كتاب القضاء

لغة: إتمام الشـيء قولًا وفعلًا.
واصطلاحًا: فصل الخصومات، وإنهاء المنازعات، بإلزام الخصم بالحكم الشـرعي.
(1) القضاء هو أحد أركان الدولة الإسلامية، ومحور نظام الحكم لإلزام الناس بتنفيذ أحكام الشـريعة.
(2) القضاء يقيم العدل بين الناس؛ فيحق الحق، ويبطل الباطل، فيشـيع الطمأنينة والثقة بين الناس.
(3) القضاء يحفظ على الناس دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وذلك بإقامة شـرع الله وتنفيذ حدوده، وحفظ أموال القُصـر، والحجر على السفهاء.
وغير ذلك من مسائل القضاء الذي إذا خلت منه الديار فإنه مؤذن بخراب العباد، وضـياع مصالحهم، وانتشار الفتنة بينهم.
القضاء مشـروع بالكتاب والسنة والإجماع:
أما (الكتاب): فقد قال الله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة:49]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [النساء:105].
وأما (السنة): فقد ثبت في الحديث عن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»[1].
وقد حكم النبي ﷺ بين الناس، كما أرسل عليًّا وأبا موسـى ومعاذًا لفصل النزاع باليمن، وكذلك الخلفاء الراشدون حكموا بين الناس، وبعثوا نُوَّابًا عنهم يقضون بين الناس.
وأما (الإجماع): فقد أجمع المسلمون على مشـروعية تعيين القضاة والحكم بين الناس.
القضاء من فروض الكفايات، فيجب على الحاكم تعيين القضاة؛ ليفصلوا في الخصومات، ويلزموا الخصوم بحكم الشـرع.
يشترط في القاضـي أن يكون عاقلًا، بالغًا، حرًّا، مسلمًا، سميعًا، بصـيرًا، ناطقًا.
وهذه الشـروط اتفق عليها الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في ثلاثة شـروط أخرى؛ وهي: العدالة، والذكورة، والاجتهاد؛ على النحو الآتي:
المقصود من العدالة اجتناب الكبائر، وعدم الإصـرار على الصغائر، وسلامة العقيدة، والبراءة من خوارم المروءة، ونحو ذلك.
ذهب جمهور العلماء إلى شـرطية العدالة، فلا يجوز تولية الفاسق للقضاء؛ لأنه لا تقبل شهادته، فمن باب أولى أن لا يقبل للقضاء، وخالف في ذلك الحنفية فرأوا جواز تولية الفاسق، لكن لا ينبغي توليته، أي: أنهم يرون عدم توليته أفضل، لكن لو ولي جاز عندهم، إلا أن يكون محدودًا في القذف؛ لأن القاذف لا تقبل شهادته.
ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط الذكورة في القضاء؛ لقوله ﷺ: «لا يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»[2]، ولأن القضاء يحتاج إلى كمال الفطنة والخبرة بشؤون الحياة، وهذا لا يتوفر عند المرأة، وكذلك لا تصلح المرأة لتولي الإمامة العظمى، ولهذا لم يولِّ النبي ﷺ ولا أحد من الخلفاء ولا غيرهم القضاء ولا الولاية لامرأة.
وخالف في ذلك الحنفية؛ فرأوا جواز تولي المرأة القضاء في الأمور المدنية، ولا يجوز لها في الحدود والقصاص؛ لأنها لا تقبل شهادتها فيها، بخلاف الأمور المدنية فتقبل فيها شهادتها.
يشترط في القاضـي أن يكون مجتهدًا عالمًا بأحكام القرآن والسنة في موضوعه، ولا يكفي أن يكون مقلدًا، قال تعالى: ﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا ﴾ [المائدة:9]، وقال تعالى: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [النساء:105]، وعن بريدة عن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة؛ فرجل عرف الحق فقضـى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضـى للناس على جهل فهو في النار»[3].
ويلاحظ أنه إذا تعذر توفر هذه الشـروط من العدالة والاجتهاد، فيولى الأمثل فالأمثل.
واشترط الفقهاء أيضًا مع هذه الشـروط تولية الحاكم للقاضـي، بخلاف ما إذا ارتضـى الخصمان حكمًا يحكم بينهما ممن ليس له ولاية القضاء، فقد أجازه مالك وأحمد، ولم يجزه أبو حنيفة، إلا أن يوافق حكمه حكم قاضـي البلد.
هل الأفضل تولي القضاء أو الأفضل تركه؟
وردت أحاديث ترغب في تولي القضاء، ووردت أحاديث أخرى تحذر من ذلك:
فمن الأحاديث المرغبة في ذلك قول النبي ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضـي بها ويعلمها»[4].
وأيضًا فقد تولاه الأنبياء -صلى الله عليهم وسلم- كما قال الله تعالى عن داود عليه السلام: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ﴾ [ص:26]، وقال تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [النساء:105].
وتولاه أكابر الصحابة وفضلاؤهم، قال الحافظ: (فقد أخرج البيهقي بسند قوي أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولى عمر القضاء، وبسند آخر قوي أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء، وكتب عمر إلى عماله: استعملوا صالحيكم على القضاء، واكفوهم)[5].
وقد وردت أحاديث أخرى تذم الحرص على الإمارة؛ فمن ذلك قوله ﷺ: «من جعل قاضـيا بين الناس، فقد ذبح بغير سكين»[6].
وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطِيتَها من غير مسألة أُعِنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وُكِلت إليها»[7].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنِعمَت المُرضِعة، وبِئسَت الفاطمة»[8]، وقوله: «فنعمت المرضعة» يعني: في الدنيا، و«بئست الفاطمة» يعني: في الآخرة.
والجمع بين هذه الأحاديث: أن الأمر يختلف باختلاف الأحوال والمقاصد إليها، ويتعلق بذلك ما يلي:
(أ) الأصل أن الإنسان لا يحرص عليها، ولا يسعى إليها؛ للأحاديث الواردة في الذم لمن قصد ذلك وسعى إليها.
(ب) اتفق الفقهاء على أنه إذا تعين شخص للقضاء، ولم يوجد غيره؛ لزمه طلبه وقبوله، فإن امتنع عصـى؛ لأن الناس محتاجون إلى علمه وقضائه.
(جـ) فإن كان هناك عدد يصلحون لقبول القضاء، ولم يتعين على واحد منهم، فقد اختلفوا في جواز قبوله وتركه أيهما أفضل؛ فالذي ذهب إليه الجمهور من العلماء أن الترك أفضل، وذهب بعض العلماء إلى أن قبوله أفضل؛ لأن فيه اقتداء بالأنبياء.
والراجح: أنه إذا قوي عليه ووجد أعوانًا لإقامة الحق كان القبول أفضل، وإن عجز فالترك أفضل؛ قال الحافظ: (وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شـروطه وقوي على أعمال الحق ووجد أعوانًا؛ لما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصـر المظلوم، وأداء الحق لمستحقيه، وكف يد الظالم، والإصلاح بين الناس؛ وكل ذلك من القربات)[9].
وقال: (وقال بعضهم: إن كان من أهل العلم وكان خاملًا بحيث لا يحصل عنه العلم، أو كان محتاجًا وللقاضـي رزق من جهة ليست بحرام استحب له، ليرجع إليه في الحكم بالحق وينتفع بعلمه، وإن كان مشهورًا فالأولى له الإقبال على العلم والفتوى)[10].
(4) يجب على القاضـي أن يقضـي في كل حادثة بما ثبت عنده أنه حكم الله، من الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو بدليل الاجتهاد بالقياس الشـرعي.
(5) حكم القضاء نافذ ظاهرًا لا باطنًا، وهذا قول جمهور العلماء، والمعنى: أن القاضـي يحكم بالظاهر، ويتحرى الحق، والله يتولى السـرائر، لكن حكمه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضـي له بنحو ما أسمع، فمن قضـيت له من حق أخيه بشـيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار»[11].
(6) لا يجوز عند المالكية والحنابلة أن يقضـي القاضـي بعلم نفسه؛ لا في حد ولا في غيره؛ سواء علم بذلك قبل القضاء أم بعده، ودليلهم قوله في الحديث السابق: «فأقضـي بنحو ما أسمع» أي من الخصمين، لا بما يعلم، ولما ثبت أن النبي ﷺ قال في قضـية بين خصمين: «شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذلك»[12].
وعند الشافعية: يجوز أن يقضـي القاضـي بعلم نفسه، إلا في الحدود، قالوا: لأنه إذا كان يحكم فيه بما يفيد الظن، وهما الشاهدان، فحكمه بعلمه أولى، وأما الحدود فإنها تدرأ بالشبهات.
وعند الحنفية تفاصـيل في قضاء القاضـي بعلمه، إلا أن المعتمد عند المتأخرين يوافق قول المالكية والحنابلة، وهو الأرجح لقوة دليله، وحتى لا تكون تهمة في حكم القاضـي.
ورجح الشـيخ ابن عثيمين أنه يجوز للقاضـي أن يقضـي بعلمه في ثلاثة أمور:
الأول: في عدالة الشهود، إذا علم عدالتهما لا يحتاج إلى طلب تزكيتهما.
الثاني: ما علمه في مجلس القضاء؛ كأن يقر المدَّعَى عليه في المجلس، ثم ينكر بعد ذلك، فللقاضـي أن يحكم بما علمه من إقراره أولًا.
الثالث: إذا كان الأمر مشتهرًا يعلمه الخاص والعام؛ كأن يشتهر في بلد أن هذا المكان أوقفه صاحبه على الفقراء، ثم يأتي ورثته فينكرون هذا الوقف ويريدون إدخاله في الإرث، فيجوز للقاضـي أن يحكم بما علم واشتهر أنه وقف.
(7) لا يجوز للقاضـي أن يقضـي لمن لا تقبل شهادته له، فلا يجوز أن يقضـي لنفسه، ولا لأبويه وإن علوا، ولا لزوجته، ولا لأولاده وإن سفلوا، ولا لشـريكه في المال المشترك بينهما لوجود التهمة.
(8) وكذلك لا يجوز للقاضـي أن يقضـي على عدوه، ويجوز أن يقضـي له؛ لأنه في الأولى توجد التهمة، وأما في الثانية فإنها دليل على إنصافه.
الذي ذهب إليه جمهور العلماء؛ من المالكية والشافعية والحنابلة أنه يجوز أن يحكم على الغائب البعيد، بشـرط أن يكون للمدعي بينة، وذلك في الحقوق المدنية، بخلاف الحدود الخالصة لله، فلا يقضـي فيها على الغائب.
وهذا ما ذهب إليه ابن حزم أيضًا، ومن حجته:
أنه صح عن عثمان القضاء على الغائب، وصح عن عمر أنه حكم في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشـرا، ولا مخالف لهما من الصحابة.
ولأن في منع الحكم على الغائب إضاعة للحقوق التي وجب على الحكام حفظها، وهذا القول هو الراجح.
خلافًا للحنفية الذين يرون عدم جواز الحكم على الغائب إلا عند الضـرورة؛ كما لو توجه إليه القضاء فاستتر وغاب عنه.
ينبغي للقاضـي أن يتخلق بالأخلاق الحميدة، ويزاد عليها بعض الآداب التي تتعلق بالقضاء على وجه الخصوص، فمن هذه الآداب:
لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران:159]، فيندب له أن يجلس معه جماعة من الفقهاء يشاورهم، ويستأنس بآرائهم؛ خاصة فيما يشكل عليه من أحكام.
(2) ألا يحكم إلا بما أنزل الله:
لقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [المائدة:49]. فإن جار وبدَّل حكم الله؛ فإنه يضـر نفسه قبل غيره ويوردها موارد الهلكة؛ لما تقدم في الحديث: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضـى به فهو في الجنة، ورجل قضـى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار»[13].
(3) ألا يقضـي حتى يسمع الخصمين:
لما ثبت في الحديث عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تقاضـى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضـي»[14].
(4) أن يسوى بين الخصمين ويعدل بينهما:
وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه لأبي موسـى الأشعري في القضاء: «آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شـريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك»[15].
قال العلماء: يعدل بين الخصمين في الجلوس، والإقبال، ويسوى بينهما في النظر والنطق والإشارة، ولا يلقن أحدهما الحجة، ولا يضحك في وجه أحدهما، ولا يمازحهما ولا واحدًا منهما؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء، ولا يكلم أحدهما بلغة لا يعرفها الآخر، ونحو ذلك.
لا يجوز للقاضـي أن يقبل هدية إلا من ذوي رحم، أو ممن جرت عادته معه بالتهادي قبل القضاء؛ لما ثبت في الحديث: «هدايا العمال غُلول»[16]، وفي رواية: «هدايا العمال رشوة»، ولأن الهدية قد تدعو إلى الميل للمهدي، وينكسـر بها قلب خصمه، وربما حصل للقاضـي ميل عن الحق بسبب تأثير الهدية وهو لا يشعر.
وقد ذهب العلماء إلى أن القاضـي لا يجيب الدعوة الخاصة؛ لأن إجابتها لا تخلو من تهمة، ولكن يجوز له حضور الدعوة العامة التي يتخذها صاحبها سواء حضـر القاضـي أم لا؛ لأنه لا تهمة عندئذ.
وذلك بأن يكون له في مجلس القضاء أعوان يستحضـرون الخصوم ويمتثلون بين يديه، ليكون المجلس مهيبًا فيدعو ذلك المتمرد من الخصوم للإذعان والنطق بالحق. وأن يتخذ القاضـي كاتبًا؛ ليحفظ الدعاوى والبينات، والإقرارات، والشهادات، وأن يجعل ذلك في سجل خاص.
(7) أن يفهم النزاع، ويتأنى في الحكم:
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في كتابه لأبي موسـي: «فافهم إذا أُدلي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له».
وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لا يقضـين حاكم بين اثنين وهو غضبان»[17]. قال العلماء: وفي معنى الغضب كل ما شغل النفس؛ من الهم، والنعاس، والجوع المفرط، والعطش المفرط، وشدة الحزن، ونحو ذلك مما يحول دون استجماع الفكر.
فإن حكم القاضـي في حال غضبه، فالذي ذهب إليه جمهور العلماء أن حكمه ينفذ، وذهب بعض الحنابلة إلى عدم نفاذه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضـي الفساد؛ والله أعلم.