حجم الخط:

محتوى الدرس (177)

الرضـاع

[تمهيد]

تكلمنا في أبواب الرضاع من كتاب النكاح، عن بعض أحكام الرضاعة؛ من حيث المحرمات من النساء، وشـروط هذا التحريم، وغير ذلك، ونتكلم هنا عما يتعلق بالإرضاع لحق الصغير، وذلك فيما يلي:

حكم الرضاع:

الحالة الأولى: عند بقاء الزوجية:

يجب على الأم أن ترضع ولدها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233]، وهذا خبر يراد به الأمر، وقيل: يراد به المشـروعية، أي: أنهن أحق بذلك من غيرهن، فإن أريد به الأمر أجبرت الأم على إرضاعه -أحبت أم كرهت- وإن أريد به الندب فإنها لا تجبر إلا في حالات خاصة، والظاهر الأول، والله أعلم.

وهذه الحالات التي تجبر فيها المرأة -بلا خلاف- على الإرضاع:

(أ) ألَّا يلتقم الولد غير ثدي أمه.

(ب) ألَّا تكون هناك مرضعة أخرى متبرعة أو بأجر.

(جـ) أن يكون الأب فقيرًا ليس له مال لاستئجار مرضعة.

(د) أن يلحق الصغيرَ ضـررٌ بإرضاعه من غير أمه.

الحالة الثانية: عند الطلاق:

لا تجبر الأم على الإرضاع، إلا أن تشاء هي؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ [الطلاق:6]، فجعل الاختيار إليهن[1]. قال القرطبي رحمه الله: (وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج، إلا أن تشاء هي، فهي أحق بأجرة المثل، هذا مع يسـر الزوج، فإن كان معدمًا لم يلزمها الرضاع، إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الرضاع)[2].

وإن حدث تعاسـر وعدم توافق بين الأبوبين في إرضاع الصغير، فعلى الوالد أن يسترضع امرأة أخرى، لكن إن أبى الطفل إلا ثدي أمه أجبرت على إرضاع ولدها، وإن كان أبو الرضـيع قد مات، أو أفلس، أو غاب بحيث لا يقدر عليه؛ أجبرت الأم على إرضاعه.

مدة الرضاعة:

مدة الإرضاع سنتان؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233].

ويلاحظ: أن ذكر الحولين هو لتحديد قطع النزاع بين الزوجين في مدة الرضاع، وعلى ذلك:

(1) لا يجب على الزوج إعطاء أجرة الرضاعة لأكثر من حولين.

(2) في قوله: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ دليل على أن إتمام الحولين ليس حتمًا، فيجوز الزيادة والنقصان.

(3) لا يجوز الزيادة والنقصان إلا برضا الوالدين معًا، وتشاورهما، وبشـرط أن لا يقع بالمولود ضـرر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة:233].

(4) ذهب جمهور المفسـرين أن الحولين لكل ولد؛ سواء تم حمله تسعة أشهر، أو ولد لستة أشهر، وثبت عن ابن عباس: (أن الحولين لمن ولد لستة أشهر، فإن كان لسبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشـرون شهرًا، فإن ولد لتسعة أشهر فرضاعه أحد وعشـرون شهرًا؛ وذلك من قوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ، وعلى هذا تتداخل مدة الحمل والرضاع)[3]. والله أعلم.

أجرة الرضاعة:

أولًا: في حال بقاء الزوجة:

فإن النفقة والكسوة على الزوج، وكذلك إذا كانت مطلقة رجعية وما زالت في العدة؛ فإن لها النفقة والكسوة على الزوج، ولا يجب في هذه الحالة أجرة رضاع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

فإن غاب وله مال أرضعت الولد، واتُّبع الوالد بالنفقة والكسوة؛ متى قُدر عليه أو على ماله أخذ منه.

ثانيًا: في حال الطلاق الرجعي وانتهاء العدة:

أو في طلاق ثلاث حيث لا نفقة لها ولا سكنى، فيجب على الوالد أجرة الرضاع؛ لقوله تعالى بعد ذكر المعتدات: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق:6].

فإن تعاسـرت الأم ووالد الرضـيع؛ بأن طلبت أكثر من أجرة المثل، فللأب حينئذ أن يسترضع أخرى.

لكن إن أبى الرضـيع إلا ثدي أمه، أو كان في إرضاع الغير مضـرةٌ به أو ضـياعٌ له، أجبرت على إرضاعه، وأجبر الجميع على أجرة المثل.

فإن كان فقيرًا لا مال له أجبرت على إرضاعه ولا شـيء عليه؛ لعموم الآية: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

تحديد الأجرة:

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6].

لم يحدد الله عز وجل قدرًا معينًا، فلذلك يقال في ذلك ما يقال في النفقة والكسوة: (بالمعروف)، أى بما يتناسب مع حال الزوج والزوجة، وما يقدره القاضـي تبعًا للمثل.

متى تستحق الأجرة:

(أ) إن كانت المرضعة هي الأم، وأرضعت في زمن تستحق فيه الأجرة؛ كأن تكون أرضعت بعد الطلاق الثلاث، أو بعد انقضاء عدتها من الطلاق الرجعي؛ فإنها تستحق الأجرة من وقت الإرضاع بالفعل.

(ب) وإن كانت المرضعة غير الأم؛ استحقت الأجرة من وقت العقد، وبدئها في الإرضاع.

من تجب عليه أجرة الرضاع:

(أ) اختلف أهل العلم إذا كان للرضـيع مال؛ هل تكون أجرة الرضاع عليه أو لا؛ فذهب بعضهم إلى أنها تجب من ماله؛ إذ الأصل أن نفقة كل إنسان تجب في ماله، إلا أن يكون عاجزًا أو فقيرًا. وذهب فريق آخر إلى أن أجرة الرضاع على الوالد؛ سواء كان للرضـيع مال أم لا؛ لأن الله تعالى أوجب ذلك، ولم يستثن في الآية ما إذا كان للرضـيع مال. وبناءً عليه؛ فإن أجرة الرضاعة إنما تجب على (المولود له)، وهو الأب كما ورد ذلك في الآية.

(ب) فإن مات الأب، فإن كل ما كان يجب عليه من: نفقة أو كسوة أو أجرة؛ فهو على وارث الرضـيع -إن كان له وارث- سواء كان للرضـيع مال أو لم يكن[4].

(جـ) فإن لم يكن له وارثون، وجب على الأم إرضاعه؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ، وسواء كان للرضـيع مال أم لا، والراجح أنها لا حق لها في مال الرضـيع.

(د) فإن ماتت، أو مرضت، أو أضـر به لبنها، أو كانت لا لبن لها، ولا مال لها، فإرضاعه على بيت مال المسلمين، فإن منع فعلى الجيران يجبرهم الحاكم على ذلك لقول رسول الله ﷺ: «من ترك دينًا أو ضـياعًا فإليَّ وعليَّ»[5].

وقال تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء:36].

أحكام الظئر[6]:

الظئر: هي المرضع التي تستأجر لإرضاع الطفل، ويتعلق بها أحكام؛ أهمها:

(أ) أنها تلتزم بالعقد، بإرضاع الطفل، وتحتسب لها المدة من وقت العقد كما تقدم.

(ب) تلزم بـإرضاع الطفل في الزمن والمكان المتفق عليه.

(جـ) إذا لم يتفق على مكان، يجب عليها إرضاعه عند حاضنيه؛ أُمًّا كانت أو غيرها، كيلا يفوت حق الحاضنة في حضانته.

(د) إذا انتهت مدة الحضانة، ولم يقبل الطفل غير ثديها، أجبرت على مد المدة، حتى يقبل ثدي غيرها، أو يستغني عن الرضاعة، وذلك صـيانة للولد من الهلاك.

وهذا آخر ما يسـر الله لي جمعه من (كتاب الطلاق أسأل الله أن يتقبله مني، وأن يتجاوز عن زلاتي وأخطائي، والحمد لله أولًا وآخرًا. ويتلوه إن شاء الله تعالى: (كتاب البيوع).

وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة