حجم الخط:

محتوى الدرس (2)

كيفية تطهير الأرض من النجاسة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 6]، وقال: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: 11]. في الآيتين أن الطهارة تكون بالماء وفيها التأكيد على الطهارة من البول الذي يخرج من الإنسان كما دلَّت عليه جملة ﴿ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ .

[الأحاديث]

15- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ اَلْـمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ اَلنَّاسُ، فَنَهَاهُمْ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ؛ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» متفق عليه.

ترجمة الراوي:

أنس بن مالك: هو أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر، خدم رسول الله ﷺ عشـر سنين منذ أن كان له عشر سنين، وكان أشبه الناس صلاة به، أصابته دعوة رسول الله ﷺ: «اللهم ارزقه مالًا وولدًا، و بارك له فيه»، فكان من أكثر الأنصار مالًا وولدًا، مات سنة (90هـ)، وقيل غير ذلك، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة.

التوضيح:

- الأعرابي - بفتح الهمزة- واحد الأعراب: وهو الذي يسكن البادية.

- طائفة المسجد: ناحية من نواحي المسجد.

- زجره الناس: نهروه

- الذَّنوب -بفتح الذال المعجمة-: هو الدلو الكبير الممتلئ بالماء، ولا تسمى ذنوبًا إلا إذا كان فيها ماء.

- أهريق عليه: أصله أُريق، أي: صُبَّ عليه.

الدلالات الفقهية:

1- دل الحديث على نجاسة البول، وهو أمر مجمع عليه، واستثني بول الرضيع بدليل آخر.

2- فيه أن الأرض النجسة تطهر بالمكاثرة بالماء ولا يصح غير الماء، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية[1]، وقد قال الفقهاء: يصب على البول من الماء ما يغمره، ولا يتحدد بشيء، من الغسلات أو الدلاء ولا نقل التراب، وسواء في ذلك أكانت الأرض رخوة أم صلبة، وشرط طهارتها أن تزول عين النجاسة، فإن كان للنجاسة جرم كغائط مثلًا، لزم إزالته قبل تطهيرها بالماء.

3- ذهب الحنفية إلى أن الأرض النجسة تطهر بالشمس أو بالريح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، إذ قال: (إن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو بالريح أو الاستحالة هل تطهر؟ على قولين أحدهما: تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح)[2].

4- وجوب التأدب بآداب المساجد واحترامها وتنزيهها عن النجاسات وسائر الأقذار.

5- في الحديث المبادرة إلى إنكار المنكر عند القدرة على ذلك، فإن النبي ﷺ لم ينهَ الصحابة عن إنكار المنكر، وإنما نهاهم عن العنف فيه.

6- فيه دليل على أن الاحتراز عن النجاسة، وتجنبها في الجملة، أمر متقرر في نفوس حملة الشرع.

7- فيه المبادرة إلى إزالة المفسدة عند زوال المانع من إزالتها، وذلك من قوله في الحديث: «فلما قضى بوله أمر بذنوب»، والقواعد تقتضيه، فإن المانع إذا زال، وجب إعمال المقتضي[3].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من مقاصد الشريعة: أن اللين والرفق أصلٌ في الدعوة إلى الله، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة يكون له أعظم الأثر على المدعو.

2- عظيم حرص الصحابة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث بادروا بالإنكار لكون الفعل بحدِّ ذاته منكرًا، لكن فاتهم النظر إلى أنَّ منعه وقطعه يؤدي إلى تضـرره وتنفيره، وزيادة التنجيس للمكان والثياب، فلهذا نهاهم النبي ﷺ عن زجره وأمرهم بالرفق به.

3 - في الحديث إبانة عن جميل أخلاق الرسول ولطفه ورفقه بالجاهل، وبُعد نظره ﷺ، ومعرفته بطبائع الناس، وحسن سيرته معهم، حتى أخذ حبه ﷺ بمجامع قلوبهم، وقد قال الله تعالى عنه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4].

طريقة الاستدلال:

قاعدة: في الحديث دليل على قاعدة فقهية مهمة، قال ابن دقيق العيد: (من القواعد الكلية أن تُدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما إذا تعين وقوع إحداهما، بدليل حديث بول الأعرابي في المسجد لما نهاهم النبي ﷺ عن زجره). اهـ ، (فبول الرجل في المسجد مفسدة، لكن قطعه مفسدة أعظم؛ فقد يتضـرر هذا الرجل بقطع بوله، كما أن زجره قد يؤدي إلى تلوث ثيابه وبدنه، وتلوث أماكن كثيرة من المسجد)[4].

ما لا يَنْجُس من الميتات والدماء:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145].

قال ابن تيمية: (أَمَّا نَجَاسَةُ الْحَيَوَانِ بِالْمَوْتِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِجْمَاعٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: 3]، وَذَلِكَ يَعُمُّ أَكْلَهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ)[5].

وأما عن الدم المسفوح فيقول: (عُفى عن الدم غير المسفوح، مع أنه من جنس الدم، حيث عُلم أن الله سبحانه فرق بين الدم الذي يسيل وبين غيره...والفرق بينهما إنما هو سفح الدم، فدل على أن سبب التنجيس هو: احتقان الدم واحتباسه، وإذا سفح بوجه خبيث: بأن يذكر عليه غير اسم الله، كان الخبث هنا من وجه آخر، فإن التحريم تارة لوجود الدم، وتارة لفساد التذكية: كذكاة المجوسي، والمرتد، والذكاة في غير المحل)[6].

والجراد ليس له نفس سائلة، والكبد والطحال ليسا دمًا مسفوحًا، وقد جرى الذبح للحيوان الذي يحملهما فجاز أكلهما.

وأما عن ميتة السمك فقد قال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [المائدة: 96]

قال ابن القيم معلقًا على الآية: (وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ مَا صِيدَ مِنْهُ وَطَعَامَهُ مَا مَاتَ فِيهِ)[7].

[الأحاديث]

16- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْـمَيْتَتَانِ: فَالْـجَرَادُ وَالْـحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَان: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ»، أخرجه أحمد وابن ماجه، وفيه ضعف. [قال أحمد في العلل رواية عبد الله (1795): منكر، وصوَّب وقفه: أبو حاتم فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (1/52)، وأبو زرعة في العلل (1524)، والدارقطني في العلل (5/437)، والبيهقي في الكبير (2/259) وغيرهم، قال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (4/643) وابن حجر في التلخيص الحبير (1/53): هو موقوف في حكم المرفوع].

التوضيح:

- الميتتان: تثنية ميتة، وهي ما مات حتف أنفه أو من غير ذكاة شرعية.

- الحوت: السمك، وقد يطلق على نوع ضخم منه.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث أن ميتة الجراد طاهرة حلال الأكل، ونقل النووي الإجماع على حل أكل الجراد[8].

2 - وفيه أن ميتة السمك طاهرة حلال الأكل، وقد اتفق العلماء على جواز أكل السمك الميت بفعل فاعل أو بآفة، وأما ما مات حتف أنفه، أو كان طافيًا ففيه خلاف[9]، وجمهور العلماء على جواز أكله لدخوله في عموم النص السابق[10]، ويستثنى ما مات فيه بسبب السموم أو الكيماويات فلا يجوز أكله؛ للضرر.

فإذا مات الجراد أو السمك في ماء فإنه لا ينجس، سواء أكان الماء قليلًا أو كثيرًا، ولو تغيَّر طعمه أو لونه أو ريحه؛ لأنه لم يتغيَّر بنجاسة، وإنما تغيَّر بشيء طاهر.

3 - وفيه أن الكبد والطحال طاهران حلال الأكل، فهما مستثنيان من تحريم الدم المسفوح بإجماع أهل العلم[11].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

من مقاصد الشريعة: التيسير في الأحكام على العباد، فلا يُحرَّم عليهم شيء إلا لما فيه من ضرر عليهم.

طريقة الاستدلال:

استدل الجمهور بعموم حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة في الوضوء من ماء البحر على أن ميتة البحر حلال مطلقًا، سواء منها ما مات بسبب ظاهر، أو ما مات بنفسه، فأي ميتة من ميتات البحر حلال الأكل؛ ولا يستثنى من ذلك إلا ما ظهر ضرره؛ كأن حصلت فيه عفونة، أو مات ببترول أو مواد سامة، وكذلك يقال في الجراد.

حكم العضو المنفصل من حيوان حي:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: 3].

الميتة هي الحيوان الذي يموت بلا تذكية أو صيد، ومن الميتة العضو المنفصل عن حيوان وهو حي، لأنه غير مذكى؛ لأن محل التذكية معروف، إلا الإنسان فهو طاهر حيًا وميتًا كما سبق.

[الأحاديث]

17- عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «مَا قُطِعَ مِنْ اَلْبَهِيمَةِ -وَهِيَ حَيَّةٌ- فَهِيَ مَيْتَةٌ»، أخرجه أبو داود والترمذي وحسَّنه. [أعلَّه بالإرسال: أبو زرعة في العلل (1479)، والدارقطني في العلل (3/216)، والبزار في المسند (كشف الأستار 1220)، وغيرهم].

ترجمة الراوي:

أبو واقد الليثي: هو الحارث بن مالك أو ابن عوف، الليثي، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا، وسكن المدينة وجاور بمكة ومات بها، دُفن في مقبرة المهاجرين سنة (68هـ).

سبب حديث أبي واقد:

عن أبي واقد قال: قدم النبي المدينة وهم يَجُبُّون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، فقال: «ما قُطع من البهيمة...» الحديث.

التوضيح:

- البهيمة: هي كل ذات أربع من غير المفترس، أو هي ذوات الأربع من الإبل والبقر والغنم فقط. أو كُلُّ حي لا يميز، وهذا أعم، وسميت بهيمة لما في صوتها من الإبهام.

- حية: أي: حال كونها فيها حياة.

- فهو ميْت: بإسكان الياء لأنه لحقها الموت حقيقة، أي: فهو نجس كالميتة، وحرام لا يجوز أكله.

- يجبون: يقطعون

- أَلَيات: بفتح أوله واللام: جمع أَلْية بفتح وسكون؛ وهي طَرَف الشاة.

الدلالات الفقهية:

مناسبة هذا الحديث لباب المياه: أنه لو سقط ذلك المقطوع من الحيوان في الماء فكأنما سقط فيه نجس، سواء غيَّره أو لم يغيِّره.

1- (فيه أن ما انفصل من الحيوان وهو حي فله حكم الميتة في نجاسته وتحريم أكله، وهذا متفق عليه)، كما قاله ابن المنذر[12]. وهذا عام مخصوص بما قطع من حيوان ميتته طاهرة، كالجراد والسمك، فيكون طاهرًا، فما وقع منه في ماء فهو طاهر.

2- يستثنى من هذا العموم أيضًا فأرة المسك التي تقطع من غزال المسك وهي حية، فإنها طاهرة بالسنة والإجماع، لأنها بمنزلة البيض والولد والصوف واللبن.

3- ويستثنى منه أيضًا ما ندَّ من الإبل ونحوها، لا يقدر على ذكاتها، فيقطعون منها بسيوفهم حتى يؤتى عليها فتموت، فإنه طاهر حلال أكله.

4- ما قُطع من الشعر والصوف والوبر ونحوها طاهر باتفاق أهل العلم؛ لأن الحياة لا تسري فيه، قال الله تعالى ممتنا على عباده: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [النحل: 80].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

الرفق بالحيوان، فالقطع من البهيمة وهي حية فيه تعذيبٌ لها.

طريقة الاستدلال:

- (ما) في قوله: «ما قُطع..» موصولة أو شرطية، وهما من صيغ العموم؛ فكل ما قطع من حيوان ينجس بالموت فهو نجس، ويفهم منه أن ما قطع من حيوان لا ينجس بالموت كالسمك فهو طاهر.

ضابط: ما قطع من حيوان حي فهو كميتته طهارة ونجاسة، وهذا متفق عليه بين العلماء[13].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة