باب إزالة النجاسة وبيانها
حكم الخمر من حيث الطهارة والنجاسة:
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90] قال الشنقيطي: (يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين؛ لأن الله تعالى قال: إنها رجس، والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس. وقيل: إن أصله من الركس، وهو العذرة والنتن. قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [الإنسان: 21]؛ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك)[1].
27- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا. قَالَ: «لَا»، أخرجه مسلم.
- الخمر: ما خامر العقل وغطَّاه، واصطلاحًا: ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء كان من العنب أو التمر أو غيرهما.
- الخلَّ: ما حَمُض من عصير العنب وغيره.
- اتخاذ الخمر خلًّا: المراد به: علاجها حتى تصير خلًّا بعدما تشتد وتقذف الزبد، ويتم ذلك بوضع شيء يسير فيها، من خلٍّ أو غيره.
1 - تحريم الخمر، وتحريم اتخاذها ولو لغير الشرب.
2 - الخمر نجسة عند الجمهور[2]، فإذا أصابت البدن أو الثوب أو المكان وجب غسله للنجاسة. وذهب بعض العلماء إلى أنها طاهرة، ورجَّح هذا القول ابن الأمير الصنعاني والطاهر بن عاشور من المتأخرين [3].
3 - لا يجوز تخليل الخمر بإلقاء شيء فيها، ولا تطهر بالتخليل عند الشافعية والحنابلة ورواية عن مالك[4]، بل تبقى نجسة محرمة، فإذا تخللت بنفسها، صارت خلاّ طاهرًا جائزَ الأكل بالإجماع[5].
4 - وجوب إتلاف الخمر وعدم إبقائها حتى تحول خلًا.
5- في الحديث أن الخمر لا يمكن تطهيرها.
1 - وجه الاستدلال على نجاسة الخمر من الحديث أنها لو لم تكن نجسة لأذن النبي ﷺ بمعالجتها حتى تصير خلًا، فتطهر بذلك، ولكنه ﷺ قال: «لا»؛ أي: إن معالجتها وتحويلها إلى الخل لا يطهرها.
2 - قاعدة: ما حرم شربه أو أكله أو استعماله، يحرم اتخاذه واستعماله على هيئته المحرَّمة[6]، فلا يجوز اتخاذ الخمر، ولا الخنزير، ولا الآلات الموسيقية في أي غرض كان.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: قال الله: ﴿ ﭐ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [النحل: 5] فهذه للأكل، ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 8] فهذه للركوب.
28- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان يوم خيبر، أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة، فنادى: «إِنَّ الله وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْـحُمُرِ اَلْأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ» متفق عليه.
- يوم خيبر: أي: يوم غزوة خيبر، وهي بلدة تقع شمال المدينة على نحو 160 كم منها، وكان يسكنها اليهود، فتحَها النبي ﷺ في السنة السابعة للهجرة.
- الحُمُر: بضمتين؛ جمع حمار.
- الأهلية: مؤنَّث الأهلي، نسبة إلى الأهل، أي: الأليفة، وتسمى أيضًا: الإنسية، وضدها الحُمُر الوحشية.
- الرِّجْس: بكسر الراء وسكون الجيم؛ كل شيء يستقذر.
1 - في الحديث دليل على تحريم لحوم الحُمُر الأهلية ونجاستها، وهو مذهب الجمهور[7].
2- في الحديث دليل على مشروعية النداء لبيان المهمات من الأحكام وغيرها، ويلحق به استخدام الوسائل الحديثة الموصلة للصوت.
3 - جواز جمع اسم الله تعالى مع غيره في ضمير واحد؛ للحديث، وفيه إيماء إلى أن ما نهى الله عنه فقد نهى رسوله عنه، وكذا العكس، فهما متلازمان.
4- في الحديث أن الذكاة لا تطهِّر ما لا يحل أكله.
5- أنه ينبغي لأمير الجيش تفقد أحوال رعيته ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع أشاع منعه إما بنفسه -كأن يخاطبهم- وإما بغيره بأن يأمر مناديًا فينادي لئلا يغتر به من رآه فيظنه جائزًا[8].
1- الضمير في: (فإنها) يحتمل عَوده على الحمُر، فيشمل جميع أجزائها، حتى عرقها وريقها ودمع عينيها وما يخرج من أنفها نجسًا حال حياتها وبعد موتها، ويحتمل عَوده على اللحم الذي في القدور، فيكون اللحم نجسًا مع الدم، والثاني هو الراجح؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يركبونها، ولو كانت نجسة لبيَّن ذلك؛ لأنه يصيبهم مِن عَرقها[9]. ولأنه لا يمكن التحرز منها لمقتنيها فعفي عنها كما عفي من الهرة لتطوافها، فإن المشقة تجلب التيسير.
2 - قوله: (ينهيانكم) ظاهر في التحريم، لأن النهي يقتضي التحريم ما لم يصـرفه صارف إلى غير ذلك.
3 - استدل العلماء بمفهوم الصفة على إباحة لحوم الحمر الوحشية، وذلك أنه عندما نهي عن الحُمُر الموصوفة بالأهلية؛ فُهم منه أن (الوحشية) ليست من المنهي عنه.
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٢١ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ [المؤمنون: 21، 22].
لما كان مأكول اللحم مما تكثر مخالطته بركوب ونحوه مع ذكر القرآن له بهذا -كما قال: ﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ - دون التنبيه على التحرز من لعابه دل ذلك على طهارته.
29- عن عمرو بن خارجة رضي الله عنه قال: «خَطَبَنَا النبي ﷺ بِمِنًى وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كَتِفي» أخرجه أحمد والترمذي وصحَّحه. [من منكرات شهر بن حوشب؛ أنكره الجوزجاني في أحوال الرجال (ص:157)].
عمرو بن خارجة: هو عمرو بن خارجة بن المنتفق الأسدي، حليف أَبِي سفيان بْن حرب، سكن الشام.
- الراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى.
- لعابها: اللُّعاب - بضم اللام -: ما سال من الفم.
1 - فيه دليل على طهارة لعاب البعير وطهارة سؤره؛ لأن النبي ﷺ إما أن يكون قد رأى اللعاب يسيل على كتف عمرو، فيكون إقرارًا منه، أو لم يكن قد رآه، وذلك حجة أيضًا؛ لأن الله تعالى يعلم ذلك، والوحي ما زال ينزل، ولو كان في ذلك شيء لنزَل على نبي الله ما يُشير إليه.
2 - يأخذ حكم البعير في هذا الباب سائر بهائم الأنعام من البقر والغنم وغيرها من كل حيوان مباح الأكل، بلا خلاف بين أهل العلم[10].
3 - جواز اتخاذ الخطيب من يساعده في مهمته في إبلاغ خطبته، وتوجيه الناس أو تسكيتهم أو ترتيبهم[11].
4- الحديث دليل على أنه ينبغي للخطيب أن يكون على مكانٍ عالٍ كمنبر وكرسي ونحوهما؛ لأنه أظهر لصوته، وأبلغ في الإعلام، وأهيب للسامعين، وأسهل للسؤال[12].
5- فيه دليل على جواز الخطبة والموعظة على الراحلة وأن هذا مباح لوجود المصلحة، ولأنه لا يتكرر ولا يطول.
6- استحباب الخطبة ثاني أيام التشريق بمِنًى من ولي أمر المسلمين أو نائبه؛ ليعلِّم النَّاس بقيَّة أحكام المناسك ووداع البيت؛ فإنَّ هذه الخطبة منه ﷺ هي في ذلك اليوم.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - شدة حرص الصحابة رضي الله عنهم على حفظ السنة وتبليغها حتى أدق الأوصاف كما ذكر الراوي سيلان لعاب راحلة النبي ﷺ وهذا مما يدل على محبتهم له.
2 - انتهاز الفرص لتوجيه الناس ووعظهم من النصيحة لدين الله.
1 - أن ما فُعل بحضرة النبي ﷺ وأقرَّه يُعتبر حجة؛ لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقته[13].
2 - أن ما وقع في زمن النبي ﷺ -ولم ينزل الوحي بتحريمه- فليس بمحرم، وإن لم يكن قد اطلع النبي ﷺ، فإنّ الله يعلمه، كما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل» أخرجه البخاري، قال الحافظ: (كأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نُقَرّ عليه).
قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].
قال الشافعي: (المني ليس بنجس، لأن الله جل ثناؤه أكرم من أن يبتدئ خلق من كرَّمه، وجعل منهم النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وأهل جنته، من نجس؛ فإنه يقول: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ [الإسراء: 70]، وقال جل ثناؤه: ﴿ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ [النحل: 4]، ﴿ ﭐ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [السجدة: 8]، ولو لم يكن هذا في خبر عن النبي ﷺ لكان ينبغي أن تكون العقول تعلم أن الله جل ثناؤه لا يبتدئ خلق من كرَّمه، وأسكنه جنته من نجس، مع ما فيه من الخبر، عن النبي ﷺ)[14].
30- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْسِلُ المنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الغَسْل» متفق عليه.
ولمسلم: «لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ» وفي لفظ له: «لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفُرِي مِنْ ثَوْبِهِ».
عائشة: هي أم المؤمنين أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر الصديق ابن أبي قحافة القرشية التيمية رضي الله عنهم ، كانت أحبَّ نساء النبي ﷺ إليه، توفي رسول الله ﷺ وعمرها 18 عامًا، أفقه نساء الأمة على الإطلاق، ومن أفضل النساء وأعلمهن وأعقلهن، كانت كثيرة الصدقة، ماتت في المدينة في رمضان سنة (58هـ) وقد قارب عمرها السبعين.
- المني: سائل أبيض ثخين، يخرج من القُبُل بشهوة ولذة.
- أثر الغسل: أي: علامة غسل المكان.
- أفرُكه: الفَرْك - بفتح الفاء وسكون الراء-: الدَّلْك والحَكُّ حتى يتقشَّر ويتفتَّت.
- يابسًا: أي: جافًا لا رطوبة فيه.
1 - فيه دليل لمن يقول بطهارة مني الآدمي؛ لأنه ﷺ ترك المني حتى يبس، ثم اكتفى بحكِّه، وفي تركه المني حتى ييبس -وقد عرف من هديه ﷺ المبادرة إلى إزالة النجاسات- دليل على طهارته، واكتفاؤه بحكِّه دليل على أن ذلك لأجل النظافة لا النجاسة؛ إذ لو كان نجسا لما أجزأ فركه كسائر النجاسات، وهو مذهب الشافعي وأحمد[15].
2 - استحباب غسل المني رطبًا، وجواز فركه يابسًا.
3 - فيه دلالة على أن النجاسة إذا ذهب عينها لا يضر بقاء أثرها ولونها هذا عند من يقول بنجاسة المني.
4 - فيه خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - فضل عائشة رضي الله عنها.
2 - يُسر الشريعة والحث على عدم التكلُّف في شيء من شؤون الحياة.
3- ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد والتقلل من الحياة الدنيا ومتاعها؛ إذ ثوب نومه هو ثوب صلاته وخروجه، وذلك كله إرشاد للأمة لترك الحرص على الدنيا والرغبة فيما عند الله تعالى.
1 - الأصل في عبارة: (كان يفعل كذا) أنها تدل على التكرار والمداومة على الفعل، ما لم يأت دليل أو تقم قرينة على خلاف ذلك، وهنا جاء الغسل مقرونًا بـ (كان)، وجاء في الحديث الثاني الفرك والحك، فدل على أن غسل المني لم يكن على الدوام.
2 - غسل المني ليس بواجب لأنه ليس فيه إلا فعله ﷺ ولم يثبت فيه أمر؛ إذ الأصل أن لا تحمل أفعال النبي ﷺ على الوجوب، إلا إذا كانت بيانًا لواجب من الواجبات، فتصير تلك الصفة للفعل الوارد واجبة؛ لأنها جاءت مُبيِّنة لكيفية الواجب.
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6].
أمر الله بالتطهر من الغائط ومنه البول، وهذا يدل على أنه نجس، ولم يفرق بين بول صغير أو كبير وإنما ذكر في الآية رفع الحرج، قال النووي: (وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري قال الخطابي وغيره وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من أجل أن بوله ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف في إزالته فهذا هو الصواب )[16].
31- عن أبي السمح قال: قال رسول الله ﷺ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ اَلْـجارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ اَلْغُلَامِ» أخرجه أبو داود، والنسائي، وصحَّحه الحاكم. [وحسَّنه البخاري فيما نقله النووي في المجموع (2/589)].
32- وعن أم قيس بنت مِحْصَن رضي الله عنها: «أنها أتت بابنٍ لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حِجْره، فبالَ على ثوبه، فدعا بماء فَنَضَحه ولم يَغسِلْه». متفق عليه.
1 - أبو السمح: مشهور بكنيته، يقال: اسمه إياد رضي الله عنه، خادم رسول الله ﷺ ومولاه، يقال: لا يُدرَى أين ومتى مات.
2 - أم قيس بنت محصن: هي أم قيس بنت محصن الأسدية، أخت عكاشة بن محصن، كانت ممن أسلم قديمًا بمكة، وبايعَت وهاجرت إلى المدينة.
- الجارية: تُطلق على الفتيَّة من النساء، وسميت (جارية) لخفَّتها وسرعة حركتها، والمقصود بها هنا: الطفلة الصغيرة في زمن الرضاع.
- يُرَش: الرَّش: صب الماء متفرقًا بخفة مع التعميم، وهو دون الغسل، فلو عُصـر الثوب لم يتقاطر منه الماء.
- الغلام: يطلق على الولد الصغير من الولادة إلى البلوغ، وقد يطلق على ما بعد البلوغ مجازًا، والمقصود في الحديث: الرضيع الذي لم يأكل الطعام بعد.
- فنضحه ولم يغسله: النضح: رش الماء[17]، وهو دون الغسل.
في سنن ابن ماجه (526) عن أبي السمح قال: كنت خادم النبي ﷺ، فجيء بالحسن أو الحسين، فبال على صدره، فأرادوا أن يغسلوه، فقال رسول الله ﷺ «رشه، فإنه يغسل بول الجارية، ويرش من بول الغلام».
1 - نجاسة بول الطفل الذَّكَر الرضيع بإجماع العلماء خلافًا لداود الظاهري[18]، لكنها نجاسة مخففة، بخلاف بول الأنثى الرضيعة.
2 - يُكتفَى في تطهير بول الذَّكر الرضيع بالرشِّ أو النضح بحيث يعمُّ مكان البول، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
3 - بول البنت الرضيعة نجس لا بد فيه من الغسل كسائر النجاسات.
4 - النضح في بول الصبي يجزئ ما دام لا يتغذى إلا على الرضاع، فإذا أكل الطعام على جهة التغذية، فإن بوله مثل بول الكبير في الحكم، ويجب فيه الغسل بلا خلاف[19].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال ابن القيم: (إن التفرقة بين بول الغلام والجارية من محاسن الشـريعة وتمام حكمتها ومصلحتها. والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه: أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكور، فتعمُّ البلوى ببوله، فيشق عليه غسله. والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا هاهنا وهاهنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى. الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر..، وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق)[20].
2 - روى ابن ماجه عن أبي اليمان المصري، قال: سألت الشافعي، عن حديث النبي ﷺ «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية»، والماءان جميعًا واحد. قال: (لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقنت؟ قال: قلت: لا. قال: إن الله تعالى، لما خلق آدم، خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم. قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال لي: نفعك الله به). اهـ. قال ابن الملقن: (وهذا عزيز حسن لا يعدل عنه إلى غيره، والعجب أن أصحابنا أهملوا ذلك في كتبهم وهو قول إمامهم). اهـ
3 - الندب إلى حسن المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم.
دلَّت الأحاديث الكثيرة على نجاسة البول عمومًا، وأنه يجب فيه الغسل واستثنى الغلام في حديث أبي السرح، فكان يُنبغي أن يستثنى بول كل ذكر دون البلوغ جمعًا بين الأدلة؛ لأن الغلام هو الولد دون البلوغ، لكن قيَّد حديث أم قيس هذا المطلق، وبيَّن أن المراد بالغلام الرضيع الذي لم يأكل الطعام.
نجاسة دم الحيض، وكيفية تطهيره:
قال تعالى: ﴿ ﭐ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222].
قال ابن كثير: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ ﭐ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ﴾ أَيْ: مِنَ الدَّمِ ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أَيْ: بِالمَاءِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَغَيْرُهُمْ). اهـ. وإخبار الله تعالى عن انقطاع دم المرأة بقوله: ﴿ ﭐ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ﴾ يدل على نجاسته.
33- عن أسـماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال في دم الحيـــض يصيب الثوب: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْـمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» متفق عليه.
34- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت خولة: يَا رَسُولَ الله، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ اَلدَّمُ؟ قـال: «يَكْفِيكِ اَلْـمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» أخرجه أبو داود وسنده ضعيف. [قال البيهقي في الكبير (5/63): إسناده ضعيف، تفرد به ابن لهيعة].
أسماء بنت أبي بكر: هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، ذات النطاقين، أسلمت قديمًا في مكة بعد إسلام سبعة عشـر إنسانًا، وتزوجها الزبير بن العوام، كانت سخيَّة النفس، بلغ عمرها مائة سنة، لم يسقط لها سن، ولم يتغيَّر لها عقل، وماتت بعد قتل ابنها عبد الله ابن الزبير بِلَيالٍ، سنة (73هـ).
عن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال: «تَحُتُّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه».
أن خولة بنت يسار رضي الله عنها أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: «إذا طَهُرتِ فاغسليه، ثم صلي فيه» فقالت: فإن لم يخرج الدم؟ فذكر بقية الحديث.
- الحيض لغة: السيَلان، يقال: (حاض الوادي) إذا سال.
وشرعًا: دم طبيعي يُرخيه رحم الأنثى إذا بلغت في أوقات معلومة من غير سبب.
- تحتُّه: أي: تحكُّه وتقشره حتى تزول عينه، فيسهل غسله بالماء.
- تقرصه: أي: تدلكه بأطراف أصابعها بالماء، ليتحلَّل.
- تنضحه: أي: تغسله.
- لا يضرك: أي: لا ينقص من طهارة ثوبك بقاء لون الدم بعد الغسل.
1 - في حديث أسماء دليل على نجاسة دم الحيض.
2 - وفيه: أن الأفضل في إزالة النجاسة اليابسة فرك الدم ليزول جِرْمه، ثم دلكه بالماء، ثم غسله به.
3 - وفيه: جواز الصلاة في الثوب الذي حاضت فيه المرأة بعد غسله.
4 - وفيه: أن الواجب في النجاسة هو إزالتها، ولا يشترط عدد معين في تطهيرها، إلا ما نص فيه على عدد مثل الكلب.
5 - أوجب الجمهور تطهير النجاسات بالماء، قالوا: ولا يجزئ عنه غيره ولو زالت به النجاسة، وذهب الحنفية إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بكل ما يزيلها ويرفع عينها ولو من غير الماء، واختاره شيخ الإسلام[21].
6 - في حديث أبي هريرة دليل على أن بقاء أثر الدم بعد الغسل لا يضر.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حرص الدين الإسلامي على النظافة والطهارة من النجاسات الحسّية والمعنوية، ليكون على أكمل هيئة، وأحسن زينة؛ حين مناجاة ربِّه تبارك وتعالى.
2- من مظاهر سماحة الشريعة ويُسرها عفوها عما فيه حرج وعنت على المسلم. قال ابن تيمية رحمه الله: (لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشـرين ومنذرين، ولا ييسر آمِرٌ على مأموريه ويرفع عنهم ما لا يطيقونه إلا واللهُ تعالى أعظم تيسيرًا على مأموريه، وأعظم رفعًا لما لا يطيقونه عنهم، وكل من تدبر الشـرائع لا سيما شريعة محمد ﷺ وجد هذا فيها أظهر من الشمس) [22].
استدل العلماء على عدم اشتراط الطريقة الواردة في حديث أسماء في إزالة دم الحيض بأنه: يكفي تحقُّق الحكم إذا كان معقول المعنى، ولا تشترط له صفة معينة، وإزالة النجاسة من الأمور التي يعقل معناها، لذلك لو زالت بالماء فقط لكفى.
وعلى القول بجواز إزالة النجاسة بكل ما يزيلها، فمتى زالت بأي مزيل زال حكمها، ولا يتعين الماء مطهِّرًا. واستدل القائلون بجواز إزالة النجاسة بكل مزيل بأن ذكر الماء للتطهير في النصوص الشرعية يدل على طهوريته والتطهير به، ولا يصلح ذلك دليلا على نفي التطهير بما عداه؛ لأنه من الاستدلال بمفهوم اللقب وليس بحجة، وإنما ذكر الماء لأنه الأغلب في الاستعمال والأيسر.