حجم الخط:

محتوى الدرس (44)

ما يباح في الصلاة

يباح في الصلاة:

(1) يباح المشي في الصلاة لعلة تحدث:

عن الأزرق بن قيس أنه رأى أبا برزة رضي الله عنه يصلي وعِنان دابته في يده، فلما ركع انفلت العنان من يده، وانطلقت الدابة، فنكص على عقبيه، ولم يلتفت حتى لحق الدابة، فأخذها، ثم مشـى كما هو، ثم أتى مكانه الذي صلى فيه فقضـى صلاته فأتمها ثم سلم، قال: «إني قد صحبت رسول الله في غزو كثير، فرأيت من رخصه وتيسـيره، وأخذت بذلك، ولو أني تركت دابتي حتى تلحق بالصحراء، ثم انطلقت شـيخًا كبيرًا أخبط الظلمة كان أشد عليَّ»[1].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يصلي في البيت والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت، فمشـى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه، ووصفت أن الباب في القبلة[2].

وكما يجوز المشـي للأمام يجوز المشـي القَهقَرَى لعلة تحدث؛ فعن أنس بن مالك قال: (إن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بهم، لم يفجأهم إلا رسول الله قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة، فأشار إليهم رسول الله بيده أن أتموا صلاتكم)[3]. ويشترط في المشـي في الصلاة أن لا ينحرف عن القبلة.

(2) يباح حمل الأطفال في الصلاة:

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «رأيت النبي ﷺ يؤم الناس، وعلى عاتقه أمامة بنت زينب، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها»[4].

(3) قتل الحية والعقرب في الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الأسودين في الصلاة: العقرب والحية»[5].

ويجوز كذلك قتل الحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور، وهو في الصلاة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما: حدثتني إحدى نسوة النبي أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحُدَيا، والغراب، والحية، قال: وفي الصلاة أيضًا[6].

قال ابن حزم رحمه الله: (فإن تأذى بوزغة أو برغوث أو قملة؟ فواجب عليه دفعهن عن نفسه، فإن كان في دفعه قتلهن دون تكلف عمل شاغل عن الصلاة فلا حرج في ذلك)[7].

(4) الالتفات في الصلاة للحاجة:

عن جابر رضي الله عنه قال: اشتكى رسول الله ، فصلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا[8]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي ﷺ يصلي يلتفت يمينًا وشمالًا، ولا يلوى عنقه خلف ظهره»[9].

وأما إذا كان الالتفات لغير حاجة فإنه مكروه؛ لأنه ينافي الخشوع؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله عن الالتفات في الصلاة، فقال: «اختلاس يختلسه الشـيطان من صلاة العبد»[10]. وهذا الالتفات المكروه يكون بالوجه بشـرط عدم التحول بالبدن، فإن تحول ببدنه عن القبلة بطلت صلاته اتفاقًا؛ ففي حديث الحارث الأشعري: «أن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر الناس أن يعملوا بهن»، وفيه: «وإن الله أمركم بالصلاة؛ فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت»[11].

(5) البكاء والأنين:

عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز المِرْجَل من البكاء»[12]. ومعنى «أزيز المرجل» أي: صوت القِدْر.

وعن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، وما فينا قائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة؛ يصلي ويبكي حتى أصبح»[13].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما اشتد برسول الله وجعه، قيل له: الصلاة، قال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس»، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، فقال: «مروه فليصل...» الحديث[14].

(6) التسبيح للرجال والتصفيق للنساء:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء»، زاد في رواية: «في الصلاة»[15]. وفي بعض الروايات: (التصفيح) بدلا من التصفيق[16]. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي قال: «من نابه شـيء في صلاته فليسبح؛ فإنما التصفيق للنساء»[17]. قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: من نابه شـيء في صلاته: أي نزل به شـيء من الحوادث والمهمات، وأراد إعلام غيره؛ كإذنه لداخل، وإنذاره لأعمى، وتنبيهه لساهٍ أو غافل)[18].

(7) الفتح على الإمام:

عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصـرف قال لأبي: «أصليت معنا؟»، قال: نعم، قال: «فما منعك؟»[19]. قال الشوكاني رحمه الله: [20] (والأدلة قد دلت على مشـروعية الفتح مطلقًا؛ فعند نسـيان الإمام الآية في القراءة الجهرية يكون الفتح عليه بتذكيره تلك الآية كما في حديث الباب، وعند نسـيانه لغيرها من الأركان يكون الفتح بالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء)[21].

(8) الإشارة في الصلاة لرد السلام:

يجوز للمصلي أن يرد السلام بالإشارة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قلت لبلال: كيف كان رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: يشـير بيده»[22].

وطريقة الإشارة أن يجعل بطن يده إلى الإرض وظهرها إلى أعلى؛ ففي رواية من حديث ابن عمر أنه سأل بلالًا: كيف رأيت رسول الله يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه في الصلاة؟ فقال: يقول: هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه؛ وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق.

وكما تكون الإشارة باليد، تكون كذلك بالإصبع؛ فعن صهيب رضي الله عنه قال: «مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد علي إشارة، ولا أعلم إلا أنه قال بإصبعه»[23].

(9) الإشارة المفهمة عن المصلي للحاجة تعرض:

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الركعتين بعد العصـر، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصـر، ثم دخل علي وعندي نسوة من بني حرام، فأرسلتُ إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه، وقولي له: تقول لك أم سلمة: يا رسول الله، سمعتك تنهى عن هاتين، وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصـرف قال: «يا بنت أبي أمية: سألت عن الركعتين بعد العصـر؛ فإنه أتاني ناس من بني عبد قيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان»[24].

وقد ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم؛ فعن معاذة العدوية أن عائشة أم المؤمنين كانت تأمر خادمتها أن تقسم المرقة، فتمر بها وهي في الصلاة، فتشـير إليها أنْ زِيدي، وتأمر بالشـيء للمسكين تومئ به وهي في الصلاة. وعن خيثمة بن عبد الرحمن قال: رأيت ابن عمر يشـير إلى أول رجل في الصف -ورأى خللًا- أنْ تَقدم. وعن معاذة العدوية عن عائشة أم المؤمنين أنها قامت إلى الصلاة في درع وخمار، فأشارت إلى الملحفة، فناولتها، وكان عندها نسوة، فأومات إليهن بشـيء من طعام بيدها، تعني وهي تصلي. وعن أبي رافع قال: كان يجيء الرجلان إلى الرجل من أصحاب رسول الله وهو في الصلاة، فيشهدانه على الشهادة، فيصغي لها سمعه، فإذا فرغا، يومئ برأسه أي نعم[25].

(10) يجوز أن يحمد الله إذا رأى أو سمع ما يشرع فيه ذلك:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فصلى الظهر، ثم أتاهم ليصلح بينهم، ثم قال لبلال: «يا بلال، إذا حضـرت صلاة العصـر ولم آت، فمر أبا بكر فليصلِّ بالناس»، فلما حضـرت العصـر أذن بلال ثم أقام، ثم قال لأبي بكر: تقدم، فتقدم أبو بكر فدخل في الصلاة، ثم جاء رسول الله ﷺ، فجعل يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر، قال: وصفح الناس، وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لا يلتفت، فلما رأى أبو بكر التصفيح لا يمسك عنه التفت، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أي امض، فلما قال ثبت أبو بكر هنيهة يحمد الله على قول رسول الله ﷺ: امضه...» الحديث[26]. وفيه دليل على جواز حمد الله في الصلاة.

وهل يجوز أن يحمد الله في الصلاة إذا عطس؟

ذهب الشوكاني في نيل الأوطار إلى جواز ذلك، قال: ويؤيد ذلك عموم الأحاديث الواردة بمشـروعيته؛ فإنها لم تفرق بين الصلاة وغيرها[27]. وقال ابن حزم رحمه الله: (في هذا الحديث إباحة التسبيح على كل حال، وإباحة حمد الله تعالى على كل حال)[28].


(11) البصق والتنخم في الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه؛ فإنه يناجي ربه ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن شماله، أو تحت رجله فيدفنه»[29].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى نخامة في المسجد قبلة المسجد، فأقبل عليها، فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: «أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟» قال: فخشعنا، ثم قال: «أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟» فقلنا: لا أينا يا رسول الله، قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، تحت رجله اليسـرى، فإن عجلت به بادرة، فليقل بثوبه هكذا، ورد بعضه على بعض» الحديث[30].

(12) منع المصلي من يمر بين يديه:

على المصلي أن يمنع من يمر بين يديه حتى لا يقطع عليه صلاته؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال: «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع؛ فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شـيطان»[31].

(13) مسائل أخرى:

* الترويح لمن آذاه الحر، وكذلك مسح العرق: قال ابن حزم رحمه الله: (ومن ذلك إماطته عنه كل ما يؤذيه ويشغله عن توفية صلاته حقها، وكذلك سقوط ثوب، أو حك بدن، أو قلع بثرة، أو مس ريق، أو وضع دواء، أو رباط مُنحل؛ إذا كان كل ذلك يؤذيه، فواجب عليه إصلاح شأنه ليتفرغ لصلاته).

* ومن ركب على ظهره صغير وهو يصلي، فتوقف لذلك، فحسن.

* ومن استراب بتطويل الإمام في سجوده، فليرفع رأسه؛ ليستعلم هل خفي عنه تكبير الإمام أو لا؛ لأنه مأمور باتباع الإمام، فإن رآه لم يرفع فليعد إلى السجود ولا شـيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به من مراعاة حال الإمام. عن شداد رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حسنًا أو حسـينًا، ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، فرفعت رأسـي، فإذا الصبي على ظهره عليه السلام وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضـى رسول الله صلاته قال أناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك؟ فقال رسول الله : «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضـي حاجته»[32].

* وتحريك من خشـى المصلي نومه، وإدارة من كان على اليسار إلى اليمين، مباح كل ذلك في الصلاة.

* ويدعو المصلي في صلاته؛ في سجوده وقيامه وجلوسه بما أحب مما ليس بمعصـية، ويسمي في دعائه من أحب، وقد دعا رسول الله على عُصـية ورِعْل وذكوان، ودعا للوليد بن الوليد، وعياش بن أبي عياش، وسلمة بن هشام يسميهم، وما نهى عليه السلام قط عن هذا.

* وكل منكر رآه المرء في صلاته مفروض عليه إنكاره، ولا تنقطع بذلك صلاته؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق، وفاعل الحق محسن، ما لم يمنع من شـيء منه نص أو إجماع؛ ومن ذلك: إطفاء النار المشتعلة، وإنقاذ الصغير والمجنون والمقعد والنائم؛ من نار، أو من سبع، أو إنسان عادٍ، أو من سـيل، وكذلك من خاف على ماله، أو سـرقت نعله أو خفه أو غير ذلك، فله أن يتبع السارق فينتزع منه متاعه)[33].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة