مسائل متعلقة بالنذر:
الأولى: النذر فيما لا يملك:
لا يصح للإنسان أن ينذر فيما لا يملك؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لا وفاء لنذر في معصـية الله، ولا فيما لا يملك»[1]. قال الحافظ ابن حجر: (واختلف فيمن وقع منه النذر في ذلك؛ هل تجب فيه الكفارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد، والثوري، وإسحاق، وبعض الشافعية، والحنفية: نعم، ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين)[2].
الثانية: إذا عجز عن الوفاء بالنذر:
إذا نذر الإنسان نذرًا ثم عجز عن الوفاء به، أو نذر نذرًا لا يطيقه؛ كمن نذر أن يحج ماشـيا ثم عجز، أو نذر أن يصوم يومًا ويفطر يومًا ثم عجز، فالراجح في هذا كله أن يتحلل من نذره ويكفر؛ لما ثبت في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة يمين»[3].
الثالثة: إذا نذر التصدق بجميع ماله، أو بما يزيد عن الثلث:
اختلف العلماء إذا نذر الإنسان أن يتصدق بجميع ماله؛ فيرى بعضهم أنه لا يلزمه شـيء، ويرى بعضهم أنه لا يتصدق إلا بالثلث، والقول الثالث أنه يلزمه التصدق بجميع ماله؛ لعموم الأحاديث: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، والخلاف مبني على حكم التصدق بجميع المال؛ هل يجوز أو لا؟، وقد تقدم ذلك في باب الزكاة، والراجح الجواز شـريطة ألا يتضـرر هو ولا من يرعاهم بذلك؛ لما ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بجميع ماله وقبله منه النبي ﷺ.
وأما إن ترتب على ذلك ضـرر، فليتصدق وليوف بالنذر بما لا يضـر به -من غير تقييد بثلث ولا غيره- وذلك لما ثبت أن كعب بن مالك لما تاب أراد أن ينخلع من ماله، فقال له النبيﷺ: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»[4].
الرابعة: إذا نذر صـيام شهر:
يلزمه التتابع في صـيام أيام الشهر؛ سواء عيَّن الشهر أم لا، وسواء صام الشهر من أوله أو من أثنائه، إلا إذا كانت نيته عدد الأيام فقصد أن يصوم ثلاثين يومًا، فله ما نواه، سواء تابع الأيام أم فرقها.
فإن قصد شهرًا متتابعًا فأفطر في أثناء الشهر، فهل يستأنف شهرا جديدا أو يكمل؟
الجواب: إن كان أفطر لعذر أتم، وإن كان لغير عذر استأنف الصـيام.
الخامسة: وقت ثبوت حكم النذر:
أي الوقت الذي يجب فيه الوفاء بالمنذور، وهذا الوقت يختلف باختلاف النذر:
(1) فإن كان النذر مطلقًا غير معلق، ولا مقيد بشـرط؛ كأن يقول: لله علي صوم شهر؛ فإنه يثبت النذر عليه في الحال، وعليه أن يأتي به في أي شهر، وكلما سارع في الوفاء به كان ذلك أولى.
(2) وإن أطلق تحديد المنذور ببيان قدره؛ كأن يقول: لله عليَّ صوم، أو صدقة، أو صلاة، فيجزئه في ذلك أقل ما يقع عليه الاسم، فيجزئه صوم يوم واحد، وصلاة ركعتين، والتصدق بما يقع عليه اسم الصدقة ولو كان قليلًا، ولو نذر هديًا ولم يعين، فأقله شاة، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة.
(3) وإن كان مقيدًا بشـرط؛ كأن يقول: إن رد الله غائبي فللَّه عليَّ كذا، فإنه يثبت وجوبه متى تحقق الشـرط.
(4) وإن قيد النذر بمكان؛ كأن يقول: لله عليَّ أن أصلي في مكان كذا، فيجوز أداء الصلاة في أي مكان، إلا إذا عين الأماكن الفاضلة كالمسجد الحرام ومسجد النبي والمسجد الأقصـى، كما يجوز إذا عين مكانًا فاضلًا أن يؤدي الصلاة في أفضل منه؛ كمن عين مسجد النبي ﷺ فإنه يجوز له الأداء في المسجد الحرام؛ وذلك لما ثبت في الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رجلًا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال ﷺ: «صلِّ هاهنا»، ثم أعاد عليه، فقال: «صلِّ هاهنا»، ثم أعاد عليه، فقال: «شأنك إذًا»[5].
وأما الصـيام فلا تعلق له بالمكان، فلو نذر أن يصوم في بلد كذا، فليصم في أي مكان.
وأما الصدقة فإن نذر أن يتصدق على أهل بلد معين فإنه يجب الوفاء به، إلا إذا كان في هذا المكان إحياء لسنن الجاهلية؛ وذلك لما ثبت في الحديث أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أذبح إبلًا «ببوانة»، فقال ﷺ: «هل كان فيها وثنٌ يعبد؟ قال: لا، قال: «هل كان فيها عيدٌ من أعياد الجاهلية؟» قال: لا، قال: «أوف بنذرك»[6]، و«بوانة» اسم مكان.
السادسة: من مات وعليه نذر:
إذا مات الإنسان وعليه نذر طاعة -أيَّ نذرٍ كان؛ سواء كان صـيامًا أو حجًّا أو اعتكافًا- أداه عنه وليه.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة رضي الله عنه استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أمه؛ توفيت قبل أن تقضـيه، فأفتاه أن يقضـيه عنها، فكانت سنة بعد[7].
وعنه رضي الله عنه قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ: «لو كان عليها دين أكنت قاضـيه؟» قال: نعم: قال: «فاقض الله، فهو أحق بالقضاء؟»[8].
وأخرج ابن أبي شـيبة أن امرأة نذرت أن تعتكف عشـرة أيام، فماتت ولم تعتكف، فقال ابن عباس: اعتكف عن أمك[9].
وأما النذور المالية، فقد قال الحافظ: (وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن من مات وعليه نذر مالي؛ أنه يجب قضاؤه من رأس ماله، وإن لم يوص، إلا إن وقع النذر في مرض الموت؛ فيكون من الثلث، وشـرط المالكية والحنفية أن يوصـي بذلك مطلقًا)[10].
وأما الصلاة، فالراجح قضاء الصلاة المنذورة عن الميت، وهو ثابت عن ابن عمر، وابن عباس فقد روي البخاري أن ابن عمر رضي الله عنهما أمر امرأة جعلت علي نفسها صلاة ثم ماتت فقال: صل عنها[11]، وروي أن ابن أبي شـيبة بسند صحيح أن امرأة قالت لابن عباس رضي الله عنهما أن أمها نذرت مشـيا إلي مسجد قباء للصلاة فأفتي ابنتها أن تمشـي لها. وقد اختلف النقل عنهم، فقد نُقل عن كل منهم أنه لا يصلي أحد عن أحد، لكن هذا لا يعارض قولهما السابق فرواية ابن عمر المانعة رواها مالك بلاغًا فهي ضعيفة ثم هي ورواية ابن عباس عامة في جميع الصلوات والروايات السابقة خاصة في المنذورة فتخصص بها. وجمع بينهما الحافظ بقوله: يمكن الجمع بين النقلين بجعل جواز القضاء في حق من مات وجعل النفي في حق الحي.
وأما الصلوات المفروضات فإنها لا تقضـي عن الميت، وقد نقل ابن بطال: (الإجماع على أنه لا يصلي أحد عن أحد لا فرضًا ولا سنة، لا عن حي ولا عن ميت)[12].
هل يأكل الناذر من نذره؟
إذا نذر ذبح شاة، فهل يأكل منها؟ وهل يأكل منها أحد من عائلته؟
الجواب: قال ابن قدامة: (المذهب أنه يأكل من هدي التمتع والقران دون سواهما، نص عليه أحمد... وهذا قول أصحاب الرأي، وعن أحمد: لا يأكل من المنذور وجزاء الصـيد، ويأكل مما سواهما، وهو قول ابن عمر[13]، وعطاء، والحسن، وإسحاق. وقال ابن أبي موسـى: لا يأكل أيضًا من الكفارة، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك[14]... وقال الشافعي: لا يأكل من واجب؛ لأنه هدي وجب بالإحرام، فلم يجز الأكل منه كدم الكفارة)[15].
قلت: وممن ذهب إلى عدم جواز الأكل من النذر: علي بن أبي طالب رضي الله عنه[16]، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير[17].
وأما عن أكل العائلة؛ فقد قال ابن حزم: (لكن لأهله وأولاده أن يأكلوا منه إن شاءوا؛ لأنهم غيره، إلا إذا قصد بنذره المساكين فلا يأكلوا، إلا إذا كانوا مساكين)[18].