حجم الخط:

محتوى الدرس (300)

ثانيًا: اليمين:

والمقصود باليمين:

تأكيد ثبوت الحق أمام القاضـي؛ بذكر اسم الله، أو صفة من صفاته، والأصل في مشـروعيته قوله ﷺ: «البينة على من ادعى واليمين على المدَّعَى عليه»[1].

ويلاحظ أن الشخص لا يستحلف إذا كان الأمر متعلقًا بحقوق الله كالعبادات والحدود، ولكن يستحلف فيما كان من حقوق الآدميين.

فلا نقول لإنسان: احلف أنك أديت الزكاة، فإنه لا يلزمه الحلف.

ولا يقال لإنسان: احلف أنك ما زنيت، وهكذا كل ما يوجب حدًّا.

وأما ما يوجب تعزيرًا ففيه تفصـيل: إذا كان حقًّا لله لا يستحلف عليه، وإذا كان حقًّا لآدمي فربما نستحلفه.

شروط اليمين القضائية:

(1) أن يكون الحالف مكلفًا (بالغًا عاقلًا).

(2) أن يحلف الشخص بنفسه، فلا تقبل فيها النيابة عنه، فلا يحلف الوكيل مثلا.

(3) ألا تكون في الحقوق الخالصة لله، كالحدود والعبادات.

(4) أن يكون المدَّعَى عليه منكرًا حق المدَّعِي، فإن كان مقرًّا فلا يحتاج إلى اليمين.

(5) أن يعجز المدَّعِي عن البينة، لقوله ﷺ: «شاهداك أو يمينه».

أنواع اليمين:

تنقسم اليمين أمام القاضـي إلي ثلاثة أقسام:

(1) يمين الشاهد: وذلك للاطمئنان إلى صدقه أنه يشهد بالحق.

(2) يمين المدَّعَى عليه: وهي اليمين الأصلية؛ لأنها توجب الحق، أو تدفع التهمة، ودليله قوله ﷺ: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر». ويلاحظ أن يمين المدَّعَى عليه تكون على صفة جوابه، لا على صفة الدعوى، فإذا ادعى شخص على آخر مائة جنيه، وأقر المدَّعَى عليه بخمسـين فقط، فإنه يحلف: والله ما له عندي إلا خمسون جنيهًا، ولا نحتاج أن نحلفه فيقول: والله ما له عندي مائة جنيه.

(3) يمين المدَّعِي: أي: التي يثبت بها المدَّعِي حقه، ولا يجد المدَّعِي إلا شاهدًا واحدًا، فقد حكم النبي ﷺ بشاهد ويمين[2].

وقد نحتاج إلى تحليفه إذا نكل المدَّعَى عليه فترد اليمين على المدَّعِي، فيحكم له بحلفه ونكول المدَّعَى عليه، ويدخل في هذا الباب أيمان القسامة لإثبات تهمة الجناية على القاتل، ويدخل فيها أيضًا: أيمان اللعان لنفي حد القذف عنه.

الحكم في نكول المدَّعَى عليه عن اليمين:

في المسألة ثلاثة أقوال:

القول الأول: قالوا: ترد اليمين على المدَّعِي، ولا يقضـى له بمجرد نكول المدَّعَى عليه؛ لأنه لما نكل المدَّعَى عليه عن اليمين، قوي جانب المدَّعِي، فكان نكوله بمنزلة الشاهد، ويمين المدَّعِي بمنزله الشاهد الثاني؛ هذا قول الشافعية والمالكية ورأي عند الحنابلة.

القول الثاني: لا ترد اليمين على المدَّعِي، بل يقضـى له بمجرد نكول المدَّعَى عليه، سواء نكل حقيقة؛ بأن قال: لا أحلف، أو حكمًا؛ بأن سكت فلم يحلف، ودليلهم أن النبي ﷺ قال: «البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر»، فلم يوجب إعادة اليمين مرة أخرى، ولأنه إذا نكل عن اليمين كان مقرًّا إقرارًا تقديريًا لصاحب الحق، وهذا مذهب الحنفية والمشهور من مذهب الحنابلة.

القول الثالث: فيه تفصـيل؛ وهو أنه إذا كان المدَّعِي يحيط بالشـيء دون المدَّعَى عليه ردت عليه اليمين، وإن كان العكس لا ترد، فيحكم له بنكول المدَّعَى عليه.

مثلًا: إذا جاء رجل إلى ورثة ميت يدعي عليه فقال: أنا أدعي على مورثكم ألف ريال، فقال الورثة: ليس لك شـيء، فنقول للمدعي: ألك بينة؟ قال: ما عندي بينة، ولكن اجعلهم يحلفون أنه ما في ذمة مورثكم لي شـيء، فقال الورثة: لا نحلف، فهل يحكم عليهم؟ على ظاهر كلام الحنابلة يحكم عليهم، وعلى القول الذي أشـرت إليه يقال للمدعي: هذا الشـيء تحيط به علمًا، والمدَّعَى عليهم لا يحيطون به علمًا، فعليك اليمين)[3]، وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

قال الشـيخ ابن عثيمين: (ولو قال قائل بأن هذا يرجع إلى نظر الحاكم واجتهاده، لا فيما يحيط به المدَّعِي والمدَّعَى عليه علمًا، ولا فيما لا يحيطان به علمًا، فكان هذا له وجه قوي؛ لأن القاضـي قد يعلم من قرائن الأحوال أن المدَّعِي مخطئ فيرى أن رد اليمين عليه متأكد...)[4].

مسألة: هل اليمين مزيل للحق؟

الجواب: اليمين ليس مزيلًا للحق، بل هو لإنهاء الخصومة، فإذا حكم له بيمينه، ثم أثبت المدَّعِي البينة بعد الحكم قبلت البينة وحكم له بها.

ثالثًا: الإقرار:

[تمهيد]

معناه: لغة: الإثبات

وشـرعًا: إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه.

مشـروعيته: الإقرار ثابت من الكتاب والسنة والإجماع:

أما (الكتاب): فقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ [النساء:135]، وشهادة الإنسان على نفسه: إقرار.

وأما (السنة): فكما تقدم في حد الزنا أن النبي ﷺ قال في قصة العسـيف الذي زنا بالمرأة: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»[5].

وأما (الإجماع): فقد أجمعت الأمة على صحة الإقرار، وكونه حجة إلى يومنا هذا.

والإقرار قد يكون صـريحًا، وقد يكن ضمنيًّا:

فمثال الصـريح أن يقول: لفلان عليَّ ألف جنيه، أو يُسأل: هل لفلان عليك ألف جنيه؟ فيقول: نعم.

ومثال الضمني: أن يقول له قائل: لي عليك ألف جنيه، فيقول: قد قضـيتها، أو يقول: إنك وهبتها لي، فهذا يثبت ضمنًا أنه أخذ ألف الجنيه، ويبقى بعد ذلك النظر في إتيانه بالبينة التي تثبت القضاء أو الهبة.

شروط صحة الإقرار:

(1) أن يكون المقر مكلفًا، وهو العاقل البالغ، فلا يصح من مجنون، ولا من صبي، إلا فيما يصح تصـرفه فيه مما جرت العادة به كالأشـياء الصغيرة.

(2) أن يكون مختارًا غير مكره.

(3) ألا يكون محجورًا عليه، وهو الممنوع من التصـرف، وقد يكون الحجر لحَظِّ نفسه؛ كالمجنون والصغير والسفيه، فلا يصح إقرارهم؛ لأنهم ممنوعون من التصـرف، وأما المحجور عليه لحَظِّ غيره -وهو المفلس- فيصح إقراره قبل الحجر، ولا يصح إقراره بدين أو حق وجب بعد الحجر، وأما إقراره فيما ليس بحق؛ كإقراره بالزواج، أو بالطلاق، أو النسب، أو غير ذلك مما لا يتعلق بحق الغرماء؛ فإقراره صحيح.

أنواع الإقرار:

قد يكون الإقرار فيما يتعلق بحق الله، وقد يكون فيما يتعلق بحق الآدمي:

(1) فيما يتعلق بحق الله: كحد الزنا والسـرقة وشـرب الخمر، ففيه خلاف بين العلماء؛ هل يشترط تكرار الإقرار، أو يكفي إقراره مرة واحدة؟ والصواب أنه يكفي الإقرار مرة واحدة على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد بينت ذلك في أبوابها، مع بيان خلاف العلماء في ذلك.

(2) أما الإقرار فيما يتعلق بحق الآدمي: فلا خلاف أنه يكفي مرة واحدة، ويشترط في ذلك أن يكون المُقَر له (صاحب الحق) معلومًا، وألا يتعلق به حق الغير، وأما الشـيء المقر به إذا كان مجهولًا فإنه لا يمنع من صحة الإقرار؛ كأن يقول: لفلان عليَّ حق، فيصح إقراره، ثم يطالب ببيان هذا الحق المجهول.

الإقرار في حالتي الصحة والمرض:

المقصود بحال الصحة: أنه غير مريض، أو مريض مرضًا غير مخوف، أي: غير مرض الموت.

والمقصود بحال المرض: أنه المريض مرض الموت. ومعنى «مرض الموت» المرض الذي يعجز صاحبه عن ممارسة أعماله المعتادة، ويكون مما يخاف منه الموت غالبًا، وأن يتصل به الموت فعلًا، فهذه ثلاثة شـروط لا بد من توفرها ليحكم به أنه مرض الموت، فإذا لم يمت من مرضه مثلًا فلا يحكم عليه شـرعًا أنه تصـرف في مرض الموت، وبناء على ما تقدم نقول:

(1) يصح الإقرار من الإنسان في حالة الصحة؛ سواء كان الإقرار لوارث أو لأجنبي.

(2) في حال المرض: إذا أقر لوارثه بمال لا يقبل تصـرفه، إلا أن يكون هناك سبب ظاهر عليه بينة؛ كأن يكون اشترى منه شـيئًا، ولم يوف ثمنه مثلًا، فيصح إقراره، وإن أقر لأجنبي بمال صح إقراره، وهذا مذهب الحنابلة والحنفية.

وأما مذهب الشافعية: فيصح إقرار المريض لوارث، ولأجنبي؛ لأن من صح إقراره في صحته صح إقراره في مرضه، ولأن الأصل أنه محق في إقراره، ولأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب، ويتوب فيها الفاجر.

ومذهب المالكية قريب من مذهب الشافعية؛ إذ إنهم يرون صحة إقرار المقر في حالة المرض إذا لم يتهم في إقراره، فإن كان في إقراره ما يدل على التهمة لم يقبل، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.

رابعًا: القضاء بالقرائن:

القرينة: لغة: العلامة الدالة على الشـيء.

واصطلاحًا: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شـيئًا خفيًّا فتدل عليه.

ويلاحظ أن جمهور الفقهاء لا يحكمون بالقرائن في الحدود؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وكذلك في القصاص للاحتياط في موضوع الدماء.

طريقة الحكم بالقرائن ترجع إلى فطانة القاضـي، وتأمله لأحوال المتخاصمين؛ كما قضـى سليمان عليه السلام للمرأة بابنها، لما اختصمت إليه المرأتان، فقال: ائتوني بسكين أشقه بينكما، فصـرخت الصغرى، وقالت: هو ابنها، فحكم لها بقرينة الأمومة والشفقة التي منعتها من قتل ولدها.

وكذلك فإن الشـرع قضـى لصاحب اللقطة أنها له إذا عرفها، فجعل تعريفه لها علامة تدل على صدقه، وأنه صاحبها. وجعل إنبات الشعر حول القبل علامة البلوغ.

كما يعد العلماء وجود دم الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل، وغير ذلك من الأمارات والعلامات الدالة على اعتبار القرائن في الأحكام.

وقد تكون القرائن دليلًا على رفض دعوى المدَّعِي؛ كأن يدعي فقير لا مال معه أنه أقرض غنيًّا موسـرا مالًا كثيرًا، وقد مر بنا أن وجود التهمة علامة على عدم قبول شهادة الشاهد، كأن يشهد لأبيه أو لابنه.

قال ابن القيم: (فمن أهدر الأمارات والعلامات في الشـرع بالكلية، فقد عطل كثيرًا من الأحكام، وضـيَّع كثيرًا من الحقوق)[6].

خاتمة الكتاب

وهذا آخر ما يسـر الله لي جمعه من هذا الكتاب، وهو خاتمة كتابي: (الخلاصة في فقه الكتاب وصحيح السنة)، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، سائلًا الله أن يجعله خالصًا لوجهه، ويتقبله مني، وأن ينفع به المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة