أحكام التعزيـرات
لغة: اللوم، ويطلق على الضـرب دون الحد، واشتهر في التأديب والإهانة دون الحد.
وشـرعًا: العقوبة المشـروعة على جناية لا حد فيها ولا قصاص.
إذا سـرق ما دون النصاب، أو قبَّل امرأة، أو سبَّ آخرَ بغير القذف؛ كأن يقول لآخر: يا فاسق، يا كافر، يا فاجر، يا شقي، يا ديوث، أو نحو ذلك.
واعلم أن التعزير إنما يكون من الإمام أو نائبه، ويكون ذلك إما بالضـرب، أو بالحبس، أو بالتوبيخ.
وردت سنن كثيرة فيها التعزير؛ تقويمًا للسلوك، وتحقيقًا للمصالح، فمن ذلك قوله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضـربوهم عليها لعشـر»[1]، وما تقدم من تضعيفه الغرامة لمن سـرق مالًا غير محروز وجَلدِه نكالًا له، ومن ذلك أنه ﷺ عاقب مانع الزكاة بأخذها منه مع شطر ماله.
وقال ﷺ: «لا يجلد أحد فوق عشـر جلدات، إلا في حد من حدود الله»[2].
اختلف العلماء: هل التعزير حق لله، أو هو حق لآدمي؟ فيرى المالكية والحنابلة أنه حق لله، ويجوز للحاكم تركه جملة.
وعند الشافعية أنه ليس واجبًا، ويجوز للحاكم تركه، إلا إذا تعلق به حق لآدمي؛ لما ثبت في الحديث: «أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم، إلا الحدود»[3]، ورأي الحنفية يشابه رأي الشافعية.
وإذا عزَّر الإمام رجلًا أو حدَّه فتلف منه شـيء، فلا ضمان عليه؛ لأن التعزير عقوبة مشـروعة للردع والزجر، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وأما الشافعية فعندهم لا ضمان إذا مات في حد، ويضمنه إذا مات في التعزير.
(1) التعزير بالضـرب:
اختلف العلماء إذا كان التعزير بالضـرب، هل له حد ينتهي إليه أو لا؟
فيرى بعض العلماء أنه لا يزيد عن عشـرة أسواط؛ لقوله ﷺ: «لا يجلد أحد فوق عشـرة أسواط، إلا في حد من حدود الله».
ويرى فريق آخر من العلماء أن التعزير يمكن أن يزيد عن هذا العدد، بشـرط ألا يصل إلى مقدار أدنى حد من الحدود، ومعلوم أن أدنى حد عند الشافعية (أربعون جلدة لشارب المسكر)، وعند غيرهم ثمانون جلدة.
ويرى فريق ثالث أن هذا مرجعه إلى رأى الإمام حسب المصلحة، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية. وقد أجاب أصحاب هذا القول عن استدلال الفريق الأول بحديث: «لا يجلد أحد فوق عشـرة أسواط إلا في حد من حدود الله» بأن المقصود بحدود الله هنا ليست الحدود المقدرة، وإنما المقصود حقوق الله؛ لأن حدود الله تأتي بمعنى الفصل بين الحلال والحرام، كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة:187] فهذه حدود الحرام، وقال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة:229] فهذه الحدود الفاصلة للحلال، وعلى هذا فيجوز الزيادة عن العدد المذكور إذا كان التعزير يتعلق به حق من حقوق الله التي حددها لعباده.
تنبيه: ذهب بعض العلماء إلى جواز التعزير بالقتل سـياسةً إذا رأى الحاكم مصلحة في ذلك؛ كمن تكرر منه اعتياد الحرام، وكل من لا يندفع شـره إلا بالقتل، ورأوا من ذلك قتل الساحر، وكمن خرج على الإمام ليبايعه الناس؛ كما في الحديث: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما»[4]؛ أى لأنه يفرق جماعة المسلمين.
وقد روى مسلم عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه مرفوعًا: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد شق عصاكم، أو يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه»[5].
(2) التعزير بالحبس:
ذهب جماعة من الفقهاء إلى مشـروعية التعزير بالحبس؛ بدليل أن النبي ﷺ حبس رجلًا في تهمة، ثم خلى عنه[6]. وثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له سجن، وتبعه في ذلك عثمان وعلي رضي الله عنهما، واستدل الحنفية على مشـروعية الحبس كذلك بقوله تعالى: ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [المائدة:33]، وفسـروا النفي هنا بمعنى الحبس.
(3) التعزير بالمال:
الراجح من أقوال أهل العلم جواز التعزير بالعقوبات المالية؛ لما ثبت أن النبي ﷺ ضاعف غرمَ مَن أخذ الثمار من الشجر، أو أخذ حريسة الجبل، وكذلك أخذُه شطرَ مالِ مانعِ الزكاة مع الزكاة، وغير ذلك من الأدلة على جواز التعزير بالمال، وهذا القول رجَّحه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، وقد قسم ابن تيمية العقوبات المالية إلى ثلاثة؛ وهي الإتلاف، والتغيير، والتمليك، وسوف أبين ذلك باختصار:
(أ) الإتلاف: وذلك بأن يكون التعزير بإتلاف ما يستخدمه الجاني في المنكر؛ كتكسـير الأصنام وتحريقها، وتحطيم آلات اللهو عند أكثر الفقهاء.
وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: «إنما أنت فويسق، لا رويشد»[7].
وثبت ذلك أيضًا عن علي رضي الله عنه أنه أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر[8].
(ب) التغيير: قد يكتفى في التعزير بتغيير المنكر عن هيئته إلى حالة جائزة، كأن يكسـر رأس التمثال، أو أن يقطع الستر الذي فيه صور، ويصـير وسادة توطأ وتمتهن.
(جـ) التمليك (أي: تغريم العاصـي): وقد قضـى النبي ﷺ بالتغريم في كثير من القضايا، فقد تقدَّم تغريمه ﷺ لمن أخذ حريسة الجبل، أو أخذ شـيئًا قبل أن يكون في الجرين، فجعل الغرامة مضاعفة مع جلده.
وقد بيَّن ابن القيم أن العقوبات المالية نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط.
فالمضبوط: ما قابل الشـيء المتلف، إما لحق الله تعالى كإتلاف الصـيد في الحرم، أو لحق آدمي كإتلاف ماله، ففي كل ذلك عليه ضمان ما أتلفه.
ومن ذلك منع الجاني من الإرث معاملةً له بنقيض قصده.
وعقوبة الزوجة الناشـز بإسقاط نفقتها.
وغير المضبوط: هو المتروك لتقدير الحاكم واجتهاده حسب المصلحة، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة.
(1) لا يتوقف التعزير على ما سبق؛ من الضـرب، أو التغريم، أو الحبس، فقد يكون التعزير كذلك بالتوبيخ، وبالهجر وعدم رد السلام، ونحو ذلك.
(2) إذا أخذ الحاكم المال من الجاني، فلا يمسكه لنفسه، بل يحبس المال عنده، فإن أيس من توبته صـرفه في مصالح المسلمين، وعلى هذا فيجوز أخذ الأموال إذا كان الكسب غير مشـروع، فقد أخذ عمر طعامًا من سائل وجده جمع أكثر من كفايته.