حجم الخط:

محتوى الدرس (165)

كتاب الخُلع

خريطة ذهنية لأحكام الخلع

جدول 85 كتاب الخلع

معناه:

لغة: فراق الزوجة على مال، مأخوذ من خَلع الثوب؛ لأن المرأة لباس الرجل معنى[1].

وشـرعًا: فراق الرجل زوجتَه ببذل قابل للعوض يحصل لجهة الزوج[2]. ويقال له: (فداء)؛ لأن المرأة تفتدي نفسها من زوجها.

دليل مشـروعيته:

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ: «فتردين عليه حديقته؟» فقالت: نعم، فردَّت عليه، وأمره بفراقها[3].

شروط الخلع:

اعلم أنه لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها من غير سبب؛ لما ثبت في الحديث عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة»[4]. وعلى هذا فإنها لا تطلب الطلاق إلا بشـرط أن يخافا ألا يقيما حدود الله، وبيان ذلك: أن تكره المرأة زوجها بسبب ما فتخاف ألا تؤدي حق الله في طاعة زوجها.

قال ابن قدامة رحمه الله: (وجملة الأمر أن المرأة إذا كرهت زوجها لخَلْقه أو خُلُقه، أو دينه، أو كبره، أو ضعفه، أو نحو ذلك، وخشـيت ألا تؤدي حق الله في طاعته؛ جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229])[5].

هل الخلع فسخ أو طلاق؟

اختلف أهل العلم في ذلك؛ فيرى بعضهم أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ويرى آخرون أنه فسخ للنكاح وفُرقة بائنة، ولكنه ليس من الطلاق الثلاث، وهذا مذهب أحمد والقول الآخر للشافعي واختيار طائفة من أصحابه، وهو قول جمهور فقهاء الحديث؛ كإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة؛ فعن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة[6]. وهو الثابت عن ابن عباس وأصحابه، وعن ابن عمر رضي الله عنهم [7].

ومعنى هذا: أنه لو طلقها تطليقتين، ثم خالعها، فهل يجوز أن تعود إليه؟

الجواب: نعم؛ لأنه بقي له طلقة، وهو لم يطلقها، بل فسخ النكاح.

وقد وردت آثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم تخالف ما ذهب إليه ابن عباس، لكنها كلها لا تصح، ولم يصح في الباب من الآثار إلا أثر ابن عباس وابن عمر، وقد ثبت عن عثمان رضي الله عنه أنه أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة. قال ابن تيمية رحمه الله: (ولو كانت مطلقة لوجب عليها أن تتربص ثلاثة قروء)[8].

قلت: أما أثر ابن عباس فقد رواه عبد الرزاق بسنده أن طاوسًا قال: كنت عند ابن عباس، إذ سأله إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، فقال: إني أُستعمل هاهنا -وكان ابن الزبير يستعمله على اليمن على السعايات[9]- فعلمني الطلاق؛ فإن عامة تطليقهم الفداء، فقال ابن عباس: ليست بواحدة، وكان يجيزه؛ يفرق به، قال: وكان يقول: إنما هو الفداء، ولكن الناس أخطؤوا اسمه، فقال لي حسن بن مسلم: قال طاوس: فراددت ابن عباس بعد ذلك، فقال: ليس الفداء بتطليق، قال: وكنت أسمع ابن عباس يتلو في ذلك: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، ثم يقول: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ، ثم ذكر الطلاق بعد الفداء، قال: وكان يقول: ذكر الطلاق قبل الفداء وبعده، وذكر الله الفداء بين ذلك، فلا أسمعه ذكر في الفداء طلاقًا، قال: وكان لا يراه تطليقة[10]. ومعنى هذا أن الله ذكر الطلاق في أول الآية فقال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ، ثم ذكر الخلع، ثم ذكر الطلقة الثالثة، فقال: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، فلو كان الخلع طلاقًا لكان أربع تطليقات.

قلت: ومن الأدلة أيضًا: حديث الرُّبيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألته: ماذا عليَّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إلا أن تكوني حديثة عهد به، فتمكثي حتى تحيضـي حيضة، قال: وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية[11]؛ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه[12].

تنبيه: يرى بعض العلماء أن الخلع طلاق؛ لما ثبت في بعض روايات حديث ثابت بن قيس أن الرسول ﷺ قال له: «اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة»، وهذه الرواية وإن كانت في صحيح البخاري؛ فإنها من رواية أزهر بن جميل، قال البخاري في آخره: لا يتابع فيه عن ابن عباس، أي: أن البخاري يرى أن الصواب عن عكرمة مرسلا.

قلت: الرواية المحفوظة ما تقدم بلفظ: «وأمره بفراقها»، وليس فيه الأمر بالتطليق.

ألفاظ الخلع:

اعلم أن الخلع بذل عوض لتفتدي به المرأة نفسها، والألفاظ الواردة في ذلك لها صـيغ:

(أ) أن يخلعها بلفظ الطلاق الصـريح؛ كأن يقول: طلقتك (ويكون ذلك على عوض).

(ب) أن يخلعها بلفظ كناية الطلاق مع قصده وقوع الطلاق؛ كأن يقول: حررتها بألف جنيه مثلًا، وينوي بذلك فراقها.

(جـ) أن يخلعها بلفظ (الخلع) أو (الفسخ) أو (الفداء)، ولا ينوي طلاقًا.

(د) أن يخلعها بلفظ (الخلع) أو (الفسخ) أو (الفداء) وينوي الطلاق.

وبناءً على هذه الألفاظ اختلف العلماء في الأثر المترتب عليها على ثلاثة أقوال:

الأول: قالوا: هو طلاق بكل حال وبأي لفظ، يعني: أنه يحسب من الطلقات.

الثاني: جعلوا الحالات ، ب، د) طلاقًا، والحالة رقم (جـ) فقط فسخًا.

الثالث: وهو الراجح: أن كله فسخ بأي لفظ كان، وبأي نية كانت، فهو (فسخ) لأنه في مقابل عوض، وقد سماه الله فداء، ولم يفرق بين لفظ ولفظ، ولا عبرة باللفظ، وإنما العبرة بالمعاني، فإذا كانت المرأة قد بذلت المال فداء لنفسها فهو فسخ وليس بطلاق، وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[13].

وقد يقال: إن الزوج إذا صـرح بالطلاق لفظًا، ونواه بقلبه معنى وقع الطلاق، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.

ويتفرع عن حكم الخلع المسائل الآتية:

(1) اعلم أن الخلع يجوز والمرأة حائض، ويجوز أن يختلعها في طهر قد جامعها فيه، فليس هناك خلع بدعيٌّ وسنيٌّ كما هو الحال في الطلاق.

(2) المختلعة ليس عليها عدة، بل تستبرأ بحيضة واحدة، وقد تقدم ذلك عن عثمان رضي الله عنه.

(3) لا يملك الزوج الرجعة على المختلعة، بل لا بد من تجديد العقد، ورضا الزوجة.

(4) لو طلقها بعدما اختلعت منه، فقال لها: أنت طالق، مواجهة أو غير مواجهة، فالطلاق لا يقع؛ لأن الطلاق لا يكون إلا على زوجة، وقد انفسخ عقد الزوجية بينهما.

(5) لو اشترط في الخلع الرجعة متى شاء؛ كأن يقول لها: خالعتك، لكن لي أن أرجع في الخلع فأعطيك العوض، فهل يصح هذا؟ فيه أقوال؛ وقد رجح الشـيخ ابن عثيمين: أن الخلع صحيح، والشـرط فاسد؛ لأنه شـرط باطل.

(6) لو تكرر الخلع مثلًا ثلاث مرات، أو أربع أو أكثر، هل تحرم عليه؟

الجواب: لا تحرم عليه؛ لأنه فسخ وليس بطلاق.

هل يجوز للزوج إعضالها لتختلع؟

قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19].

وعلى هذا فإنه إن أعضلها من غير ما سبب كان ظالمًا لها، ويكون فعله هذا محرمًا، ولا يحل له أخذه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:229]. لكنه يجوز إعضالها في الحالات الآتية:

(أ) إن زنت جاز له أن يضـيق عليها لتختلع؛ كما قال تعالى في الآية: ﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ، ويرى ابن عثيمين أنه يجوز له إعضالها كذلك إذا خرجت تكلم الشباب، أو كانت تتكلم معهم في الهاتف.

(ب) وكذلك إن تركت فرضًا من فرائض الله؛ كتركها للصلاة أو الصـيام أو الزكاة، أو ترك الحجاب، فله أن يعضلها إذا لم يكن لإصلاحها سبيل، وأما إن كان يمكن أن يربيها وتبقى وهو يرغب فيها، فلا حرج[14].

(جـ) إذا نشـزت بأن عصت زوجها فيما يجب عليها، ولم يمكنه إصلاحها، جاز له إعضالها لتفتدي[15].

الآثار المترتبة على الخلع:

يترتب على الخلع آثار:

الأول: الفراق، وقد تقدم أن الصحيح أنه فسخ وليس طلاقًا.

الثاني: العوض (وهو بذل المال)، ويتعلق به أمور:

(1) يصح أن يكون العوض من الزوجة نفسها، وهو لا خلاف فيه. ولكن هل يجوز لإنسان أن يطلب من آخر طلاق زوجته مع بذله العوض له؟

الجواب: فيه تفصـيل؛ إن كان لمصلحة الزوجة فجائز؛ كأن يكون الزوج لا دين له ولا خُلق، والمرأة صالحة، فهو يريد أن ينقذها من يده، ولا تملك العوض مثلًا.

وقد يكون لمصلحة الزوج كعكس المثال السابق، فهو جائز.

وقد يفعل ذلك ليتزوجها هو؛ فهذا حرام، أو للإضـرار بالزوجة؛ فهذا حرام أيضًا.

(2) كل ما يصح أن يكون مهرًا يصح أن يكون عوضًا في الخلع، وعلى هذا فلا يصح أن يخالعها على مُحرَّم.

(3) هل يجوز أن يخالعها على غير عوض؟ رجَّح شـيخ الإسلام ابن تيمية جوازه؛ لأنه حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج، ولأنه في الحقيقة قد تحقق العوض؛ بأنها أسقطت نفقتها عليه لو كان الطلاق رجعيًّا.

(4) هل يجوز له أن يأخذ أكثر مما أعطاها؟ فيه خلاف بين العلماء:

والراجح: نعم يجوز؛ لعموم الآية في قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح.

(5) إذا خالعت الحامل بنفقة عدتها صح الخلع، بمعنى أنها تسقط عنه نفقة الحمل؛ لأنها واجبة في هذه الحالة، والخلاف بين العلماء: هل هو للمرأة من أجل الحمل، أو للحمل نفسه، وعلى أي تقدير فيصح الخلع؛ لأنها لو كانت للمرأة فقد أسقطت حقها، وإن كانت للحمل فقد التزمت أن تقوم هي به بدلًا عن زوجها.

(6) إذا علَّق الزوج الخلع على شـرط؛ بأن يقول لها مثلًا: إن أعطيتني ألف جنيه فأنت طالق، فأعطته ولو بعد مدة فإنه يقع الخلع، لكنه يمكنه في هذه الحالة الرجوع قبل أن تعطيه على الراجح، وهو ما ذهب إليه شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

(7) اعلم أن الخلع لا يسقط بقية الحقوق، فإن خالعته على بذل عوض ما، ولها عليه شـيء من الحقوق؛ كبقية مهر، أو دين اقترضه منها، أو نفقة أنفقتها على نفسها في غيبته، فلها كل هذه الحقوق، ما لم تكن أسقطتها عنه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة