حجم الخط:

محتوى الدرس (105)

زكاة الأرض الخراجية:

يقسم العلماء الأرض إلى قسمين: (عُشـرية وخَراجية):

فالأرض العشـرية:

هي إحدى هذه الأنواع الآتية:

(أ) كل أرض أسلم عليها أهلها، فهم مالكون لها.

(ب) كل أرض أخذت عَنْوة (أي: بالقوة) فلم يجعلها الإمام فيئًا (أي: لم يجعلها ملكًا للدولة)، بل جعلها غنيمة؛ بأن قسمها بين الفاتحين لتصـير الأرض ملكًا لهم.

(جـ) كل أرض لا مالك لها، أقطعها الإمام لبعض الرعية.

(د) كل أرض «مَوَات» أحياها رجل من المسلمين بالماء والنبات.

والأرض الخراجية:

هي إحدى نوعين من الأرض:

(أ) أرض فُتحت صُلحًا فبقيت في ملك أصحابها.

(ب) أرض فتحت عنوة، وجعلها الإمام فيئًا؛ أي: ملكا للدولة، مع إبقاء يد أصحابها عليها دون أن يملكوا عين الأرض. فهذه الأرض يفرض على أصحابها «الخراج» حسب ما يراه الإمام، وهذا الخراج مقابل إيجار نظير انتفاع أصحاب هذه الأراضـي بها.

ولا خلاف بين العلماء أن القسم الأول (الأرض العشـرية) تجب الزكاة في زرعها حسب ما بيناه في الفصول السابقة، وإنما الخلاف في الأرض الخراجية؛ هل يجب إخراج العشـر أيضًا مع الخراج؟

فالذي ذهب إليه الجمهور هو وجوب العشـر في الأرض الخراجية مع الخراج؛ لعموم الأدلة في وجوب زكاة الزرع؛ كقوله ﷺ: «فيما سقت السماء العشـر...» ولم يفرق بين أرض وأرض. وأيضًا فسبب الخراج غير سبب العشـر؛ فالعشـر عبادة، والخراج اجتهاد يراه الحاكم مصلحة، فهو نظير تأجير الأرض وانتفاع الزارع بها، كما أن مخرج الزكاة في المصارف الثمانية يختلف عن مخرج الخراج؛ فالخراج للمصالح العامة للدولة، وإعطاء الرواتب للقائمين على شئونها، والإنفاق على الجند، ونحو ذلك. وأما الزكاة فهي تصـرف للمصارف الثمانية المذكورة في سورة «التوبة»[1].

واستدل الحنفية بأدلة لا تناهض رأي الجمهور. ولا يكفى هذا المختصـر لذكر أدلتهم، فيمكن مراجعته في الكتب المطولة. والراجح ما ذهب إليه الجمهور من وجوب العشـر مع الخراج في الأرض الخراجية.

تقدير النصاب في النخيل والأعناب بالخَرْص:

عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ: «اخرصوا»، وخرص رسول الله ﷺ عشـرة أوسق، فقال لها: «أحصـي ما يخرج منها»[2].

وعن عائشة رضي الله عنها وهي تذكر شأن خيبر: «كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه»[3].

«والخرص» هو التقدير باجتهاد الساعي الأمين؛ بحيث يقدر ما على النخل والشجر من الثمار والعنب، ثم يقدره تمرًا أو زبيبًا ليعرف مقدار الزكاة منه، ويكون هذا الخرص بعد بدو صلاحه، والثمار على النخيل والأعناب.

والحكمة من ذلك: إحصاء الزكاة ومعرفة قدرها قبل أن تؤكل الثمار؛ فإن العادة جرت بأكل الثمار رطبًا. وعلى هذا فيلاحظ ما يأتي:

أولًا: يكون الخرص إذا بدا الصلاح، وبدو صلاحه بأن يحمر التمر أو يصفر، وبأن يبدأ جريان الحلاوة في العنب.

ثانيًا: يجزئ أن يكون الخارص واحدًا، ويعتبر أن يكون أمينًا غير متهم، عارفًا بما يمكن أن يقدر به الثمار.

ثالثًا: على الخارص أن يدع في تقديره قدر ما يأكلون، ويقدره بعضهم بالثلث، فإن لم يفعل فليدع لهم الربع؛ توسعةً على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضـيافهم، ويطعمون جيرانهم وأهليهم وأصدقاءهم، واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع»[4]، لكنه حديث ضعيف فيه رجل مجهول.

رابعًا: قال ابن قدامة رحمه الله: (إذا ادَّعى رب المال غلط الخارص، وكان ما ادعاه محتملًا؛ قُبِل قوله بغير يمين، وإن لم يكن محتملًا مثل أن يدَّعي غلط النصف ونحوه، لم يقبل منه، وإن قال: لم يحصل في يدي غير هذا، قُبِل منه بغير يمين؛ لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها)[5].

خامسًا: إن لم يخرج الإمام خارصًا كما هو الحال في زماننا، فقد أفاد ابن قدامة في المغني[6] أنه يخرج هو خارصًا يقدر ذلك، وإن خرص هو بنفسه جاز، ويحتاط في أن لا يأخذ أكثر مما له أخذه.

سادسًا: الخرص إنما يكون في النخيل، ويلحق به الأعناب فقط، وأما الحبوب فلا خرص فيها.

سابعًا: صفة الخرص: أن يطوف بالشجرة، ويرى جميع ثمرتها، ويقول: خرصها كذا وكذا رطبًا، ويجيء منه كذا وكذا يابسًا.

زكاة العسل:

الصحيح الذي عليه الجمهور -فيما حكاه ابن عبد البر عنهم- أنه لا زكاة في العسل؛ قال ابن المنذر: (ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت، ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وهو قول الجمهور). قال البخاري رحمه الله: (ليس في زكاة العسل شـيء يصح). وقال الشافعي رحمه الله: (واختياري ألا يؤخذ منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست ثابتة فيه، فكان عفوًا).

وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أن في العسل زكاة؛ مستدلين على ذلك بما رواه أبو داود: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء هلال أحد بني مُتعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي واديًا يقال له: «سلَبة»، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك، فكتب عمر: إن أدَّى إليك ما كان يؤدِّي إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله فاحم له سلبه، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء[7].

والحديث إن صح لا يدل على وجوب زكاة العسل. وأفاد الشوكاني في الرد على دليل من أوجب زكاة العسل بأن الحديث لا يدل على وجوب الزكاة؛ لأنه تطوع به، وحمى له بدل ما أخذ، وعَقَلَ عمرُ العلةَ فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في ذلك[8].

فالراجح في ذلك هو قول الجمهور أنه لا زكاة في العسل.

قال الخطابي رحمه الله: (وقوله: «حمى له الوادي»؛ معناه: أن النحل إنما ترعى من البقل والنبات أنوارها...، فإذا حُميت مراعيها أقامت فيها، وأقبلت تعسل في الخلايا، فكثرت منافع أصحابها، وإذا شوركت في تلك المراعي نفرت من تلك المواضع، وأمعنت في طلب المرعى فيكون ريعها حينئذ أقلَّ.

وقد يحتمل ذلك وجهًا آخر؛ وهو أن يكون ذلك بأن يحمى لهم الوادي الذي يعسل فيه، فلا يُترك أحد أن يتعرض للعسل فيشتاره؛ وذلك أن سبيل العسل سبيل المياه والمعادن والصـيود، وليس لأحد عليها مِلْك، وإنما تملك باليد لمن سبق إليها، فإذا حمى له الوادي، ومنع الناس يجتازه هؤلاء القوم، وجب عليهم بحق الحماية إخراج العشـر منه، ويدل على صحة هذا التأويل قوله: «فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء»[9].

رابعًا: زكاة الرِّكاز:

تعريف الرِّكاز:

جدول 58 - من مسائل زكاة عروض التجارة والركاز

قال الإمام مالك رحمه الله: (الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعت أهل العلم يقولونه: إن الرِّكاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه نفقة، ولا كبير عمل، ولا مؤونة)[10]. وقال أبو حنيفة رحمه الله: هو اسم لما ركزه الخالق أو المخلوق. وروى الأزهري عن الشافعي رحمه الله أنه قال: (الذي لا أشك فيه أن الرِّكاز دفن الجاهلية، والذي أنا واقف فيه: الرِّكاز في المعدن)[11].

قلت: يعني لا يجزم بكون المعدن ركازًا، فقد وقع خلاف بين أهل اللغة في حقيقة الرِّكاز؛ فالعراقيون يرون أن الرِّكاز: المعادن كلها، والحجازيون يرون ذلك في دفن الجاهلية فقط، وقول الحجازيين هو الأرجح؛ لما ورد في الحديث: «.. والمعدن جرحها جُبار، وفي الرِّكاز الخمس»[12]. ففرق بين المعدن والرِّكاز، ومعنى «جُبار»: هَدَر.

مشروعية زكاة الرِّكاز:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «العجماء جرحها جُبَار، والبئر جُبَار، والمعدن جُبَار، وفي الرِّكاز الخمس»[13]. وفي قوله: «المعدن جُبَار» قولان:

أحدهما: أنه إذا استأجر من يحفر له معدنًا، فسقط عليه فقتله، فهو جُبَار، ويؤيد هذا القولَ: اقترانه بقوله: «البئر جُبَار، والعجماء جُبَار».

الثاني: أنه لا زكاة فيه، ويؤيد هذا القول: اقترانه بقوله: «وفى الرِّكاز الخمس» ففرق بين المعدن والرِّكاز[14].

ويتعلق بذلك مسائل:

أولًا: نوع الرِّكاز:

الجمهور على أنه يشمل كل مال دُفن ورُكز في الأرض من دفن الجاهلية؛ من ذهب وفضة ونحاس ورصاص وآنية، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة وأحد قولي الشافعي. وله قول آخر: أن الخمس لا يجب إلا في الأثمان (الذهب والفضة).

والقول الأول أرجح؛ لعموم قوله ﷺ: «وفي الرِّكاز الخمس».

ثانيًا: على من يجب الخمس؟

ذهب الجمهور إلى أن الخمس على واجده؛ سواء أكان مسلمًا أو ذميًّا، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا. وهذا هو الراجح؛ لعموم قوله ﷺ: «وفي الرِّكاز الخمس»، ويدل بمفهومه على أن باقيه (أربعة أخماس) لواجده.

ثالثًا: هل يشترط النِّصاب، أو هل للركاز نصاب؟

ظاهر الحديث عدم اعتبار النِّصاب، وأنه يجب الخمس فيما وجده من كنوز الجاهلية؛ سواء كان قليلًا أو كثيرًا.

قال الشـيخ الألباني رحمه الله: (والظاهر من إطلاق الحديث: «وفي الرِّكاز الخمس» عدم اشتراط النِّصاب)[15]، وهو مذهب الجمهور، واختاره ابن المنذر والصنعاني والشوكاني، وغيرهم.

رابعًا: مصرف الرِّكاز:

لم يحدد الحديث مصـرف الرِّكاز، لذا اختلف الفقهاء في مصـرفه: هل يصـرف مصـرف الزكاة، أم يصـرف مصـرف الفيء؛ أي: في المصالح العامة؟

واعتمد كل فريق على بعض الروايات ولكنها لا تصح، فالصحيح من ذلك أن يترك الأمر حيث ما تقتضـيه المصلحة. لذا فقد أفاد شـيخنا الألباني أن مصـرفه يرجع إلى رأي إمام المسلمين؛ يضعه حيثما تقتضـيه مصلحة الدولة، ثم قال: وهو الذي اختاره أبو عبيد في (الأموال)[16].

خامسًا: وقت إخراج الخمس:

ظاهر الحديث أنه لا يشترط الحول، بل متى وجد الرِّكاز فقد وجب فيه الخمس، وهذا لا خلاف فيه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة