إسباغ الوضوء:
قال الله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 37]
قال ابن كثير: (وَقَوْلُهُ: ﴿ ﭐ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ أَيْ: ﴿ ﭐ وَبَشِّرِ ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿ ﭐ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، أَيْ: فِي عَمَلِهِمُ، الْقَائِمِينَ بِحُدُودِ الله، الْمُتَّبِعِينَ مَا شَرَع لَهُمُ، الْمُصَدِّقِينَ الرسولَ فِيمَا أَبْلَغَهُمْ وَجَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ).
وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31] نهى الله عن الإسراف، ويدخل فيه الإسراف في الطهارة.
وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]، فقرن بين الطهارة والتوبة التي هي طهارة الباطن، وأعظم ما تتحقق به شهادة التوحيد.
وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ [المائدة: 6]؛ قال ابن كثير في تفسيرها: (وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالْحَثِّ عَلَى الدُّعَاءِ عَقِبَ الْوُضُوءِ، بِأَنْ يَجْعَلَ فَاعلَّه مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ الدَّاخِلِينَ فِي امْتِثَالِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ).
53- عن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَسْبِغْ اَلْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ اَلْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي اَلِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، أخرجه الأربعة، وصحَّحه ابن خزيمة. [والترمذي في السنن (788)، وابن حبان في الصحيح (1087)، والحاكم في المستدرك (529)، وغيرهم]. ولأبي داود في رواية: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ».
54- وعن جابر رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه». أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف.
55- وعن عثمان رضي الله عنه: «أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي اَلْوُضُوءِ». أخرجه الترمذي وصحَّحه ابن خزيمة. [قال أحمد في المسائل لأبي داود (40) وأبو حاتم في العلل (101): ليس يثبت فيه حديث].
56- وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه: «أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أُتي بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ». أخرجه أحمد وصحَّحه ابن خزيمة. [وكذلك صحَّحه ابن حبان في الصحيح (1083)، والحاكم في المستدرك (516) على شرط الشيخين].
57- وعنه: «أَنَّهُ رَأَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ اَلْـمَاءِ اَلَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ». أخرجه البيهقي، وهو عند مسلم (236) من هذا الوجه بلفظ: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ»، وَهُوَ اَلْـمَحْفُوظ[1]. [قال البيهقي في الكبير (1/201): هذا اللفظ-يعني الذي عند مسلم- أصح من الذي قبله].
58- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ - فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ»، متفق عليه واللفظ لمسلم. [الصحيح أن آخره مدرج من أبي هريرة؛ قال الحافظ في الفتح (1/263): (ولم أرَ هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نُعيم هذه، والله أعلم)].
59- وعنه قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحليةُ من المؤمن حيث يبلُغ الوضوء» رواه مسلم.
60- وعن عمر رضي الله عنه: أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه فأبصـره النبي ﷺ فقال: «اِرْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»، فرجع ثم صلى. رواه مسلم.
61- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله ﷺ: «ويلٌ للأعقاب من النار»، متفق عليه.
62- وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْـجنَّةِ الثمانية، يدخل من أيها شاء»، أخرجه مسلم، والترمذي وزاد: «اللهمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ اَلتَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ الْـمُتَطَهِّرِينَ». [قال الترمذي في السنن (55): هذا حديث في إسناده اضطراب].
1 - لقيط بن صبرة: هو لَقِيط بن صَبِرَةَ بن عبد الله بن المنتفق، أبو رزين العقيلي، من أهل الطائف، وكان ينزل قريبًا من مكة، ويأتي مكة كثيرًا فيقيم بها، روى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يكره المسائل، فإذا سأله أَبُو رزين أعجبته مسألته.
2 - جابر بن عبد الله: هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة مع أبيه، وهو أحد الـمُكثرين من الحديث، ورحل إلى مصـر من أجل حديث واحد، كان له في المسجد النبوي حلقة يلقي فيها الحديث والعلم، وكان مفتي المدينة في زمانه، عاش بعد ابن عمر أعوامًا وتفرَّد، كُفَّ بصره في آخر عمره، وتوفي بالمدينة سنة (78 هـ) عن أربع وتسعين سنة.
1 - أَسْبِغْ اَلْوُضُوءَ: الإسباغ: المبالغة في الإتمام والإكمال والتعميم.
2 -وَخَلِّلْ بَيْنَ اَلْأَصَابِعِ: التخليل: هو إدخال الماء بين الأصابع.
3 - يخلِّل لحيته: يُدخل الماء إلى أصول شعر اللحية، وذلك بإدخال الأصابع فيها عند غسلها؛ كالمشط، أو يأخذ كفًا من ماء ويجعله تحتها حتى تتخلل به.
4- لحيته: اللِّحية ـ بكسر اللام ـ: شعر الوجه المعروف، وهو ما نبت على اللحيين وهما عظما الوجه، وما نبت على الذقن، وهو مجتمع اللحيين في أسفل الوجه.
5- بثلثي مُدٍّ: الـمُدُّ -بضم الميم وتشديد الدال-: هو ما يكون ملء كفي الإنسان المعتدل والمد ربع الصاع باتفاق الفقهاء، وهو رطل وثلث، بناء على أن الصاع يزن خمسة أرطال وثلث الرطل، وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة.
6- يدلُك: الدلك: إمرار اليد الغاسلة على العضو المغسول مع الماء.
7- بناصيته: الناصية: الشعر الذي يكون في مقدَّم الرأس.
8 - غُرًّا: الغُرَّة: أصلها لمعة بيضاء في جبهة الفرس، فأُطلقت على نور وجوه هذه الأمة يوم القيامة.
9 - محجلين: التحجيل: أصله من الحجل، وهو الخلخال، والتحجيل: بياض يكون في قوائم الفرس، والمراد به هنا: البياض والنور الكائن في اليدين والرجلين يوم القيامة من آثار الوضوء.
10 - الحلية: أي: حلية النور التي تبلغ ما بلغ ماء الوضوء.
11 - لم يُصبه الماء: لم يجر عليها الماء.
12 - أحسِن وضوءك: أي: أتمَّه.
13 - ويل: الويل: العذاب والهلاك، وجاء في بعض الآثار أنه واد في جهنم.
14 - الأعقاب: جمع عقب، وهو مؤخر القدم، والمراد أصحابها.
1 - في حديث لقيط دليل على مشروعية إسباغ الوضوء، والإسباغ نوعان:
الأول: إسباغٌ واجب، وهو ما لا يتم الوضوء إلا به، فيكون المراد به: استيعاب غسل المحل. والثاني: إسباغٌ مستحب، وهو ما يتم الوضوء بدونه، فيكون المراد به: ما زاد على الواجب من الغسلة الثانية والثالثة، والمجيء بسنن الوضوء.
2 - استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين إذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع، وهو مذهب الجمهـور، خلافًا لمشهور مذهب مالك؛ فإن تخليل أصابع اليدين واجب عندهم [2]، فإن لم يَصِلْ إلا بالتخليل فهو واجب اتفاقًا[3].
3 - وفيه: استحباب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وهو متفق عليه بين الفقهاء[4]، والمبالغة في الاستنشاق تكون ببذل الجهد بإيصال الماء إلى أقصى الأنف.
4 - وفيه: كراهة المبالغة في الاستنشاق للصائم وهو متفق عليه[5]؛ لئلا تؤدي المبالغة في الاستنشاق إلى دخول الماء من الأنف إلى الحلق فيفسد الصوم، ومثله المضمضة، فيكره للصائم المبالغة فيها.
5- وفيه دليل على وجوب المضمضة في الوضوء، وهو مذهب أحمد وإسحاق، خلافًا للجمهور.
6- ينبغي للصائم أن يتجنب كل ما من شأنه أن يتطرق منه إفساد الصوم ولو على سبيل الاحتمال.
7 - في حديث جابر الأول دليل على وجوب غسل المرفقين في الوضوء؛ لأن النبي ﷺ كان يدير الماء على مرفقيه، وكان يغسل يده حتى يشرع في العضد، وفعله أصل في بيان المجمل خصوصًا في الوجوب، وقد سبق الكلام على المسألة.
8 - وفي حديث عثمان دليل على استحباب تخليل اللحية الكثيفة في الوضوء، وهو قول الجمهور[6]؛ لأن الحديث جاء بصيغة الفعل، والفعل لا يدل على الوجوب في الأصل، وأما اللحية الخفيفة التي لا تستر البشرة فيجب غسلها وما تحتها من البشـرة؛ لكونها في حكم الظاهر، فهي داخلة في الأمر بغسل الوجه.
9 - يمكن أن يُجعل حديث عثمان أصلًا للورع والاحتياط فيما يطلب أصله وجوبًا أو استحبابًا[7].
10 - في حديث عبد الله بن زيد الأول دليل على استحباب الاقتصاد في الوضوء وعدم الإسراف، وكذلك في الغسل.
11 - وفيه: استحباب دلك أعضاء الوضوء كما هو مذهب الجمهور خلافًا للمالكية القائلين بوجوب الدلك[8].
12- استحباب التقليل في ماء الوضوء، وترك الإسراف فيه.
13 - لا يستحب للمتوضئ أن يمسح الأذنين بماء جديد غير ماء الرأس، وهو مذهب الحنفية ورجَّحه ابن تيمية خلافًا للجمهور الذين رأوا استحباب مسحهما بماء جديد.
14 - يجوز أخذ ماءٍ جديد للأذنين؛ لعدم وجود ما يمنع منه، وقد ثبت من فعل ابن عمر رضي الله عنهما أنه مسح الأذنين بماءٍ جديد.
15 - يستحب أخذ ماءٍ جديد للرأس، ويجوز أن يمسح رأسه بما بقي من أعضائه السابقة، فقد ثبت عنه ﷺ «أنّه مسح برأسه من فضل ماء كان في يده»[9].
16 - استحب الجمهور مجاوزة حد الفرض في غسل الوجه واليدين والرجلين عملًا بحديثي أبي هريرة، والصحيح عدم الاستحباب، وهو قول مالك ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام وابن القيم[10]؛ لأن قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غُرّته فليفعل» زيادة مُدرجة من كلام أبي هريرة، ولأن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه زاد عن المحل الذي أمر بغسله أو مسحه، بل كان يغسل ذراعيه حتى يشـرع في العضد فقط، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساق، ولم يُنقل عنه زيادة على ذلك.
17-فيه دلالة قطعية على أن وظيفة الرجلين غسلهما ولا يجزىء مسحهما[11].
18 - في حديث عمر دليل على وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، وعدم جواز الاكتفاء بالمسح في القدمين، بل لا بد من الغسل.
19-فيه دليل على اشتراط الموالاة في الوضوء، وقد اختلف فيها الفقهاء[12].
20 - في حديث عمر الأول وحديث عبد الله بن عمرو دليل على وجوب المبادرة إلى إرشاد الجاهل وتعليمه، من أجل إصلاح عبادته، أو خطأ في دينه، وهذا من النصيحة الواجبة، ويدخل في قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - بيان فضيلة الوضوء، وأنه سبب للنور في الوجه واليدين والقدمين يوم القيامة.
2- الأمر بإسباغ الوضوء وإحسانه والترتيب فيه إشارة إلى أن من مقاصد الشـريعة: الحث على الإتقان والإحسان في كل عمل يقوم به المسلم.
3 - فضيلة هذه الأمة؛ حيث يُدعَون يوم القيامة من بين الأمم، ووجوههم وأيديهم وأرجلهم تتلألأ نورًا وبياضًا من آثار الوضوء الذي يفعلونه في الدنيا تعبُّدًا له تعالى، وتعظيمًا لشأن الصلاة.
4 - طاعة الله سبب للفلاح والنجاح والفوز، فكل عبادة لله تعالى لها جزاء يناسبها[13].
5 - فضل هذا الذكر بعد الفراغ من الوضوء.
6- كرم الله تعالى وفضله على عباده في مكافأته على العمل اليسير بالثواب الجزيل.
7-ما أطلع الله نبيه ﷺ من المغيبات المستقبلة التي لم يطلع عليها نبيًّا غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها[14].
8- فضل شهادة التوحيد، وفضل استمرار العبد بالتوبة إلى الله تعالى؛ ولهذا استُحب للمؤمن الدعاء بأن يجعله الله من التوابين ومن المتطهرين.
9 - من السنة أيضًا أن يقول عقب الوضوء ما جاء في قول النبي ﷺ: «من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم يكسـر إلى يوم القيامة»[15].
1 - استدل الجمهور على استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين: بأننا مأمورون بالغسل، وهو يصدق على مجرد وصول الماء إلى البشرة بدون تخليل، والتخليل أمر زائد لا يثبت إلا بدليل صريح في الوجوب، وحديث لقيط محتمل لما سبق؛ ولأن جميع من وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا التخليل. ولكن: إن توقف إيصال الماء لما بين الأصابع على التخليل، فالتخليل حينئذ واجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
2 - الصارف للأمر عن الوجوب في المبالغة في الاستنشاق: أنه لو كانت المبالغة واجبة؛ لما مُنعت من أجل مجرد الاحتياط للصيام، إذ إن الواجب لا يُترك احتياطًا.
3 - استدل الجمهور على أن دَلْك أعضاء الوضوء مستحب لا واجب بأن الله تعالى أمر بالغسل، والغسل لا يشترط فيه إمرار اليد؛ لأنه إسالة الماء على العضو، واشتراطه أمر زائد على ظاهر القرآن وعلى اللغة، ولا تكفي فيه دلالة الفعل، بل لا بد فيه من الأمر الصريح بلا مُعارض.
4- قوله: «ما منكم من أحد يتوضأ»: (ما) نافية، و(مِن أحد) نكرة في سياق النفي بـ(ما)، والنكرة في سياق النفي تدل على العموم، فتشمل كل مسلم، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، فجميع هؤلاء يستحب لهم هذا الذكر عقب الوضوء.
5 - قاعدة: (سَدّ الذرائع): وهي مستفادة من حديث لقيط في النهى عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان الإنسان صائمًا، وسد الذرائع يعني: منع الفعل الذي ظاهره مباح، ولكنه قد يكون وسيلة إلى فعل محرم[16]. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ ﭐ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: 108]، فمع أن سَبَّ آلهة المشركين مشروع، ولكن الله تعالى حرَّمه لكونه ذريعة إلى سب الله تعالى، والأمثلة على هذه القاعدة في السنة كثير، وهي من القواعد المهمة في الشريعة.
6 - قاعدة: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح): وجه دلالة الحديث على ذلك: أن المبالغة في الاستنشاق فيها مصلحة امتثال أمر الشرع؛ لأنه مصلحة دينية يثاب عليها المكلف، ولمصلحة نقاء الأنف، فسقطت هذه المصلحة في مقابل مفسدة الفطر في الصوم.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]
الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه، وتجاوز الحدّ، قال عطاء: (نُهوا عن السرف في كل شيء)، وقال إياس بن معاوية: (ما جاوزتَ به أمر الله فهو سرف).
63- وعن أنس قال: «كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْـمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» متفق عليه.
1 - المد: ما يكون ملء كفَّي الإنسان المعتدل، وهو ربع الصاع النبوي.
2 - الصَّاع: هو مجموع أربعة أمداد.
1 - استحباب الاقتصاد في الماء في الوضوء والغسل، وكراهة الإسراف فيه، وهذا مجمع عليه[17].
2 - استحباب الوضوء بالمد، والاغتسال بالصاع لفعله ﷺ، ويجوز الوضوء بأكثر من ذلك، فليس هذا الحديث على التوقيت والتحديد، بل هو تقريب، والضابط لذلك هو الاقتصاد وعدم الإسراف بحسب العرف.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من مقاصد الشريعة: ترسيخ الفضائل والآداب، ومن ذلك غرس مبدأ الاقتصاد والاعتدال لدى المسلم، والنهي عن الإسراف حتى في الأمور التي قد لا تكلف شيئًا كبيرًا.
أُخذ استحباب الوضوء بالمد والاغتسال بالصاع من فعل النبي ﷺ؛ لأن الأصل في أفعاله ﷺ المجرَّدة أن تكون له ولأمته، وأن تحمل على الاستحباب[18].
مشروعية التيامن في الطهارة وسائر المستحسنات:
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ [الحديد: 12].
قال أبو حيان في تفسيره: (عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْأَيْمَانِ تَشْرِيفًا لَهَا).
وقال الله تعالى: ﴿ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ٨ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴾ [الواقعة: 8، 9]، وقال: ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴾ [الواقعة: 27]، وغيرها من الآيات الدالة على شرف اليمين وفضل أهله وتقديمهم.
64- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ اَلتَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهُ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» متفق عليه.
65- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فابدؤوا بِمَيَامِنِكُمْ»، أخرجه أبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة.
66- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما -في صفة حج النبي ﷺ- قال ﷺ: «اِبْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ»، أخرجه النسائي هكذا بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر. [قال ابن دقيق في الإمام (2/6): اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد عن جعفر على صيغة «نبدأ»، وقال الألباني في تمام المنة ص (88): (الحديث بهذا اللفظ، أي: «ابدؤوا»: شاذ غير صحيح، والمحفوظ إنما هو بلفظ: «أَبدأ» بصيغة الخبر، وليس بصيغ الأمر، هكذا رواه مسلم وغيره)].
- تنعُّله: التَّنعُّل: لبس النعل.
- ترَجُّله: أي: تسريح شعر رأسه ولحيته.
- طهوره -بضم الطاء- أي: في فعل الطهارة في الوضوء والغسل.
1 - في حديث عائشة دليل على استحباب تقديم اليمنى في التنعُّل والترجُّل والطهور، وسائر الأشياء الطيبة، وفيما كان من باب التكريم، واستحباب أن تُجعل اليسار لما سوى ذلك، وللأشياء المستقذرة، كدخول الخلاء والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثياب والسراويل، والنعال، وهذا متفق عليه بين العلماء[19].
2- الحديث دليل على مشروعية تسريح شعر الرأس واللحية ودهنه؛ لأنه من النظافة، وقد ندب الشرع إليها، وما ورد من النهي عن ذلك فالمراد به ترك المبالغة في الترفُّه[20].
3- مشروعية البداءة باليمين في الوضوء والغسل، فيغسل في الوضوء اليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى، وفي الغسل يبدأ بغسل الشق الأيمن من البدن قبل الأيسر، وقد أجمع العلماء أنه ليس بواجب.
4- ظاهر حديث أبي هريرة: «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم» يفيد وجوب التيامُن في أعضاء الوضوء بين اليدين وبين الرجلين، وأغلب العلماء على الاستحباب، بل نُقل الإجماع على أن البدء باليمين إنما هو على سبيل الندب[21].
5 - أورد ابن حجر -رحمه الله- حديث جابر: «اِبْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ» كدليل على وجوب الترتيب في الوضوء، مع أن الحديث ورد في الحج حين أراد السعي بين الصفا والمروة، حيث قدم الله تعالى السعي بالصفا في قوله: ﴿ ﭐ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ﴾ ، فهذا الأمر وإن كان قد ورد في مسألة السعي خاصة، لكنه بعموم لفظه يدل على قاعدة كلية تدخل تحتها آية الوضوء.
6- في حديث أبي هريرة، وحديث جابر دليل على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من وجوب الترتيب في الوضوء[22]، كما استدلوا على ذلك أيضًا بالآية وأنها وردت مُرتّبة، وفعل النبي ﷺ يدل على ذلك، كما أن الله تعالى أدخل في آية الوضوء ممسوحًا بين مغسولَين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هنا هي الترتيب.
1 - قوله: «وفي شأنه كله»: تأكيد الشأن بلفظ (كل) يدل على التعميم، وقد خُص من ذلك: دخول الخلاء، والخروج من المسجد، وقِيسَ عليهما كل مستقذر.
2 - الأصل في الأمر المجرد أن يكون للوجوب إن لم تصـرفه قرينة إلى غيره، والأمر في حديث: «فابدؤوا بميامنكم» مصروف عن ظاهره إلى الندب بالإجماع على عدم وجوب التيمن في الوضوء في الغسل[23].
3 - قاعدة أصولية: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)[24]، فاللفظ المذكور «أبْدَأ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ» وإن كان ورد في موضوع السعي بين الصفا والمروة، إلا أنه لفظ عام، فيُعمل بعمومه، وأن كل ما بدأ الله به نبدأ به، وتكون آية الوضوء مُندرجة في ذلك العموم.
4 - قاعدة: استحباب التيامن فيما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر؛ فقد اتفق العلماء على استحباب التيامن في الأمور الشريفة، والتياسر فيما سوى ذلك، فالتيامن للأخذ والعطاء ولبس الثوب والخُفِّ والمداس والسـراويل وغير ذلك، والتياسر كخلع الثوب والسـراويل والخف وما أشبه ذلك[25].