حجم الخط:

محتوى الدرس (198)

باب السلم

خريطة ذهنية لأحكام السلم

جدول 103 كتاب السلم

معنى السلم:

لغة: السَلَف. وشـرعًا: بيع موصوف في الذمة إلى أجل بثمن مقبوض بمجلس العقد.

شرح التعريف:

أراد رجل أن يشتري من آخرَ مائة (طن) من البُر (القمح)، والبُر لم يكن حصد بعد، أو لم يكن زُرع بعد، فهذا البيع جائز على أن يدفع المشتري الثمن معجلًا، ويصبح البُر في ذمة البائع حتى يحصده ويسلمه له، وهناك شـروط لا بد من توفرها في هذا البيع، سـيأتي بيانها.

ويسمى المشتري: المُسلِم، أو رب السلم.

ويسمى البائع: المُسلَم إليه.

ويسمى المبيع: المسلم فيه.

ويسمى الثمن: رأس مال السلم.

مشروعيته:

قال ابن قدامة رحمه الله: (وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع) [1].

أما (الكتاب): فقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «أشهدُ أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه»، ثم قرأ هذه الآية.

وأما (السنة): فروى ابن عباس أنهم قدموا المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: «من أسلف في شـيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»[2].

وأما (الإجماع): فقال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز: أن يسلم الرجل صاحبه في طعام معلوم موصوف من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلُها، بكيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم)[3].

شروطه:

ذكر صاحب المغني أن السلم لا يصح إلا بستة شـروط[4]:

(1) أن يكون المسلم فيه (المبيع) مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا، فإن كان لا يمكن ضبطه فلا يصح السلم فيه ولا يباع إلا معاينة؛ يعني لا بد أن يكون موجودًا مشاهدًا.

(2) أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرًا؛ كأن يبيِّن جنسه ونوعه ودرجة جودته، والمقصود وصفه وصفًا ينفي الغرر والجهالة ويقطع النزاع.

(3) معرفة مقدار المسلم فيه (المبيع) بالكيل إذا كان كيلًا، وبالوزن إذا كان وزنًا، وبالعدد إن كان معدودًا، وبالذَّرْع إن كان مما يقاس بالذراع والأمتار. قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز في الثياب بذَرْع معلوم)[5].

(4) أن يكون مؤجلًا أجلًا معلومًا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، كأن يعلمه بوقت التسليم بزمان بعينه لا يختلف.

واختلفوا في تحديد الأجل، والصحيح أنه لا فرق بين الأجل القريب والبعيد، وأجاز الإمام مالك السلم إلى العطاء، أو وقت الحصاد، أو مَقدَم الحاج؛ أي: يقول له: أسلمك وقت العطاء، أو وقت الحصاد، أو عند قدوم الحاج. وبقي أن يقال: ما الحكم لو كان السلم حالًّا؟ وسـيأتي بيان حكمه إن شاء الله بعد ذكر بقية الشـروط.

(5) أن يكون عام الوجود، فلا يجوز أن يسلم في ثمرة بستان بعينه. قال ابن القيم رحمه الله: (منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين؛ لأنه قد يتخلف فيمتنع التسليم)[6].

والحائط: هو البستان. ومعنى ذلك: أن يتفق معه أن يسلم ما اتفق عليه؛ كأن يتفق معه أن يسلمه مائة (طن) بر في تاريخ (كذا)، لكن لا يشترط عليه أن يكون هذا البر من البستان الفلاني.

(6) أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد -يعني قبل التفرق- فلا يجوز تأخير القبض، ومن باب أولى لا يجوز تأجيل الثمن.

السلم الحال:

تقدم أن من شـروط السلم أن يكون إلى أجل معلوم، لكن ما الحكم في السلم الحال؟

ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يصح حتى يشترط الأجل، وذهب الشافعي وأبو ثور، وابن المنذر، إلى جوازه؛ لأنه عقد يصح مؤجلًا فصح حالًّا، وليس ذكر الأجل في الحديث لأجل الاشتراط، بل معناه إن كان لأجل فليكن معلومًا.

قال الشوكاني رحمه الله: (والحق ما ذهبت إليه الشافعية من عدم اعتبار الأجل؛ لعدم ورود دليل يدل عليه، فلا يلزم التعبد بحكم من دون دليل)[7].

فروع في السلم:

(1) يصح السلم بلفظ: البيع، والسلم، والسلف، بالشـروط المذكورة.

(2) ينبغي أن يضبط الكيل والوزن بالمكاييل والأوزان المعلومة، ولا يجعل البيعان لأنفسهما كيلًا خاصًّا؛ لاحتمال تغيره أو تلفه أو غير ذلك، فيقع النزاع.

(3) لا يشترط كون المسلم فيه (المبيع) موجودًا حال السلم، بل هو في الذمة؛ ولأن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون السنة والسنتين، فلو كان وجود المسلم فيه شـرطًا لنهاهم النبي ﷺ عن السلف لسنتين؛ لأنه يلزم انقطاع المسلم فيه في أثناء السنة.

وعن عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى قالا: «كنا نصـيب المغانم مع رسول الله، وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى، قيل: كان لهم زرع أو لم يكن؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك»[8]، و«النبط»: قوم من العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم.

(4) قال ابن قدامة رحمه الله: (إذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل؛ إما لغيبة المسلم إليه (البائع)، أو عجزه عن التسليم، أو لم تحمل الثمار تلك السنة، فالمُسلِم (المشتري) بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد، فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن إن كان موجودًا، أو بمثله إن كان مثليًّا، وإلا قيمته)[9].

(5) كل مالَينِ حَرُمَ النَّساء فيهما[10] لا يجوز إسلام (تسليف) أحدهما في الآخر، فلا يجوز أن يسلف مثلًا تمرًا بزبيب؛ لأن شـرط هذا البيع التقابض في المجلس نفسه كما تقدم، وهكذا يقال في جميع الأصناف.

(6) يبطل السلم بموت المسلم إليه (البائع) لا بموت المسلم رب السلم (المشتري)، وذلك لأن الأجل ينقضـي بموت المدين لا بموت الدائن.

(7) إذا أتى بالمسلم فيه قبل محله لزمه قبوله، إلا إذا وقع عليه ضـرر فلا يلزمه قبوله إلا في الموعد المحدد.

(8) إذا أتى إليه بأجود مما اشترطه عليه، لزمه قبوله إذا كان من نفس النوع، إلا إذا خشـي أن يمن عليه في المستقبل، فلا يلزمه قبوله.

(9) إذا أتى إليه بجنس آخر غير الذي اشترطه عليه؛ كأن يكون أسلم إليه في تمر، فيأتيه ببر، فالراجح جواز قبوله بشـرط القبض قبل التفرق.


بيع المسلم فيه قبل القبض:

لا يجوز للمشتري (رب السلم) أن يبيع الطعام الذي في ذمة البائع حتى يقبضه، ولا يجوز الشـركة فيه، ولا التولية[11] قبل قبضه، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال ابن قدامة رحمه الله: (لا نعلم في تحريمه خلافًا)[12]. لكن يجوز الإقالة؛ لأنها فسخ لعقد السلم. قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأن الإقالة فسخ للعقد، ورفع له من أصله، وليست بيعًا)[13].

Adobe Systems



عقد الاستصناع

المقصود بالاستصناع:

أن يطلب شخص من صانع أن يصنع له ما يريد؛ كأن يطلب من نجار مثلًا أن يصنع له غرفة نوم، على أن يبين له نوع العمل ووصفه وقدره، بحيث يمنع النزاع، وقد اختلف العلماء في حقيقة هذا العقد؛ هل هو عقد سلم أم عقد مستقل؟ وهل المعتبر في هذا العقد مادة الشـيء المصنوع أم المعتبر المصنوع نفسه؟ والراجح أنه يرجع إليهما، وقد عرض هذا الموضوع على مجمع الفقه الإسلامي وقرر ما يلي[14]:

(1) إن عقد الاستصناع -وهو عقد وارد على العمل والعين (السلعة) في الذمة- يلزم الطرفين إذا توفرت فيه الأركان والشـروط.

(2) يشترط في عقد الاستصناع ما يلي:

(أ) بيان جنس المستصنع، ونوعه، وقدره، وأوصافه المطلوبة.

(ب) أن يحدد الأجل الذي يسلم فيه المصنوع.

(3) يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسـيطه إلى أقساط معلومة لآجال محدودة.

(4) يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شـرطًا جزائيًّا بمقتضـى ما اتفق عليه العاقدان، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.

مثال: اتفق رجل مع نجار أن يصنع له غرفة نوم، فيتفق معه على نوع الخشب، ووصف الغرفة؛ كأن يبين نوع الدهانات، ونوع المفاتيح، والمرايات، وغير ذلك، ويبين محتوياتها: دولاب - سـرير - تسـريحة...إلخ، مع وصف هذه المحتويات، ثم يحدد الوقت الذي يتسلم فيه الغرفة، والسعر المحدد الذي يتفقان عليه، ويجوز أن يتضمن ذلك شـرطًا جزائيًّا إذا لم يسلم ما اتفقا عليه في الوقت المحدد، أو لم يسلم بالأوصاف المحددة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة