كتاب الإمامة

المقصود بها: الإمامة العظمى، ويقال لها: الخلافة، أو إمارة المؤمنين، وهي رياسة عامة في أمر الدين والدنيا، خلافة عن النبي ﷺ.
فوظيفة الإمام إذن: حمل الجميع على مقتضـى النظر الشـرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها. وبهذا يتبين أن هناك فرقًا بين الخلافة الشـرعية، وبين النظم الحديثة القائمة على القوانين الوضعية؛ إذ إنها تقتصـر على تنظيم العلاقات الاجتماعية، حتى لو عارض ذلك الدين أو الفضـيلة.
المعروف من أقوال أهل العلم أن الإمامة أمر واجب؛ قال ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشـيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشـريعة التي جاء بها النبي ﷺ)[1]. وقال ابن تيمية: (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي ﷺ: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»[2])[3].
وأما الأدلة على ذلك فهي:
من (الكتاب): قال تعالى: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء:59]؛ ففرض الله على الناس طاعة أولى الأمر، وهذا يشعر بوجوب إقامتهم فينا.
ومن (السنة): قوله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشـي»[4].
ومن (الإجماع): أجمع الصحابة والتابعون على وجوب الإمامة، بل إنهم بادروا إلى تعيين الخليفة بعد وفاة النبي ﷺ.
ومن (القياس): وجود الولاة أمر لا بد منه، ولولا وجودهم لأصبح الناس فوضـى، ولضاعت حقوقهم، ولا يتحقق لهم النظام والأمن والاستقرار إلا في وجود الولاة.
فلا بد للمسلمين من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم، وسد ثغورهم، وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغيرات الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم.
هناك طرق يتم بها نصب الإمام للإمارة، وبيانها فيما يلي:
أولًا: التعيين بالاستخلاف:
وتسمى هذه الطريقة: ولاية العهد؛ وهو أن يعهد الإمام الموجود إلى شخص آخر يعينه، أو يصفه بصفات معينة ليخلفه بعد موته، سواء كان قريبًا أم غير قريب، شـريطة أن تتوفر فيه شـروط الخلافة، وتتم له البيعة من الأمة.
وقد ثبتت ولاية الاستخلاف مع توفر الصحابة رضي الله عنهم دون نكير، وذلك بأن أبا بكر رضي الله عنه عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بعده، وأن عمر عهد بها إلى أهل الشورى على أن يختاروا أحدًا منهم، وقد تم ذلك واختاروا عثمان رضي الله عنه ولا يعني ذلك أن الخلافة تورث؛ قال ابن حزم: (ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها)[5].
ثانيًا: انعقاد الإمامة بالغلبة:
إذا تغلب أحد الناس وتولى منصب الإمامة بالغلبة والقهر صار إمامًا على الناس، ولا ننابذه إلا أن نرى كفرًا بواحًا، ولا يعني ذلك أن مسلك تولى الإمامة بالغلبة من المسالك المشـروعة؛ لأنها خلاف الأصل المبني على أن الخلافة تكون بالاختيار والمبايعة، ولكن نوليه ما تولى مراعاة لدفع الضـرر المتوقع من سفك الدماء، فإنما وجبت طاعته درءًا للمفاسد، وسواء في ذلك بايعه أهل الحل والعقد أم لا؛ قال ابن حجر: (أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدِّماء، وتسكين الدهماء...، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصـريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث الذي بعده)[6]. يعني حديث عبادة بن الصامت: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان»[7].
ثالثًا: انعقاد الإمامة بالبيعة:
ومعنى ذلك أن يختار المسلمون الخليفة، ويبايعوه على ذلك، فهي إذن عقد بين طرفين؛ أحدهما الحاكم، والثاني مجموع الأمة (المحكومين).
ويتم ذلك بأن يختار أهل الحل والعقد من يرونه أكثر الناس فضلًا وأكملهم لشـروط الخلافة، فيبايعونه على ذلك، وأما بقية الناس فتكون بيعتهم تابعة لبيعة أهل الحل والعقد، فيكفي العامي اعتقاد أنه تحت إمرته.
هم العلماء المتخصصون الذين تتوفر فيهم شـروط وصفات تؤهلهم لذلك، وهذه الشـروط هي:
العدالة، والعلم، والرأي السديد، أي: أن عندهم الكفاءات العالية، فـ«العدالة»: ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى، و«العلم»: يتوصل به إلى معرفة الشـروط التي يستحقها الإمام، و«الرأي السديد»: يحمله على اختيار الأصلح والأقوى للأمة.
قال الماوردي في (الأحكام السلطانية): (فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار، تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شـروطها، فقدَّموا للبيعة منهم أكثرهم فضلًا، وأكملهم شـروطًا، ومن يسـرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره، عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته، وإن امتنع عن الإمامة ولم يُجِبْ إليها لم يجبر عليها؛ لأنها عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار، وعُدِل عنه إلى سواه من مستحقيها)[8].
ذهبت الشـيعة -قبحهم الله- إلى أن الإمامة لا تكون إلا بالنص، وأن هذا واجب على الله لطفًا منه، ويقيسون الإمامة على النبوة، وحجتهم أن الإمام حجة الله على خلقه كما أن الرسل حجة الله على عباده، وغالوا في الأئمة حتى اعتقدوا أن ذلك من أركان الدين وقواعد الإسلام وأن الأئمة معصومون!!، وفرعوا على ذلك أن النص بالإمامة كان لعلى بن أبي طالب رضي الله عنه فاتهموا أصحاب النبي ﷺ؛ وسَبُّوهم لأنهم اختاروا أبا بكر ثم عمر ثم عثمان، وهم مع ذلك يعتقدون أن الإمام الثاني عشـر غير ظاهر، وأنه في سـرداب في (سـر من رأى)، وهذا من تناقضهم، إذ كيف يقال إن هذا من اللطف، وهو غير ظاهر ولا متمكن ولا قادر؟!
قال ابن حزم: (وعمدة هذه الطوائف كلها أحاديث موضوعة مكذوبة)[9].