حجم الخط:

محتوى الدرس (259)

الثالثة: النهي عن نتف الشـيب:

عن أنس رضي الله عنه قال: «كنا نكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء»[1].

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال: «لا تنتفوا الشـيب؛ فإنه نور المسلم يوم القيامة»[2].

الرابعة: صبغ الشعر:

عن جابر رضي الله عنه قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثَّغامة بياضًا، فقال النبي ﷺ: «غيروا هذا بشـيء، واجتنبوا السواد»[3]. وعلى هذا فيشـرع تغيير الشـيب، شـريطة ألا يكون هذا التغيير بالسواد. ومعنى «الثَّغامَة»: قال أبو عبيد: هو نبت أبيض الزهر والثمر، شبه بياض الشـيب به، وقال ابن الأعرابي: شجرة تَبيَضُّ كأنها الملح[4].

قال النووي: (ومذهبنا استحباب خضاب الشـيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم؛ لقوله ﷺ: «واجتنبوا السواد» هذا مذهبنا)[5]. ثم أورد عن القاضـي عياض اختلاف السلف في الخضاب وتركه أيهما أفضل، ثم أورد ما ورد عن الصحابة في جنس الخضاب، فخضب بعضهم بالصفرة، وخضب بعضهم بالحناء والكَتَم، وبعضهم بالزعفران، وخضب بعضهم بالسواد. و«الكتم»: نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة.

قال الحافظ: (ولكن الخضاب مطلقًا أولى؛ لأنه فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه صـيانة الشعر عن تعلق الغبار وغيره به)[6].

قلت: يشـير إلى حديث النبي ﷺ: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم»[7].

قلت: وما نقل عن بعضهم من الخضاب بالسواد فمحمول على أن أحاديث النهي لم تبلغهم، أو تأويلهم ذلك بأنه في حق من صار شـيب شعره مستبشعًا كالثغامة، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من منع الخضاب بالسواد مطلقًا، والله أعلم.

تنبيه: علمت أنه يجوز تغيير الشـيب بصفرة أو حمرة، ولكن هل يجوز تغيير الشعر العادي الذي لم يصل إلى الشـيب؟

الجواب: ورد في فتاوى اللجنة الدائمة ما يلي: (أما إذا كان لونه -يعني الشعر- عاديًّا وليس فيه شـيب ولا تشويه، فإنه لا يصبغ بما يغير لونه الأصلي؛ لأن هذا تدليس وتغيير للخلقة)[8]، وأما الشبكة الإسلامية؛ فإنهم يرون إباحة ذلك، ما لم يترتب عليه غش أو تدليس أو تشبه بالكفار[9].

الخامسة: وصل الشعر:

عن أسماء رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة[10]. و«الواصلة»: التي تصل شعر المرأة بشعر غيرها، و«المستوصلة»: التي تطلب من يفعل لها ذلك.

وثبت هذا الحديث أيضًا من رواية أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم، وقد بينت الأحاديث أن من أسباب هلاك بني إسـرائيل: وصلَ الشعر؛ فعن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عامَ حجَّ، وهو على المنبر، وهو يقول -وتناول قُصة من شعر كانت بيد حَرَسـي-: أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ نهى عن مثل هذه، ويقول: «إنما هلكت بنو إسـرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم»[11]. وقد سماه النبي ﷺ زورًا، كما ورد في إحدى روايات حديث معاوية السابق[12].

من أحكام وصل الشعر:

(1) يحرم لبس (الباروكة) وإلباسها؛ لأنها وصل للشعر.

(2) اتفق الفقهاء أن وصل الشعر بالشعر حرام، ومنهم من أجازه إذا كان بعلم الزوج، والصحيح أنه يحرم أيضًا. لذا قال الحافظ: (وأحاديث الباب حجة عليه).

قلت: يشـير إلى ما ثبت من حديث عائشة أن جارية من الأنصار تزوَّجت، وأنها مرضت فتمعَّط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي ﷺ فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة»[13].

قال النووي: (وفي هذا الحديث أن الوصل حرام، سواء كانت لمعذورة أو عروس أو غيرها)[14].

(3) اختلف الفقهاء كذلك إذا كان الوصل بشـيء آخر غير الشعر؛ كالخِرَق، أو إذا كان من خيوط صناعية كخيوط الحرير ونحوها، والراجح أن كل ذلك لا يجوز؛ لأنه في معنى الزور، وقد سماه النبي زورًا. قال الحافظ: (وهذا الحديث حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشـيء آخر؛ سواء كان شعرًا أم لا، ويؤيده حديث جابر: زجر رسول الله ﷺ أن تصل المرأة بشعرها شـيئًا[15])[16].

(4) ما تشد به المرأة ضفيرتها من شـريط ونحوه لا يعد من الوصل المنهي عنه، وكذلك ما تضعه من (توكة) أو (مشبك) أو أشـياء ملونة تتزين بها لزوجها؛ فهذا لا بأس به، شـريطة ألا تظهره أمام الأجانب. قال القاضـي عياض: (فأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر، فليس بمنهي عنه؛ لأنه ليس بوصل، ولا هو في معنى مقصود الوصل، وإنما للتجمل والتحسـين)[17].

(5) يدخل في معنى الوصل: الرموش الصناعية؛ لأنها زور، وهي وصل، وكذلك الأظفار الصناعية، ولعل الفقهاء قديمًا لم يذكروا ذلك لأنهم لم يبتلوا بما ابتلي به أهل زماننا، وهذه العادات فيها تغيير لخلق الله، وفيها التشبه بالكافرات، بل وبالبهائم والسباع.

(6) حكم زراعة الشعر: الذي أراه في ذلك: جواز زراعة الشعر، فهذا من باب العلاج، وليس من باب التغيير لخلق الله، ولا هو وصل للشعر، والأفضل أن تكون البصـيلات المزروعة مأخوذة من نفس الشخص، والله أعلم. قال ابن عثيمين: (نعم يجوز؛ لأن هذا من باب رد ما خلق الله، ومن باب إزالة العيب، وليس هو من باب التجميل أو الزيادة على ما خلق الله، فلا يكون من باب تغيير خلق الله)[18].

زينة الشعور الأخرى في الإنسان:

إعفاء اللحية:

يحرم حلق اللحية للرجل، ويجب إطلاقها؛ لقوله ﷺ: «قصوا الشارب، وأعفوا اللحى»، (وقد تقدمت الأدلة والمسائل المتعلقة بها في سنن الفطرة من كتاب الطهارة).

قص الشارب:

يستحب قص الشارب وإحفاؤه للرجل (وقد تقدم بيان ذلك في سنن الفطرة من كتاب الطهارة).

حلق العانة ونتف الإبط:

وهذا أيضًا من سنن الفطرة، وهو مستحب (انظر: سنن الفطرة من كتاب الطهارة).

شعر الحاجبين:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله[19]. قال الحافظ: («المتنمصة»: التي تطلب النماص، و«النامصة»: التي تفعله، و«النماص»: إزالة شعر الوجه بالمنقاش (الملقاط)، ويسمى المنقاش منماصًا لذلك، ويقال: إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما. قال أبو داود في (السنن): النامصة: التي تنقش الحاجب حتى تُرِقَّه)[20].

وقال النووي: (وهذا الفعل حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب، فلا تحرم إزالتها، بل يستحب عندنا، وقال ابن جرير: لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها، ولا شاربها، ولا تغيير شـيء من خلقتها بزيادة ولا نقص)[21]. و«العنفقة»: الشعر الذي يكون تحت الشفة السفلى.

ويتفرع عن حكم النمص ما يلي:

(1) ما ذكره النووي من جواز إزالة شعر اللحية والشارب للمرأة هو مذهب جمهور العلماء، وأفتت به اللجنة الدائمة، ومجمع البحوث الإسلامي، وغيرهما من المجامع الفقهية، باعتبار أن هذا من باب إعادة الخلقة لأصلها؛ إذ الأصل أن المرأة لا لحية لها ولا شارب[22]، والله أعلم.

(2) يدخل في معنى النمص الآن ما تفعله بعض النسوة من إزالة الحاجب بالكلية، واستبداله بخط يرسم مكان الحاجب.

(3) حكم تشقير الحواجب: الذي أفتى به الشـيخ ابن جبرين أنه حرام؛ لأنه تغيير لخلق الله[23]، وانظر فتوى اللجنة الدائمة في حكم صبغ الشعر[24]. وأما الشبكة الإسلامية فيرون جواز ذلك، ما لم يترتب عليه غش أو تدليس أو تشبه بالكفار[25].

(4) إذا قلنا: إن النمص هو إزالة الشعر بالمنماص (الملقاط)، فهل يجوز الأخذ منه -يعني تقصـيره- إذا طال؟ قال النووي: (وأما الأخذ من الحاجبين إذا طالا فلم أر فيه شـيئًا لأصحابنا، وينبغي أن يكره؛ لأنه تغيير لخلق الله، لم يثبت فيه شـيء فكره، وذكر بعض أصحاب أحمد أنه لا بأس به، قال: وكان أحمد يفعله)[26].

باقي شعور البدن:

وذلك مثل شعر اليدين والرجلين ونحوهما، فقد رأت اللجنة الدائمة أنه يجوز للمرأة أخذ شعر بدنها عملًا بالأصل وهو الجواز؛ لأنه لا يوجد دليل يمنع من ذلك[27].

وكذلك في حق الرجل، وهذا ما أفتى به الشـيخ ابن باز أيضًا[28]، وفي الموسوعة الفقهية الكويتية أن ذلك مباح عند المالكية، وخلاف الأدب عند الحنفية[29]، وفي فتاوى الشبكة الإسلامية أن ذلك جائز؛ لأنه مسكوت عنه)[30].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة