حجم الخط:

محتوى الدرس (299)

شروط الشهادة:

أ - شـروط تحمل الشهادة:

(1) يشترط فيمن يتحمل الشهادة أن يكون عاقلًا، فخرج بذلك المجنون؛ لأنه لا يعقل، فلا يشترط في التحمل البلوغ والحرية والإسلام والعدالة، وإنما يشترط ذلك في وقت الأداء.

(2) معاينة المشهود به بنفسه لا بغيره؛ بأن يكون حاضـرا وقت التحمل فيسمع أو يرى الواقعة بعينه، ليشهد بعلم، لا بما ينقل إليه من أخبار؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86]، لكن يجوز الشهادة إذا كان مما يستفيض ويتسامع به الناس مما يتعذر العلم به مباشـرة، فيجوز الشهادة في هذه الحالة، فمن الأمور المستفيضة بين الناس: النسب، والنكاح، والموت، والوقف، والملكية، فإذا استفاض بين الناس أن فلانًا ابن فلان، وأن فلانًا زوج فلانة، أو أن فلانًا مات، أو أن هذه الدار وقفٌ أو ملكٌ لفلان؛ جاز له الشهادة بذلك.

(3) اشترط بعض الفقهاء للشاهد وقت التحمل أن يكون بصـيرًا، والراجح ما ذهب إليه الحنابلة: أن هذا لا يشترط، فيجوز للأعمى أن يشهد فيما يتعلق بالسمع؛ كالبيع والإجارة وغيرهما، إذا عرف المتبايعين.

ب - شروط أداء الشهادة:

(1) أن يكون عاقلًا بالغًا:

لقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، وقوله تعالى: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، وعلى هذا فلا تصح شهادة الصبيان، ولكن لو شهد الصبيان بعضهم على بعض فهل تقبل شهادتهم؟ الراجح: أنها تقبل شهادة بعضهم على بعض فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان.

وكذلك لا تقبل شهادة المجنون ولا السكران ولا المعتوه إلا في حالة إفاقته.

(2) الإسلام:

فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم؛ لأن الكافر لا يتخذ بطانة لنا؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [آل عمران:118]. وأجازها الحنفية والحنابلة فقط في الوصـية في السفر؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة:106].

(3) النطق بالشهادة:

وعلى هذا قالوا: لا تقبل شهادة الأخرس، لكن الصحيح أن الأخرس له ثلاث حالات:

أ- أن يكون ممن لا تفهم إشارته ولا كتابته؛ فهذا لا تقبل شهادته.

ب- أن يكون ممن يعرف الكتابة، ويؤدى الشهادة كتابة؛ فهذا تقبل شهادته قولًا واحدًا.

جـ- أن يكون ممن تعرف إشارته وتفهم، فهذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح قبول شهادته.

(4) العدالة:

ودليله قول الله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]. و«العدل»: هو الذي اجتنب الكبائر ولم يُصـر على الصغائر، واشترط بعضهم كذلك أن يكون مجتنبًا خوارم المروءة، وعلى هذا فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا تقبل شهادة المخنث، ولا تقبل شهادة نائحة في مصـيبة، ولا مغنية، وذكر الفقهاء أمثلة كثيرة لذلك، ولكن عند تطبيقها على الناس ربما لا تجد من يصلح أن يكون عدلًا؛ فتضـيع الحقوق.

والأولى في ذلك أن يقال: نُشهد ذوي عدل، أي: من وصف بالعدل في شهادته، ولا يلزم من ذلك أن يتصف بالعدل المطلق الكامل إذ قد يتعذر ذلك. قال الشـيخ ابن عثيمين: (وأهم شـيء في هذا الباب مسألة العدالة؛ لأننا لو طبقنا ما ذكره الفقهاء رحمهم الله فيما يعتبر للعدالة على مجتمع المسلمين اليوم لم نجد أحدًا إلا نادرًا، وحينئذ تضـيع الحقوق، وإذا رجعنا إلى مستند الفقهاء في اشتراط العدالة وجدنا ذلك في آيتين ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، وعند التأمل قد لا يكون في الآيتين دليل على ما اشترط الفقهاء؛ لأنه قال: ﴿ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، أي: صاحبي عدل، ولا يلزم من كونهما صاحبي عدل أن يتصفا بالعدالة المطلقة، بل يمكن أن نقول: إن معنى الآية: أي أشهدوا ذوي عدل في شهادته فقط، فمن كان عدلًا في شهادته فإنه يقبل، ودينه لله)[1].

موانع الشهادة:

(1) لا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض، والمقصود بعمودي النسب: الأصول والفروع، فلا تقبل شهادة الآباء للأبناء، ولا العكس، وذلك لوجود التهمة؛ لاحتمال أن يكون قد حاباه، وهذا باتفاق جمهور العلماء، ويرى بعض الفقهاء جواز الشهادة لعمودي النسب إذا انتفت التهم؛ بأن كان مبرزًا في العدالة لا يمكن أبدًا أن يحابي ولو كان لأبيه أو لابنه.

وأما لو شهد عليه فإنه تقبل شهادته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النساء:135].

(2) اختلف العلماء في شهادة أحد الزوجين للآخر؛ فمنعه جمهور العلماء وأجازه الشافعية، والراجح أنه إذا كان مبرزًا بالعدالة قبلت شهادته كالمثال السابق.

(3) قالوا: ولا تقبل شهادة العدو على عدوه، والمقصود بالعدو (من يبغض المشهود عليه، ويتمنى زوال النعمة عنه، ويحزن بسـروره، ويفرح بمصـيبته).

وأجاز العلماء شهادة الأخ والعم والخال بعضهم لبعض، وكذلك شهادة الصديق لصديقه.

النوع والعدد في الشهادة:

(1) في الأموال: تقبل شهادة النساء مع الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، فيشهدن في البيع، والإجارة، والهبة، والوصـية، والرهن، والكفالة، ونحو ذلك.

(2) أما ما ليس بمال (كالحدود والقصاص ما عدا الزنا)، وكذلك ما لا يقصد به المال ولا يطلع عليه إلا الرجال غالبًا (كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والوكالة) فلا يثبت إلا بشهادة رجلين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2].

ويلاحظ في ذلك أن ما أوجب قصاصًا في باب الجنايات فلا بد فيه من شهادة رجلين، وما أوجب مالًا فيجوز شهادة رجل وامرأتين.

وذهب بعض أهل العلم: إلى أن المرأتين تقومان مقام الرجل في جميع الشهادات، إلا في الحدود فقط من أجل الاحتياط في الحدود، واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل»[2]، فأطلق ولم يقيد ذلك بالأموال، وكذلك فإن الله تعالى ذكر العلة في اشتراط العدد في قوله تعالى: ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ [البقرة:282]، ولم يذكر أن العلة المال، ولكن العلة أن تقوى المرأة بالمرأة فتذكرها إذا نسـيت.

قال ابن عثيمين: (وهذا يكون في الشهادة في الأموال وفي غير الأموال إلا ما سلك فيه طريق الاحتياط، ويكون كذلك في المرأة معها رجل أو ليس معها رجل، وهذا هو القول الراجح)[3].

(3) في حد الزنا: لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال عدول أحرار مسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13].

(4) ما لا يطلع عليه إلا النساء: تقبل فيه شهادة النساء، كشهادتهن في الولادة والبكارة، وعيوب النساء في مواضع لا يطلع عليها الرجال، وكالحيض، وانقضاء العدة، ونحو ذلك.

ويتعلق بالشهادات عموما ما يلي:

(1) يشترط في الشهادة اتفاق الشهود فيما شهدوا فيه.

(2) تجوز الشهادة على الشهادة في جملة الحقوق، عدا ما يسقط بالشبهة كالحدود، فلا بد فيه من الشهادة الأولى، ولا يشهد أحد على شهادة آخر.

(3) حكم الرجوع عن الشهادة: إذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم، صح رجوعهم بشـرط أن يكون رجوعهم أمام القاضـي.

وأما إذا رجعوا بعد الحكم: فلا ينتقض حكم القاضـي، بل ينفذ، ويترتب على ذلك أنهما يضمنان الغرم أو التلف الذي لحق بالمشهود عليه باتفاق المذاهب الأربعة.

وإذا كان ذلك في حد الزنا، فإنه يقام عليهم حد القذف عند الحنفية.

ولو رجعوا عن شهادة أوجبت قصاصًا، واقتص من المشهود عليه، فالذي ذهب إليه جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة وأكثر المالكية أنه إذا نفذ القصاص، أو قَتْل الردة، أو رَجْم الزنا، أو الجلد أو القطع ومات المجلود أو المقطوع؛ فإنه يقتص منهم (أي: من الشهود) إذا كانوا قد تعمدوا الشهادة؛ لأنهم تسببووا في قتله، وأما إن أخطأوا فإن الدية تلزمهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة