجتهاد فلكل اجتهاده، ولا يكفر من لم يكفره، فافهم هذا؛ فقد ضل كثير من الشباب في هذا الزمان حتى حكموا بالتكفير على عوام الناس، وتبنى هذه المسألة جماعة التكفير والهجرة، وبعض جماعات الجهاد المسلح على الحكومات، ولم يستجيبوا لنصح العلماء، فكان من وراء ذلك فساد وشـر عظيم، ثم عادوا الآن لصوابهم وندموا على ما اقترفوا.
(4) من عقيدة أهل السنة والجماعة عدم تكفير المعين حتى تقام عليه الحجة، فيرون أن الشخص المعين الذي يرتكب كفرًا لا يحكم بكفره إلا بعد ثبوت شـروطه وانتفاء موانعه، وعلى هذا فنقول في الحكم العام: إن من فعل ذلك كفر، لكن إذا فعله شخص بعينه لا نقول له: أنت كافر؛ لأنه قد تكون هناك موانع.
قال العز بن عبد السلام: (ثم إذا كان القول في نفسه كفرًا قيل: إنه كفر، والقائل له لا يكفر إلا بشـروط وانتفاء موانع)[4].
(5) الموانع التي تمنع الحكم بالكفر على من أتى مُكفِّرًا:
منها: الجنون، والصغر، والسكر، وشدة الغضب، وشدة الفرح.
ومنها: الإكراه، والتأويل، والخطأ.
ومنها: الجهل[5]. واعلم أن الجهل إذا كان في المسائل الدقيقة الخفية التي لا يطلع عليها الناس، فيعذر الإنسان بجهله بها، وأما إذا كان من المعلوم من الدين بالضـرورة، فهذا إذا أتى به وكان كفرًا يكفر به، ولا يعذر بجهله إلا إذا كان قد نشأ بعيدًا عن ديار المسلمين. قال شـيخ الإسلام ابن تيمية: (وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل ذلك لا يكفر)[6].
وقال النووي: (اعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع - الخوارج والمعتزلة وغيرهم - وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضـرورة حكم بردته وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه، فيُعرَّف ذلك، فإن استمر حكم بكفره، وكذلك من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضـرورة)[7].
أولاً: قتله:
سواء كان المرتد رجلًا أو امرأة؛ وذلك إذا لم يتب، وثبتت ردته بإقراره أو بشهادة عدلين.
ودليل قتله قوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه»[8]، وقوله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»[9].
وعن معاذ رضي الله عنه أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: «أيما رجل ارتد عن الإسلام، فادْعُه، فإن عاد وإلا فاضـرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام، فادعها، فإن عادت وإلا فاضـرب عنقها»[10]، واعلم أن قتله إلى الإمام وليس لآحاد الناس، إلا إن لحق بدار الحرب فلكل واحد قتله وأخذ ما معه.
ثانيًا: استتابته قبل القتل:
اختلف العلماء في استتابة المرتد قبل قتله، أو عدم استتابته، فيرى بعضهم وجوب الاستتابة، واستدلوا على ذلك بفعل بعض الصحابة رضي الله عنهم؛ فعن قابوس بن مخارق أن محمد ابن أبي بكر كتب إلى علي يسأله عن مسلمين تزندقا؟ فكتب إليه علي: «أما اللذين تزندقا، فإن تابا، وإلا فاضـرب عنقهما»[11].
وثبت ذلك عن عمر وعثمان، كما أورد ذلك الخلال في (أحكام أهل الملل) بأسانيد صحيحة، وثبت عن أبي موسـى رضي الله عنه[12].
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وجوب استتابته؛ لما ثبت أن معاذًا لما ذهب إلى اليمن، إذا برجل موثق، قال: ما هذا؟ قالوا: كان يهوديًّا، فأسلم ثم تهود، قال أبو موسـى لمعاذ: اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل؛ قضاء الله ورسوله، فأمر به فقتل[13]، ولعموم الأحاديث: «من بدل دينه فاقتلوه» ولم يذكر استتابة.
وهناك أقوال أخرى، والراجح أن ذلك يرجع إلى ما يراه الإمام مصلحة، فإن رأى أن المصلحة أن يمهل ويستتاب فذاك، وإلا قتله.
ولكن كيف يتوب المرتد؟
الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أن توبة المرتد تكون بالنطق بالشهادتين؛ لقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني دمه وماله إلا بحقها وحسابه على الله»[14].
ولا بد للمرتد أن يتوب مما كان سببًا في ردته؛ بأن يقر بما أنكره، أو يتبرأ مما اعتقده مخالفًا لعقيدة الإسلام، ونحو ذلك.
ثالثًا: توبة من تكررت ردته والزنديق:
(1) من تكررت ردته فالراجح قبول توبته في كل مرة؛ للحديث السابق، ولقوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال:38].
(2) وكذلك الحكم في توبة الزنديق (وهو الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر) إن تاب قبلت توبته؛ لأن النبي ﷺ قبل توبة المنافقين الذين دخلوا في الإسلام، ولأن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿ ١٤٥ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء:145، 146].
هذا وقد خالف المالكية مذهب الجمهور؛ فذهبوا إلى عدم قبول توبة من تكررت ردته، وتوبة الزنديق، واستدلوا بأدلة لا تنهض لمقاومة أدلة الجمهور، وأحسن ما استدلوا به أثر ابن مسعود أنه قتل رجلًا يقال له ابن النواحة بعد ما تركه، ثم عاد للردة[15]. ولكن أقصـى ما يستفاد من هذا الأثر أن على الإمام أن يتيقن من صحة توبته، فإن ظهر كذبه فيها قتله، والله أعلم.
(1) إذا أسلم المرتد، فلا خلاف بين العلماء أن ماله يظل على ملكه.
(2) وإذا لحق بدار الحرب، أو مات في الردة، أو قتل؛ فلا خلاف أن أمواله تزول عنه، لكنهم اختلفوا متى يزول عنه المِلك؟ هل يزول بمجرد الردة، أو بحدوث القتل أو الموت، أو لحوقه بدار الكفار؟ فيرى جمهور العلماء أن المال يحجر عليه إذا ارتد حتى يستبين أمره، فإن عاد ردت إليه أمواله، وإن مات أو قتل على ردته أو لحق بدار الكفار زال الملك عن ماله بمجرد ردته، وعند الحنابلة والصاحبين من الحنفية يزول الملك عند وجود هذه الأمور لا بمجرد ردته، ويترتب على هذا الخلاف صحة أو بطلان تصـرفات المرتد في هذه المدة؛ من بيع وهبة ووقف ونحو ذلك.
ميراث المرتد: إذا مات المرتد أو قتل، فإنه يُبدأ بقضاء دينه، وضمان جنايته، ونفقة زوجته وقريبه؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها. وما بقي من المال يكون فيئًا للمسلمين في بيت المال، وهذا مذهب الجمهور؛ من المالكية والشافعية والحنابلة، خلافًا للحنفية الذين يرون جواز التوارث للمال الذي اكتسبه في إسلامه، وأما ما اكتسبه وقت ردته فإنه يكون فيئًا للمسلمين، وذهب الصاحبان من الحنفية إلى توارث جميع المال؛ سواء كان قبل ردته أو بعدها.
والقول الأول هو الأرجح؛ لقوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر».
واعلم أن المرتد لا يرث أحدًا من أقاربه المسلمين؛ لقوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»[16].
خامسًا: الردة والعلاقة الزوجية:
إذا ارتد أحد الزوجين وجبت الفرقة بينهما، وهل هذه الفرقة تكون فسخًا للنكاح، أو تكون طلاقًا؟ فيه خلاف بين العلماء:
فعند الحنفية أنها فسخ للنكاح؛ سواء دخل بها أو لم يدخل بها، فإن كان هو المرتد فلها نصف المهر إذا كان قبل الدخول، ولها المهر كاملًا إن كان بعد الدخول، وإن كانت هي المرتدة فلا شـيء لها إن كان قبل الدخول، ولها المهر كاملًا إن كان بعد الدخول.
وعند المالكية أنه طلاق بائن لا ترجع إليه إلا بعقد ومهر جديدين.
وعند الشافعية: الفرقة لا تقع إلا بعد انقضاء العدة، فإذا انقضت كان ذلك فسخًا للنكاح، وإن عاد للإسلام قبل انقضاء العدة فهي امرأته.
وعند الحنابلة ينفسخ النكاح إذا كان قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول فيرى بعضهم الفسخ مباشـرة، ويرى بعضهم أنه لا يفسخ النكاح إلا بعد انقضاء العدة كالشافعية.
تنبيه: هناك مسائل أخرى تتعلق بتصـرفات المرتد، وأثر الردة في أعماله، يمكن الرجوع إليها في المطولات، والله أعلم.