باب المياه
قال الله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ١٨ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 18- 19].
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: (اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي اللُّغَةِ نَوْعٌ مِنَ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ...وَالنِّيَّةُ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ تَقَعُ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى تَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، كَتَمْيِيزِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَثَلًا...أَوْ تَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْعَادَاتِ، كَتَمْيِيزِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ غُسْلِ التَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ هِيَ الَّتِي تُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ. وَالمَعْنَى الثَّانِي: بِمَعْنَى تَمْيِيزِ المَقْصُودِ بِالْعَمَلِ، وَهَلْ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أَمْ غَيْرُهُ، أَمِ اللهُ وَغَيْرُهُ). اهـ
1- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات -وفي رواية: بالنية- وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» متفق عليه.
عمر بن الخطاب: هو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفيل القُرَشي العدوي، يجتمع مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي، أسلم قديمًا وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ، وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين عمومًا، وهو أول من مصَّر الأمصار، وفتح الفتوح، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وثاني الخلفاء، وسُمِّي الفاروق لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه وظهور ذلك، وكان من محدَّثي هذه الأمة، ونزل القرآن بموافقته في ستة أشياء، مناقبه أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، استشهد بالمدينة في ذي الحجة سنة (23هـ).
اشتهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، والحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير بإسناد رجاله ثقات عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس».
قال ابن رجب: (اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي ﷺ: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها» وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلا بإسناد يصح، والله أعلم)[1].
- الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأنجاس والأدناس، واصطلاحًا: رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب[2]. وهي نوعان: حقيقية: وهي إزالة النجاسة الحقيقية، وحكمية: وهي الوضوء والغسل.
- النيةُ: القصدُ والعزمُ على الشيء.
- هجرته: المراد بها هنا: الهجرة من مكة إلى المدينة، وأصلها الهجرة من بلد الكفر إلى بلاد الإسلام.
- يصيبها: أي: يُحَصِّلُها
1 - أجمع أهل العلم على صحة هذا الحديث وعظم موقعه، وكثرة فوائده، قال عبد الرحمن ابن مهدي وغيرُه: (ينبغي لمن صنف كتابًا أن يبدأ فيه بهذا الحديث؛ تنبيهًا للطالب على تصحيح النية)[3].
2 - مدار الأعمال على النيات، صحة وفسادًا، وكمالًا ونقصانًا، وقبولًا ورَدًّا.
3 - فيه دليل على أن الطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم لا تصح إلا بالنية[4].
4- التروك -كترك الزنا وغيره- لا تحتاج إلى نية؛ لحصول المقصود منها، وهو اجتناب المنهي بكونه لم يوجد، لكن لا يثاب على الترك إلا بنية.
5- حظُّ العامل من عمله نيَّته، فمن نوى شيئًا، حصل له واعتُّد به شرعًا، وكل ما لم ينوه لم يحصل له ولا يعتدُّ به شرعًا، ومن ههنا عظم هذا الحديث.
6- ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وعقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة، فيكون العمل مباحًا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب.
7 - لو نوى قطع النية في أثناء العبادة انقطعت، وبطل ما سبق منها، وعليه استئنافها.
8 - مجرد قصد العمل يكون نية له، فلا حاجة إلى تكلُّف استحضارها، ومحل النية القلب، والتلفظ بها بدعة.
9 - الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام من أفضل العبادات؛ إذا قصد بها وجه الله تعالى.
10- النية تؤثر في العمل، وتحوِّله من عادة إلى قربة إذا كانت النية صالحة، وقد تحوِّله من طاعة إلى معصية إذا كانت فاسدة، فإذا نوى العبد بأكله أو نومه التقَوِّي على طاعة الله صار قربة يثاب عليها، وإذا قصد العبد بعبادته غير وجه الله عز وجل صارت معصية يُعاقَب عليها.
11- بالنية تتميز العبادات عن العادات، وتتميز العبادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارة حمية، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركًا للشهوات لله عز وجل، والغسل يقع عبادة ويقع تنظُّفًا ويقع تبرُّدًا، فيحتاج إلى نية ليتميز بذلك ما كان عبادة عن غيره، وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها فرض ومنها نفل، والفرض يتنوع أنواعًا، ولا يتميز ذلك إلا بالنية.
12- هذا الحديث دليل لمن ذهب إلى أن العقود التي يقصد بها في الباطن التوصل إلى ما هو محرم غير صحيحة، وهو أصل في إبطال الحيل، فمن نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأنَّ من نوى بعقد النكاح التحليل كان محلِّلا، ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنه قد نوى ذلك[5].
13- في الحديث دليل لمن ذهب إلى أن القصود في العقود معتبرة؛ فإن الألفاظ لا تراد لذاتها بل للدلالة على المعاني، فإذ ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ لأنها وسائل[6].
14- في الحديث دليل على أنه لا تكليف على الغافل والناسي ونحوهما؛ لأنهم غير قاصدين.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- من مقاصد الشريعة العظمى: ربط القلوب بالله وحده عند كل عمل، بل هو المقصد والغاية من الخلق؛ لتكون حياة المسلم كلها لله، بلا نفاق ولا رياء، ويرسخ فيه الصدق والفضيلة، ويؤجر على كل شيء يفعله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162].
2- على المؤمن أن يحرص على إصلاح عمله ليكون مقبولا عند الله تعالى؛ وذلك بأن يكون ظاهره موافقًا للسنة، وباطنه مقصودًا به وجه الله تعالى.
3- النية للعمل كالروح للجسد، فإن كل واحد من الساجد لله والساجد للشمس والقمر قد وضع جبهته على الأرض فصورتهما واحدة؛ ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى، وهذا أبعد الخلق عن الله.
4- ينبغي للمؤمن أن يجاهد نفسه على الإخلاص؛ فإنه أشق شيء عليها، ويحذر الرياء كلَّه، فإنه يحبط العمل، ويعرِّض صاحبه للمقت والعقوبة.
5- فيه حثٌّ على الإعراض عن الدنيا، وأن يبتغى بالعمل الله والدار الآخرة.
1- كلمة: (إنما) للحصر عند جمهور اللغويين والأصوليين، ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، فلا صحة للأعمال ولا قبول لها إلا بالنية.
2- قاعدة: (الأمور بمقاصدها): مأخوذة من هذا الحديث وهي من القواعد الكلية الكبرى[7].
3- ضابط: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة، بل المقصود به طلب الثواب مثل الوضوء والتيمم وسائر العبادات، فالنية مشترطة فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما كقضاء الديون وإزالة النجاسة، فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر[8].
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6].
كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فكل ما أطلق عليه ماء دون قيد فهو طهور، أي طاهر في نفسه مطهِّر لغيره، سواء أكان ماء بحر أم غيره، وسواء أكان قليلا أم كثيرًا.
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته» أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة واللفظ له، وصحَّحه ابن خزيمة والترمذي. [صحَّحه البخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (ص:41)، والدارقطني في العلل (1614)، وغيرهما].
3- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» أخرجه الثلاثة، وصحَّحه أحمد. [وابن معين فيما نقله النووي في شرح سنن أبي داود (ص291) ].
4 - وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» أخرجه ابن ماجه، وضعَّفه أبو حاتم.
وللبيهقي: «الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسةٍ تحدث فيه». [ضعَّفه الشافعي في اختلاف الحديث (ص87) والبيهقي في الكبير (2/276) وغيرهما، وقال النووي في المجموع (1/110): اتفق المحدثون على تضعيفه].
5 - وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»، وفي لفظ: «لم ينجس» أخرجه الأربعة، وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان. [والشافعي في الأم (2/11) وأحمد فيما نقله الخطابي في معالم السنن (1/36)، والدارقطني في العلل (6/435) والبيهقي في معرفة السنن (2/85) وغيرهم].
1 - أبو هريرة: اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، أرجَّحها: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم عام خيبر، ولازم النبي ﷺ، كان من أوعية العلم، كثير العبادة، عظيم التواضع، بار بوالدته، وهو أكثر الصحابة رواية للحديث توفي سنة (57) وقيل: سنة (58) وقيل: سنة (59هـ).
2 - أبو سعيد الخدري: هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، غزا اثنتي عشـرة غزوة، وكان من علماء الأنصار وفضلائهم، أصيب بحاجة شديدة بعد استشهاد أبيه، فصبر عن السؤال، توفي سنة (74هـ)، وقيل سنة (64هـ)، وقيل غير ذلك، ودفن في البقيع.
3 - أبو أمامة الباهلي: هو صُدَيُّ بن عجلان الباهلي، سكن الشام، وهو آخر من مات بها من أصحاب رسول الله ﷺ سنة (86هـ) وقيل: سنة (81هـ)، وكان دأبه الصيام لا يكاد يفطر بعد أن سمع قول النبي ﷺ: «عليك بالصوم، فإنه لا مثل له».
4 - عبد الله بن عمر: هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، أسلم صغيرًا مع أبيه، شهد الأحزاب والحديبية، قال فيه النبي ﷺ: «إن عبد الله رجل صالح»، كان من أوعية العلم، وكان شديد التحرِّي والاحتياط والعناية بتتبع آثار النبي ﷺ، مداوما على قيام الليل، توفي في مكة سنة (73هـ) أو (74هـ).
1 - حديث أبي هريرة: أنه جاء رجل من بني مُدلج اسمه عبد الله، إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟... الحديث.
2 - حديث أبي سعيد: أنه قيل لرسول الله ﷺ: «أنتوضأ من بئرِ بُضاعة، وهي بئر يُطرح فيها الحِيَضُ ولحوم الكلاب والنَّتَنُ؟ فقال...» الحديث.
3 - حديث ابن عمر: أنه سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث».
- الطَّهور: -بفتح الطاء - هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره.
- ميتته: الميتة تطلق على شيئين:
الأول: مأكول اللحم إذا مات حتف أنفه أو بغير ذكاة شرعية.
الثاني: غير مأكول اللحم إذا مات على أي جهة كان ذلك.
- ينجِّسه: نجس ضد طهر، والنجاسة في الشرع: قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة كالبول والدم.
قد يتوهم كثير من الناس إذا سمع حديث بئر بضاعة أن هذا كان منهم عادة وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدًا وتعمُّدًا، وهذا ما لا يجوز أن يظن بذميٍّ بل بوثني فضلا عن مسلم، ولم يزل من عادة الناس قديمًا وحديثًا مسلمهم وكافرهم تنزيه المياه وصونها عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان -وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعة المسلمين، والماء في بلادهم أعز والحاجة إليه أمس- أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له،...وإنما كان هذا من أجل أن هذه البئر موضعها في حَدور من الأرض وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها فتلقيها فيها...[9].
- قُلَّتين: القُلَّة هي الجرة الكبيرة من الفخار، والقلتان: ما يعادل اليوم: 190 لترًا تقريبًا[10].
- لم يحمل الخَبَث:-بفتحتين- النَّجَس، أي: لم يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، فلا تؤثر .
حديث «الطهور ماؤه» حديث عظيم، وأصل من أصول الطهارة، مشتمل على أحكام كثيرة، وقواعد مهمة، قال الشافعي: (هذا الحديث نصف علم الطهارة)[11].
1 - ماء البحر طاهر مطهر يرفع الحدث ويزيل النجاسة.
2- في الحديث دليل على أن جميع ما لا يعيش إلا في البحر من الحيوان حلال أكله، وهو مذهب الجمهور.
3 - دل حديث أبي سعيد وحديث أبي أمامة على أن الأصل في المياه الطهارة، ولا يتنجس الماء بوقوع النجاسة فيه إذا لم تغيِّر وصفًا من أوصافه الثلاثة: اللون أو الطعم أو الريح. وهذا مجمع عليه [12].
4- الماء المتغير بحلول نجاسة فيه نجس، سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وعلى هذا إجماع أهل العلم[13].
5- في حديث القلتين دليل على أن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه إذا كان دون القلتين، ولو لم تغيِّره، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وذهب المالكية إلى أن العبرة بالتغير، واختار هذا المذهب شيخ الإسلام ابن تيمية[14].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حرص الصحابة رضي الله عنهم على طلب العلم، ومعرفة أحكام الدين، وعدم عمل شيء دون بصيرة وهداية من النبي ﷺ.
2 - الزيادة في الجواب على سؤال السائل إذا رأى العالم حاجة السائل إلى ذلك، وهو من محاسن الفتوى.
3 - من مقاصد الإسلام: التيسير على الناس والتخفيف عنهم، والحكم بالأصل والظاهر، فكان من هديه ﷺ أن يتوضأ بكل ماء ظاهره الطهارة؛ إلا أن يظهر على هذا الماء أثر نجاسة بِلونه أو طعمه أو ريحه.
4- الإسلام يدعو إلى النظافة، ويأمر بالتنزُّه عن النجاسة والقذارة، ومن شواهد ذلك أنه حكم بتنجيس الماء المتغير بنجاسة وقعت فيه.
5 - يُستفاد من الأحاديث: أن من المقاصد العامة في الإسلام: مَن غلَب خيرُه شَرَّه وكمالُه نقصَهُ وُهب الشر للخير والنقص للكمال؛ يقول سعيد بن المسيب: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب؛ ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله. ويقول الذهبي: (ولو أنَّه كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له قمنا عليه وبدَّعناه وهجرناه لما سلم معنا أحد من الأئمة).
1 - في قوله: «الحل ميتته» عموم؛ لأن المفرد إذ أضيف عمَّ، وهنا أضيفت الميتة للضمير (الهاء) العائد على البحر فدلَّت على حل جميع أنواع ميتة البحر.
2 - حديث أبي سعيد يدل على العموم من وجهين:
الأول: قوله: «الماء طهور» فـ(أل): للاستغراق، وهي من ألفاظ العموم؛ أي: كل ماء طهور.
الثاني: الاستثناء، فإنه لما صح الاستثناء منه دل على عمومه؛ فإن الاستثناء معيار العموم، فأفاد الحديث أن الماء على عمومه لا ينجس إلا بالتغير كثيرًا كان أو قليلًا.
3 - دل حديث القلتين بمفهومه-وهو مفهوم شرط- على أن القليل -وهو ما دون القلتين- ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، سواء أتغير أم لم يتغير، وهذا الحكم مخالف لمنطوق الحديث الذي قبله، وهو أن (الماء طهور إلا إن تغير...).
والقاعدة: دلالة المنطوق مقدمة؛ لأن المفهوم محتمل، والمنطوق الصـريح لا يحتمل، فيقدم غير المحتمل على المحتمل عند التعارض، ومفهوم الحديث هنا محمول على أن الغالب والأكثر أن ما دون القلتين يتغير بملاقاة النجاسة، لكنه إذا لم يتغير فيبقى على الأصل وهو الطهورية.
وأما من أخذ بمفهوم حديث القلتين فبناء على قاعدة تخصيص العموم بالمفهوم، لأن حديث القلتين خاص وحديث الماء طهور عام والخاص مقدَّم على العام، والعمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العمل بالعموم مطلقًا، ولا كذلك بالعكس، والجمع بين الدليلين، ولو من وجه أولى من العمل بظاهر أحدهما وإبطال أصل الآخر.
4 - قاعدة: أخذ العلماء من هذه الأحاديث وغيرها من النصوص الشرعية قاعدة: أن الأصل براءة الذمة، وبقاء ما كان على ما كان إلا بدليل واضح ينقل عن ذلك.
النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال فيه من الجنابة:
﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56].
وقوع الفعل (تفسدوا) في سياق النهي يقتضي عموم كل إفساد قل أو كثر، بعد صلاح قل أو كثر، فشملت الآية النهي عن مجامع المفاسد والمضار فيدخل فيه: المنع من إفساد النفوس، ومن إفساد الأموال، وإفساد الأنساب، وإفساد العقول، وإفساد الأديان، وكل ما يوجب مفسدة دنيوية أو دينية، والماء من أعظم المال.
6- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي اَلْـمَاءِ اَلدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» أخرجه مسلم.
7- وللبخاري: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي اَلْـمَاءِ اَلدَّائِمِ اَلَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
ولمسلم: «مِنْهُ»، ولأبي داود: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ الْـجَنَابَةِ».
- الدائم: هو الساكن الثابت الذي لا يجري، كمياه البرك والغدران والمسابح.
1- دل حديث أبي هريرة الأول على كراهة اغتسال الجنب في الماء الدائم، وهو قول الجمهور[15].
2- المذكور في الحديث الغسل من الجنابة فيلحق به اغتسال الحائض والنفساء قياسًا[16]، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبهما[17].
3- يكره البول في الماء الراكد، وهو قول الشافعية والحنابلة، وذهب الحنفية والمالكية إلى التحريم إن كان الماء قليلًا[18]، فإن كان الماء مستبحرًا، فيجوز فيه جميع ذلك بالإجماع[19].
4 - يكره التغوط والاستنجاء في الماء الراكد الذي لا يجري من باب أولى، وهو قول الجماهير عدا خلافًا شاذًا فيه للظاهرية[20].
5 - النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال فيه من الجنابة لا يدل على نجاسة الماء إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة، عند من يرى العبرة بالتغير.
6- يستوي في حكم النهي المغتسل من الماء الراكد والمتوضئ منه؛ لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله سبحانه بالمستقذرات، والغسل والوضوء فيه سواء[21].
7- في الحديث دليل على نجاسة البول.
8- النهي عن الاغتسال في الماء الراكد الذي فيه البول يشمل الانغماس في الماء والتناول منه؛ لقوله ﷺ في رواية مسلم: «منه»، ولأن المقصود: اجتناب الماء الذي وقعت فيه النجاسة.
9- في النهي عن البول في الماء الراكد تنبيه على النهي عما يشاركه في معناه من النجاسات.
10- في الحديث دلالة على أن الماء الساكن تؤثر فيه النجاسة ولو لم تغير أحد أوصافه، وخرج الماء الكثير بدلالة الإجماع على أنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، وبقي القليل وظاهر هذا الحديث أنه ينجس، وفي المسألة خلاف[22].
11- تحريم أذية الناس وإلحاق الضرر بما ينتفعون به.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- من مقاصد الإسلام: مراعاة المصلحة العامة، وتقديمها على المصلحة الخاصة، فإذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة قُدِّمت مصلحة الجماعة.
2- الإسلام دين النظافة والطهارة والنزاهة، والإحسان إلى الناس وكفِّ الضرر عنهم.
3- الشريعة تهذِّب المسلم باطنًا وظاهرًا، في الخلوة والجلوة، فالمسلم يتشـرَّب هذه الآداب ويلتزمها، ويراعي حق الغير وإن كان وحيدًا خاليًا؛ لأنه يتعبد الله ويتقرب إليه بذلك.
1 - استدل جمهور العلماء بالقياس بنفي الفارق -وهو القياس في معنى الأصل- على أنه لا فرق بين البول في الماء نفسه، أو البول في إناء ثم صبه في الماء، وكذلك البول بقرب الماء بحيث يجري البول إليه، فكل ذلك داخل في النهي.
2 - واستدلوا بفحوى الخطاب على أنه يلحق بالبول ما في معناه؛ كالتغوط، وإلقاء الدم، وسائر المستقذرات؛ لوجود العلة، وهي تلويث الماء وتقذيره على الناس.
3 - استدل العلماء بمفهوم الأحاديث السابقة على جواز البول في الماء الذي يجري؛ لأن البول يجري مع الماء ولا يستقر، ويتلاشى وينتهي، وهو كذلك.
4 - عموم الحديث يدل على أنه لا فرق بين أن يكون الماء الدائم قليلًا أو كثيرًا، ولكن الإجماع دل على أنه يخص من النهي عن ذلك المياه المستبحرة؛ فيجوز البول فيها، والاغتسال من الجنابة مع أن ذلك خلاف الأولى.
اغتسال الرجل بفضل المرأة وعكسه:
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6].
كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي تفيد عموم طهورية كل المياه سواء كانت من فضل الرجل أو فضل المرأة.
8- عن رجل صحب النبي ﷺ قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ اَلْـمَرْأَةُ بِفَضْلِ اَلرَّجُلِ، أَوْ اَلرَّجُلُ بِفَضْلِ اَلْـمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا»، أخرجه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح. [صحَّحه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/226)، قال ابن حجر في فتح الباري (1/300): (ولم أقف لمن أعلَّه على حجة قوية)].
9- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ»، أخرجه مسلم.
10- وعنه قال: اِغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: «إِنَّ اَلْـمَاءَ لَا يُجْنِبُ» أخرجه الأربعة وصحَّحه الترمذي وابن خزيمة. [وأعلَّه الإمام أحمد فيما نقله ابن رجب في فتح الباري (1/284)، والدارقطني في الأفراد (2568)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/52)].
1 - رجل صحب النبي: الصحابي هذا لا يُعرف، والقاعدة الحديثية: أن إبهام الصحابي لا يضـر؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول.
2 - ابن عباس: هو أبو العباس، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، حبر الأمة وفقيهها وترجمان القرآن، ابن عم رسول الله ﷺ، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، مسح النبي ﷺ رأسه ودعا له بالحكمة، كان كثير البكاء من خشية الله، حتى إن مجرى دموعه كان كأنه الشراك البالي، وكان يصوم الاثنين والخميس، توفي بالطائف سنة (68هـ).
- الفضل: يطلق ويراد به ما بقي من الماء في الإناء بعد الطهارة، ويطلق ويراد به ما تساقط من الأعضاء بعد التطهر.
- ميمونة: هي ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها إحدى زوجات النبي ﷺ
- الجَفْنة: هي القصعة الكبيرة.
- إن الماء لا يجنب: بضم الياء وكسر النون، من أجنب، وبفتح الياء وضم النون من جنُب -بضم النون- وبفتح الياء والنون من جنِب -بكسر النون- أي: إن الماء لا تصيبه الجنابة، ولا تؤثر فيه.
1 - الأحاديث تتعلق بالماء القليل.
2 - في الحديث الأول نهي الرجل أن يغتسل بفضل طهور المرأة والعكس، ودلَّ حديث ابن عباس على الجواز، وقد جمع العلماء بين الحديثين بأن
اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة مكروه فقط؛ جمعًا بين الأحاديث، وهذا مذهب الجمهور خلافًا لأحمد[23].
2 - لا تتحقق الكراهة إلا عند وجود ماء آخر يغتسل فيه غير فضل المرأة، وأما إذا دعت الحاجة إلى فضل المرأة، فإن الكراهة تزول في هذه الحالة.
3- في نهي أحد الزوجين عن الاغتسال بفضل الآخر دليل لمن ذهب إلى أن الماء القليل ينجس إذا لاقته النجاسة ولو لم تغيره.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- تواضع النبي ﷺ، وحسن تعامله مع أهله، وتركه التكلُّف وأخذه من الحياة بأيسر مقوِّماتها.
2- في ذلك تنبيه على أن الدنيا ظل زائل، لا تحتاج إلى طول عناء وتكلف من أجل جلب الكماليات، فكيف بالاستغراق فيها!
1 - إذا نهى النبي ﷺ عن شيء ثم فعله؛ دلَّ النهي على الكراهة لا التحريم ما لم يكن نسخًا واضحًا؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل حرامًا، فيكون ثبوت الفعل قرينة صارفة عن حمل النهي على التحريم. كما أنه ﷺ قد يأمر بالشيء ثم يتركه، فيدل ذلك على أن ذلك الأمر ليس للوجوب[24].
2 - الضرورات تبيح المحظورات، والحاجات تبيح المكروهات، ولهذا قال العلماء بأن الكراهة مختصة بوجود ماء آخر يغتسل فيه غير فضل المرأة، فإذا دعت الحاجة إلى التطهر بفضل المرأة زالت الكراهة [25].
حكم الإناء الذي ولغ فيه الكلب:
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]
قال ابن عاشور: (الإيتاء مستعار لتبليغ الأمر إليهم؛ جعل تشـريعه وتبليغه كإيتاء شيء بأيديهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [البقرة: 63 و93]. واستعير الأخذ أيضًا لقبول الأمر والرضى به والعمل، وقرينة ذلك مقابلته بقوله تعالى: ﴿ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ وهو تتميم لنوعي التشريع. وهذه الآية جامعة للأمر باتباع ما يصدر من النبي ﷺ من قول وفعل فيندرج فيها جميع أدلة السنة)[26]. وما لا نعقله من أوامر الشـرع يجب علينا التسليم به والانقياد له؛ ومن ذلك الحديث الآتي.
11- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ اَلْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»، أخرجه مسلم. وفي لفظٍ له: «فَلْيُرِقْهُ» [وهي زيادة شاذة أعلَّها النسائي في السنن (66)، وحمزة الكناني فيما نقله المزي في تحفة الأشراف (12441)، وابن منده فيما نقله ابن الملقن في البدر المنير (1/545)، وابن عبد البر في التمهيد (6/481)]، وللترمذي: «أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ». [صحَّحه الترمذي في السنن (91)].
12- ولمسلم من حديث عبد الله بن مغفل: «فاغسلوه سَبْعًا، وعَفِّرُوهُ الثَامِنَةَ بِالتُّرَابِ».
عبد الله بن مغفل: هو عبد الله بن مغفل بن عبد نهم بن عفيف المزني، صحابي جليل من أهل بيعة الرضوان، كان من البكَّائين، ومن الذين بعثهم عمر إلى البصـرة يُفقهونهم، سكن المدينة ثم البصرة، توفي سنة (57هـ) وقيل غير ذلك.
- وَلَغَ الكلبُ: أي: شرب بطَرَف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه.
- فليُرِقْه: أي: ليفرغ الإناء ويصبَّه على الأرض.
- عفِّروه: ترِّبُوه، أي: اغسلوه بالتراب، وهو من العَفَر- بالتحريك- وهو التراب.
1 - في الحديث دلالة على نجاسة لعاب الكلب عند جمهور العلماء.
2- نجاسة الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وهو مذهب الجمهور.
3- وجوب غسل ما ولغ فيه الكلب أو لعقه أو لحسه سبع مرات بالماء، ومرة بالتراب بحيث يكون مخلوطًا مع الماء في الغسلة الأولى، كما جاء في رواية مسلم: «وعفِّروه الثامنة بالتراب»، والمراد: الثامنة من حيث العدد، لا من حيث الترتيب، والأولى البداءة به[27] لأنه أصح رواية[28] ومعنى؛ لأن تتريب الغسلة الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه.
4- الغسلات سبع، باعتبار أن جمع الماء مع التراب في الغسلة الأولى يعتبر غسلة واحدة، وثمان باعتبار استقلال مادة التراب عن مادة الماء، فكانت كأنها غسلتان.
5- وجوب استعمال التراب في التطهير من ولوغ الكلب للنص عليه، ولا يقوم غيره مقامه[29].
6- يغسل الإناء الذي ولغ فيه الخنزير سبعًا إحداهن بالتراب؛ لأنه أسوأ حالا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة[30].
7- الحديث دليل على أن حكم النجاسة يتعدى عن محلها إلى ما يجاورها بشرط كونه مائعًا وعلى تنجيس المائعات إذا وقع في جزء منها نجاسة وعلى تنجيس الإناء الذي يتصل بالمائع.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من مقاصد الإسلام: عنايته بطهارة المسلم وصحته ونظافة بيئته، وتشـريع الأحكام لحفظه من كل ما قد يؤذيه أو يجلب له الضرر.
2- مما يزيدنا إيمانًا ويقينًا أن العلم الحديث أثبت أن لعاب الكلب يحمل جراثيم وميكروبات ممرضة، لا يمكن التخلص منها إلا بالتراب، ولا تزول بغيره من المطهرات الحديثة[31].
1- دل على نجاسة لعاب الكلب السبر والتقسيم؛ فإن لفظ الطهور في قوله: «طهور إناء أحدكم» لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا حدث على الإناء، فتعين حمله على النجاسة.
2- (ال) في الكلب للاستغراق (للعموم)، فتشمل جميع أنواع الكلاب؛ وعليه؛ فلا فرق بين الكلب المأذون فيه -ككلب الصيد والحراسة والزرع- وغير المأذون فيه، وخُصَّ في قول في مذهب مالك بالكلب غير المأذون في اتخاذه؛ لأن إيجاب الغسل عليه مع المخالطة فيه عسر وحرج، لا يناسبه الإذن والإباحة في الاتخاذ، والأقرب العموم.
3- دل فحوى الخطاب على نجاسة عين الكلب؛ لأنه إذا كان هذا كله في فم الكلب وهو أطيب ما فيه لكثرة ما يلهث، فبقية أجزائه نجسة من باب أولى[32].
4- ما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإنما نُصَّ على الولوغ لكونه الغالب، وإلا فما لعقه الكلب أو لحسه أو سقط فيه من عرقه أو دمه أو بوله يغسل سبعًا كذلك عند الجمهور، ويقول الظاهرية: إن الغسل سبعًا خاص بنجاسة الولوغ، وأما بول الكلب ودمه وعرقه فيغسل كسائر النجاسات، وهو ما أقرَّ النووي بقوة دليله، ومذهب الجمهور أحوط.
5- وجوب استعمال التراب في تطهير ما ولغ فيه الكلب لأن النص إذا ورد بشـيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص، واطِّراح خصوص المعيَّن فيه.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78] وقال الله تعالى ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ [النور: 58]
قال أبو عبيد -عن الهرة المذكورة في حديث أبي قتادة الآتي-: (جعلها بمنزلة المماليك؛ ألا تسمع إلى قوله سبحانه: ﴿ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ )[33]، وقال ابن كثير: (وَيُغْتَفَرُ فِي الطَّوَّافِينَ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِمْ؛ ثم ساق حديث أبي قتادة في الهرة)[34].
13- عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال -في الهرة-: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم» أخرجه الأربعة، وصحَّحه الترمذي، وابن خزيمة. [وقال الدارقطني فيما نقله ابن عبد الهادي في تعليقه على العلل (ص:130): (إسناد حسن ورواته ثقات معروفون)، وصحَّحه مالك فيما نقله الترمذي في السنن (92)، وابن حبان في الصحيح (1299)، والبيهقي في الكبير (2/240)].
أبو قتادة: هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي، شهد غزوة أُحد وما بعدها، فارس رسول الله ﷺ، المحفوظ بدعاء النبي ﷺ، حيث دعا له بقوله: «حفظك الله بما حفظت به نبيَّه» أخرجه مسلم، توفي بالمدينة سنة (54هـ)، وله اثنان وسبعون سنة.
أن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- قالت إن أبا قتادة دخل، فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس..» الحديث.
- ليست بنجس: النَجَس: -بفتحتين- هو عين النجاسة، والمراد أنها ليست نجسة الذات، وأما النَّجِسُ: -بفتح فكسر- فهو الشيء المتنجس.
ـ الطوَّافين: الطَوَّاف: هو من يكثر من الطواف، والطواف هو الدوران حول الشـيء والمراد كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها.
1- دل حديث أبي قتادة على طهارة الهرة وطهارة سؤرها، وهو قول جمهور الفقهاء[35].
2- فيه دليل على أن كل ما يُكْثِرُ التطواف على الناس من الحيوان ويشق الاحتراز منه فهو كالهرة، محكوم بطهارته.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من محاسن الشريعة: الرفق بالحيوانات وإطعامها والإحسان إليها، وترك التحرُّز مما ليس نجسًا منها.
1 - في قوله: «إنما هي من الطوافين عليكم» بيان علة عدم نجاسة الهرة، وهي كثرة الملابسة للبشر ومقتنياتهم الرطبة واليابسة، والقاعدة أنه إذا ظهرت العلة؛ فإنه يجب تعدية الحكم لكل ما وجدت فيه تلك العلة، فيدخل في حكم الهرة الحمار والبغل ونحوهما على الصحيح من أقوال أهل العلم.
2- قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) أو (إذا ضاق الأمر اتسع)، والتيسير في الشـريعة يأتي لأسباب عدة، من أهمها العسر وعموم البلوى، مثل: سؤر الهرة عُفي عنه؛ لكثرة طوافها، وعموم البلوى بها[36].
حكم الماء الذي وقعت فيه الذبابة:
قال الله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن: 26، 27]. وما في حديث الذباب من الغيب الذي أطلع الله عليه رسوله ﷺ، وواجبنا أن نؤمن ونصدق ونسمع ونطيع.
14- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَقَعَ اَلذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي اَلْآخَرِ شِفَاءً»، أخرجه البخاري، وأبو داود، وزاد: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ اَلَّذِي فِيهِ اَلدَّاءُ». [صحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (105)، وابن حبان في الصحيح (1246)].
- فليغمسه: فليدخله.
- لينزعه: ليخرجه.
1 - دلَّ حديث أبي هريرة على طهارة الذباب، وأنه لا يُنجِّس ما وقع فيه من طعام أو شراب؛ إذ لو كان نجسًا لما أمر بغمسه.
2 - ميتة ما لا دم له سائل -كالعنكبوت والخنفساء والنحل والبقّ والبعوض ونحوها- طاهرة، فإذا وقع في مائع لم ينجسه، قياسًا على الذباب، وهو مذهب الجمهور خلافًا للشافعية[37].
3 - من أراد أن يشرب سائلًا وقع فيه الذباب، فعليه غمس الذباب أولًا ثم إخراجه ورميه؛ دفعًا للمرض عن نفسه.
4 - جواز قتل الذباب دفعًا للضرر؛ لأن الأمر بالغمس يقتضي قتله خاصة إذا كان الشراب حارًا.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
في حديث الذباب علم من أعلام النبوة، ودليل على أن ما جاء به النبي ﷺ من عند الله رب العالمين، فقد أثبت العلم الحديث على أن الذباب يحمل تحت جناحه الذي يسقط عليه مكروبات ضارَّة، ويحمل تحت الجناح الآخر مكروبات أخرى قاتلة لتلك المكروبات الضارة، ولا يتحقق خروج المكروبات المضادة إلا بغمس الذباب وإرغامه على إخراج تلك المواد المضادة [38].
1- ما لا يسمى شرابًا من المائعات له حكم الشراب إن وقع فيه ذباب بطريق القياس؛ لأن الحكم في لفظ الشارع إنما كان بسبب وصْفٍ في الذباب الواقع، لا على ما يقع فيه، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا[39].
2- يقاس على الذباب غيره -مما لا نفس له سائلة- في عدم تنجيس ما يقع فيه؛ لأن العلة في عدم نجاسةالذباب هي كونه لا نفس له سائلة، فيلحق به كل ما كان كذلك[40].