حجم الخط:

محتوى الدرس (194)

الخامسة: التأمين التجاري والتأمين التعاوني:

يرى مجمع الفقه الإسلامي وهيئة كبار العلماء بالسعودية أن التأمين التجاري[1] محرم؛ لأن فيه غررًا، وهو ضـرب من ضـروب القمار، ويشتمل على ربا الفضل والنسـيئة، وأخذ مال الغير بلا مقابل، وغير ذلك من العلل التي استدلوا بها على تحريمه.

لكن يرى المجلسان السابقان إباحة التأمين التعاوني، الذي يشترك فيه جماعة على تحمل المسئولية عند نزول الكوارث؛ عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تُخصَّص لتعويض من يصـيبه الضـرر، فهم لا يستهدفون تجارة ولا ربحًا من أموال غيرهم، وإنما يقصدون إلى توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضـرر، وهذا بخلاف ما تقوم به الشـركات في التأمين التجاري، فإنهم يستهدفون للربح فيقع الغرر؛ لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شـيئًا.

فعقود التأمين التجاري من عقود المعاوضات التي يقصد من ورائها الربح، لكن عقود التأمين التعاوني من عقود التعاون والتبرع المحض، فلذلك لا يضـر فيها الجهل بالنفع الذي يحصل عليه.

السادسة: نظام التقاعد (المعاشات):

لا بأس بنظام التقاعد؛ لأنه حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسؤولًا عن رعيته، وراعى في صـرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة، ووضع له نظامًا راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف.

وقد أقرّ هذا النوع من الضمان: المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالقاهرة عام 1965 م، والمؤتمر الثالث عام 1966. وفي سؤال للجنة الدائمة كان الجواب: (جاز لك أخذ معاش التقاعد؛ لأنه مكافأة على الخدمة التي قمت بها مدة العمل في الحكومة)[2].

السابعة: الإقالة في مقابل نفع ليست ربا:

إذا طلب المشتري من البائع أن يقيله بيعته، أي: يرد عليه البيع، في مقابل دراهم يدفعها، فلا بأس بذلك، وليس فيه محظور. لأنه مبني على أن الإقالة نوع من البيوع، وقد ذهب جمهور العلماء على أن الإقالة فسخ وليست بيعًا، وبذلك يرون انه لا يأخذ مقابل عليها. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (ولا يدخل أيضًا في الربا ولا التوسل إليه: من أقال غيره بشـرط أن يعطيه زيادة دراهم على إقالته؛ كقوله: أمكني وأعطيك مائة درهم؛ لأن محذور الربا فيها بعيد كما قاله ابن رجب وغيره، مع أن المشهور عند المتأخرين من الأصحاب في هذه المسألة المنع).

الثامنة: الصـرف:

الصـرف: بيع الأثمان بعضها ببعض (المقصود بالأثمان: الذهب والفضة)، ويدخل في ذلك أيضًا الأوراق البنكية (كالدولارات، والجنيهات، والريالات)، وهو ما يسمى الآن: بيع العملة.

وهذا الصـرف جائز بشـرط القبض في نفس المجلس، فلا يصح أن يبيع غائبًا بناجز (موجود)، وقد ثبت في الحديث أنه ﷺ «نهى عن بيع الذهب بالوَرِق دينًا»[3]، أي أن يباع غائب منها بناجز. قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفَينِ إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصـرف فاسد)[4].

مسألتان في الصـرف:

(1) اختلف العلماء في حكم مصارفة ما في الذمة، وذلك بأن يكون لرجل (دين من ذهب) في ذمة رجل، وللآخر عليه دراهم فضة، فأسقط كل منهما دينه بما في ذمة الآخر، فقد اختلفوا على قولين:

الأول: لا يجوز مصارفة ما في الذمة؟ وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.

الثاني: الجواز، وهذا مذهب المالكية والحنفية، ورجَّحه ابن عثيمين رحمه الله[5].

مثال: اقترض زيد من عمرو مائة دولار، واقترض عمرو من زيد خمسمائة جنيه، فهل يجوز أن يسقط كل منهما دينه عن الآخر مقابل ما عنده؟

الجواب: الراجح الجواز، فإن كانت هناك فروق متبقية فلا بد أن يدفعها في نفس المجلس، ولا يجوز تأخيرها.

(2) إذا باع رجل لآخر سلعة بعملة ما، فلما جاء وقت السداد، أراد أن يدفع عملة أخرى غير التي اتفق عليها، فالصحيح أنه يجوز بشـرط أن يدفع العملة بسعر يومها (الذي يسدد فيه)، وأن يدفع الثمن كاملًا لا يبقي منه شـيئًا، والأصل في ذلك ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت النبي ﷺ في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، رويدك، أسألك: إني أبيع بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شـيء»[6]. وهذا الحديث ضعيف الاسناد، ولكن صح موقوفًا عن ابن عمر: «أنه كان لا يرى بأسًا في قبض الدراهم من الدنانير ولا الدنانير من الدراهم»[7].

التاسعة: بيع الطعام بالدراهم إلى أجل، ثم عند حلول الأجل يعوض عن الدراهم طعامًا:

قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (واختلف العلماء هل يدخل في الربا من باع طعامًا مثلًا بدراهم إلى أجل، فلما حلت الدراهم، أراد أن يعوضه عنها طعامًا لا يباع بالطعام الأول نسـيئة؟ المشهور المنع[8]؛ قالوا: لأنه يتخذ وسـيلة ليبيع الطعام بالطعام إلى أجل، والقول الثاني: الجواز؛ لأن محذور التوسل بعيد، بل معدوم في هذه الحالة غالبًا، واختار الشـيخ تقي الدين التوسط بين القولين، وهو جوازه للحاجة، مثل أن لا يكون عنده وقت الوفاء دراهم، وعنده طعام، فيتفقا على أخذ حقه منه، فإن لم يحتج إليه، مُنع)[9]. واشترط ابن عثيمين رحمه الله شـرطًا، وهو أن لا يربح المستوفي، فإذا أخذ الطعام، فإنما يأخذه بسعره [10].

مثال: اشترى رجل من آخر تمرًا بألف جنيه يسددها بعد شهر مثلًا، فلما جاء وقت السداد لم يجد (الألف) لكنه أراد أن يسدد مكانه دقيقًا، فهل يجوز ذلك؟

الجواب: معلوم أن التمر لا يباع بالدقيق نسـيئة، بل إذا باع تمرًا بدقيق فلا بد من التقابض في المجلس، ولذلك اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من يرى عدم الجواز؛ لأنه سـيكون باع التمر بالدقيق نسـيئة، ومنهم من رأى الجواز؛ لأن ذلك لم يكن عن اتفاق ولا عن تحايل على الربا، ولم يفعل ذلك إلا لأنه لم يجد الألف، والقول الثالث: الجواز بشـرط أنه لم يجد وقت السداد دراهم ويقبضه بسعر يومه؛ وهو قول وسط؛ وهو أعدل الأقوال، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة