حجم الخط:

محتوى الدرس (192)

الأصناف التي يحرم فيها التفاضل:

اختلف العلماء في تحديد هذه الأصناف التي يحرم فيها التفاضل؛ فذهب الظاهرية إلى أنها في الأصناف الستة فقط المذكورة في الحديث؛ وهي: الذهب، والفضة، والتمر، والبر، والملح، والشعير، وممن ذهب إلى ذلك أيضًا قتادة.

وذهب عامَّة الفقهاء إلى أن الحكم يتعدى إلى غير ما ذكر؛ لاشتراك غيرها معها في العلة، ثم اختلفوا في تحديد هذه العلة على الأقوال الآتية:

القول الأول: أن العلة في النقدين (الذهب والفضة): الوزن، وفي غيرها الكيل، أي أن الذهب والفضة يباعان بالوزن، والأربعة الأخرى المذكورة في الحديث تُباع بالكيل.

القول الثاني: أن العلة في النقدين: الثمنية[1]، وفي غيرها كونه مطعومًا.

القول الثالث: أن العلة في النقدين: الثمنية، وفي غيرها أنه مطعوم مكيل أو مطعوم موزون.

وهذه الأقوال الثلاثة روايات عن الإمام أحمد، ووافقه في الأولى أصحاب الرأي (الحنفية)، وفي الثاني الشافعية، واستدلوا على ذلك بما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ «نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل»[2]، والقول الثالث وافقه فيه الشافعي في القديم.

القول الرابع: قول المالكية: قالوا: العلة القوت أو ما يصلح به القوت، وهذا هو القول الراجح، وهو ما رجحه ابن القيم رحمه الله وقالوا: في الذهب والفضة: العلة فيهما الثمنية[3].

ويتفرع على ما سبق الأحكام الآتية:

(1) اعلم أن الأحكام السابقة ثابتة؛ سواء كان الصنف جيدًا أو رديئًا، وسواء كان الذهب والفضة تبرًا أو مضـروبًا، وسواء كان صحيحًا أو مكسورًا، وهو قول أكثر أهل العلم، وهذا هو الراجح.

(2) مما تقدم يتبين أن الذهب والفضة لا يجوز بيعهما بالتقسـيط، كما أنه لا يجوز أن يشتري ذهبًا أو فضة ويؤخر المال حتى يأتيه به بعد زمن قليلًا كان أو كثيرًا؛ فلا بد أن يكون يدًا بيد.

ولا يجوز كذلك أن يشتري الذهب بالشـيك؛ لأن (الشـيك) لا يكون قبضًا إلا إذا كان موثقًا من البنك بالدفع، وهو ما يعرف بـ (شـيك قابل للتحصـيل)، فهذا قد يرخص فيه[4].

(3) وكذلك الحكم في إبدال ذهب بذهب، فإنه يشترط فيه التماثل والتقابض، فإذا أراد هذه المبادلة دون حرج، فالصحيح أن يبيع الذهب القديم ويقبض الثمن، ثم يشتري الذهب الجديد في صفقة أخرى[5]. وذلك من دون مواطأة بينه وبين التاجر، والدليل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ: «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ: «لا تفعل؛ بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا»[6]. ومعنى «الجَنِيب»: هو نوع من التمر الجيد، وأما «الجَمْع»: فهو تمر رديء.

(4) أما شـراء هذه الأقوات بالأثمان، كمن يشتري تمرًا بذهب، فيجوز فيه ترك القبض في المجلس، كما يجوز التفاضل.

(5) لا يجوز بيع شـيء من الأصناف الربوية رَطْبًا بجنسه جافًّا؛ كالرُّطَب بالتمر، والعنب بالزبيب؛ فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جَفَّ؟» قالوا: نعم. قال: «فلا إذًا»[7].

(6) لا يدخل في هذا الحكم إلا ما ذكر من الأصناف الربوية، أو ما يقاس عليها، وأما ما عدا ذلك، فيجوز فيه التفاضل والنَّساء (تأخير القبض)، وعلى هذا فيجوز بيع سـيارة بسـيارتين، وكتاب بكتابين، سواء تم التبادل في نفس المجلس أم بعد ذلك، ويجوز شـراء سـيارة بسـيارة ودفع باقي الثمن نقودًا، ونحو ذلك، ويجوز شـراء الشـيء بغير جنسه ولو مع تأخير القبض، فيجوز بيع السـيارة مثلًا بقطعة أرض، سواء دُفع مع أحدهما فرق أم لم يدفع، وسواء تم التسليم في نفس العقد أم بعد العقد.

ربــا القرض: كل قرض جر نفعًا فهو ربا:

صفة ربا القرض: هو أن يقرضه شـيئًا ويشترط عليه نفعًا ما، كأن يشترط عليه أن يسكنه داره، أو يزيده شـيئًا من المال عند السداد، أو أن يهدي له هدية، أو أي شـيء آخر يمكن أن ينتفع به المقرض؛ سواء كان ماديًّا أو معنويًّا، وقد ورد النهي عن قبول هدية المقترض فيما رواه ابن ماجه مرفوعًا: «إذا أقرض أحدكم قرضًا، فأهدى إليه أو حمله على دابة، فلا يركبها ولا يقبلها، إلا أن يكون بينه وبينه قبل ذلك»[8]. وهو يرجع إلى ربا الفضل؛ لأنه أقرضه ذلك الشـيء بمثله مع زيادة النفع الذي عاد إليه.

قال الشوكاني رحمه الله: (والحاصل أن الهدية والعارية ونحوها إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين، أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه، فذلك محرم؛ لأنه نوع من الربا أو رشوة، وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمقترض قبل التداين، فلا بأس، وإن لم يكن ذلك لغرض أصلًا، فالظاهر المنع، لإطلاق النهي عن ذلك)[9]. وبناء علىه فالنفع الحاصل من المقترض للمقرض حكمُه على التفصـيل الآتي:

(1) إن كان ذلك باشتراط عند القرض، فهو حرام، وهو ربا واضح.

(2) وإن كان بغير اشتراط، ففيه تفصـيل:

أ- إن كان النفع بعد الوفاء وسداد الدين، فجائز؛ لما ورد في الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: «أتيت النبي ﷺ، وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني»[10].

ب- وإن كان النفع قبل الوفاء لم يجز قبوله، إلا أن يكون بينهما قبل ذلك عادة جارية لا من أجل القرض. قلت: وعلى هذا فجميع القروض التي تقوم بها البنوك الربوية محرمة، سواء سمي القرض استهلاكيًّا أو إنتاجيًّا، ولا يدخل هذا في باب المضاربة المشـروعة[11].


جدول 101 من مسائل الربا (2)


شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة