حجم الخط:

محتوى الدرس (7)

صفة الوضوء وحكم التسمية عليه:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6]

وقال الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44]

[الأحاديث]

41- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه بإسناد ضعيف. وللترمذي عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد نحوه، قال أحمد: (لا يثبت فيه شيء). [وضعَّفه أبو حاتم وأبو زرعة في العلل (129)، وقال العقيلي في الضعفاء (1/602): الأسانيد في هذا الباب فيها لين].

42- وعن حُمران: أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اَلْيُمْنَى إِلَى اَلْـمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اَلْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اَلْيُمْنَى إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اَلْيُسْـرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا». متفق عليه.

43- وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: «رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق». أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف، [قال النووي في المجموع (1/360): (اتفق العلماء على ضعَّفه)].

44- وعن عليٍّ رضي الله عنه -في صفة الوضوء-: «ثم تمضمض ﷺ واستنثر ثلاثًا؛ يمضمض ويستنثر من الكف الذي يأخذ منه الماء». أخرجه أبو داود والنسائي. [صحَّحه ابن حجر في التلخيص الحبير (1/203)].

45- وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه -في صفة الوضوء-: «ثم أدخل ﷺ يده، فمضمض واستنشق مِن كفٍّ واحد، يفعل ذلك ثلاثًا». متفق عليه.

46- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر» متفق عليه.

47- وعن عليٍّ رضي الله عنه -في صفة وضوء النبي ﷺ- قال: «ومسح برأسه واحدة». أخرجه الثلاثة بإسناد صحيح. قال الترمذي: (إنه أصح شيء في الباب). [صحَّحه ابن حجر: التلخيص الحبير (1/203)].

48- وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه -في صفة الوضوء- قال: «ومسح رسول الله ﷺ برأسه، فأقبل بيديه وأدبر». متفق عليه. وفي لفظ لهما: «بدأ بمقدَّم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه».

49- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما -في صفة الوضوء- قال: «ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السبَّاحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه». أخرجه أبو داود والنسائي وصحَّحه ابن خزيمة. [وقال ابن حجر في فتح الباري (1/233): إسناده جيد لكن عدَّه مسلم في جملة ما أنكر على عمرو بن شعيب لأن ظاهره ذم النقص من الثلاث].

50- وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى اَلْعِمَامَةِ وَالخُفَّيْنِ» أخرجه مسلم.

ترجمة الرواة:

1 - سعيد بن زيد: هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من السابقين إلى الإسلام، وكان عظيم العبادة، مستجاب الدعوة، توفي سنة (50هـ).

2 - عثمان: هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، هاجر الهجرتين، وتزوج ابنتي النبي رقية، ثم أم كلثوم، فسمي ذو النورين، جهز جيش العسرة واشترى بئر رومة وسبَّلها للمسلمين، كان مِن أوصَل الناس لرحمه، كثير الإنفاق في سبيل الله، يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن، وفضائله كثيرة، قتل شهيدًا سنة (35هـ).

3 - طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: هو أبو محمد طلحة بن مُصَـرِّف بن كعب اليامي الهمداني الكوفي، أحد الأعلام الأثبات من التابعين، سيد القراء، وأبوه: مصرف بن عمرو ابن كعب، وهو مجهول، وجدُّ طلحة: هو كعب بن عمرو، والأكثرون على أن له صحبة.

4 - عليّ: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ، تربى في حِجْرِه وآمن به من حين بُعث وعمره عشر سنين، وزَوَّجَه النبي ﷺ ابنته فاطمة رضي الله عنهما، وفضائله كثيرة، اشتهر بالشجاعة والزهد والعلم والعبادة، قتل شهيدًا سنة (40هـ).

5 - عبد الله بن زيد بن عاصم: هو عبد الله بن زيد بن عاصم بن ليث الأنصاري، من بني النجار، كان فارسًا شجاعًا، وكان يطيل القيام في الصلاة، شهد بدرًا، واشترك في قتل مسيلمة الكذاب مع وحشي بن حرب، قتل يوم الحَرَّة سنة (63هـ).

6 - عبد الله بن عمرو: هو عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، هاجر هو وأبوه قبل الفتح، وأسلم قبل أبيه، ولم يكن بين مولدهما إلا اثنتي عشرة سنة. كان كثير العبادة، مواظبًا على قيام الليل وصيام النهار، والبكاء من خشية الله توفي سنة (63هـ)، وقيل (65هـ).

7- المغيرة بن شعبة: هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، وشهد الحديبية، وكان من دهاة العرب، تولى البصرة، ثم الكوفة مرتين، ومات بها سنة (50هـ).

التوضيح:

1 - الوَضوء: بفتح الواو، الماء الذي يُتوضأ به.

2 - المضمضة: تحريك الماء في الفم وتدويره.

3 - الاستنشاق: جذب الماء بالنَّفَس إلى باطن الأنف.

4 - الاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق.

5- الغسل: جريان الماء وإسالته على الأعضاء، أما المسح: فهو إمرار اليد على الشيء الممسوح.

6- الوجه: ما تحصل به المواجهة، وحدُّ الوجه: من منبت الشعر المعتاد إلى أسفل الذقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا.

7- الرأس: حد الرأس: من منابت الشعر التي على جوانب الوجه إلى أعلى الرقبة.

8- الكعبين: الكعبان، هما العظمان الناتِئان عند مفصل الساق.

9 - نحو وضوئي: شبيه وضوئي.

10 - مقدم الرأس: مبدؤه من منابت شعر الرأس المعتاد.

11 - القفا: مؤخر الرأس والعنق.

12 - أدخل إصبعيه: المراد الأُنملة، وهي رأس الإصبع، وهذا من إطلاق الكل وإرادة الجزء؛ كقوله تعالى: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ [البقرة: 19]، والمراد: رؤوس أصابعهم، لا أصابعهم بكاملها؛ لاستحالة ذلك.

13 - السَّبَّاحة: هي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى؛ سميت بذلك لأنه يشار بها عند ذكر الله وتسبيحه.

14 - الإبهام: هي الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد والرجل.

15- ناصيته: الناصية: الشعر الذي يكون في مقدَّم الرأس، وقيل: مقدَّم الرأس مطلقًا، سواء أكان فيه شعر أم لا.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل على مشروعية التسمية على الوضوء، وهي مستحبة عند الجمهور، خلافًا للحنابلة وداود الذين رأوا الوجوب[1].

2 - آية الوضوء تدل على أن النفي في الحديث: «لا وضوء» محمول على الكمال لا الصحة، لأن التسمية لم تَرِدْ في الآية؛ إذ لو كانت واجبة لذكرت كما أمر بها في الصيد في قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة: 4]، كما يدل عليه أيضًا أنه لم يذكر التسمية أحد من الصحابة الذين وصفوا وضوء النبي .

3 - في حديث حُمران دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، وهو مجمع عليه[2].

4 - وفيه: استحباب غسل الكفين ثلاثًا، وهو مجمع عليه، عدا خلافًا شاذًا لا يُعتد به[3].

5- وفيه: استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء مطلقًا.

6 - وفيه: وجوب المضمضة على ما ذهب إليه الحنابلة[4]؛ لأن الفم من الوجه المأمور بغسله، ولحديث: «إذا توضأت فمضمض».

7 - وفيه، وفي حديث أبي هريرة الثاني: وجوب الاستنشاق على ما ذهب إليه الحنابلة[5]؛ لأن الأنف من الوجه، ولحديث: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر».

8- قوله: «ثم غسل وجهه» دليل على الترتيب بين غسل الوجه والمضمضة والاستنشاق، وتأخره عنهما، فيؤخذ منه الترتيب بينها.

9 - وفيه: وجوب غسل الوجه كاملًا، ووجوب غسل اليدين مع المرفقين؛ لأن (إلى) تكون بمعنى: (مع)، والقول بوجوب إدخال المرفقين هو قول الجمهور[6].

10- وفيه استحباب التيامن في تناول ماء الوضوء لغسل الأعضاء، واستحباب التيامن في غسل أعضاء الوضوء.

11- وفيه: وجوب مسح الرأس، والمسح: هو إمرار العضو الماسح على العضو الممسوح.

12- الواجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك وأحمد[7]، والباء في قوله: «برأسه» تفيد الإلصاق والتعميم، ولأن استمرار النبي على ذلك في كل وضوء دليل عليه.

13 - وفيه: وجوب غسل الرجلين مع الكعبين، ونقل الإجماع عليه[8].

14- قوله في حديث عثمان: «ثم غسل كلتا رجليه» صريح في الرد على الروافض في أن واجب الرجلين: المسح.

15- قوله: «ثلاثًا» في حديث عثمان يدل على استحباب التكرار في غسل الرجلين ثلاثًا، وبعض الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرِّجل.

16- فيه الترتيب في أعضاء الوضوء، لإدخال الشارع الممسوح -وهو الرأس- بين المغسولات، وفي وجوب الترتيب خلاف بين أهل العلم.

17 - وفيه: استحباب التثليث في غسل الأعضاء، ويجوز زيادة بعض أعضاء الوضوء على بعض في الغسل، بأن يغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثًا؛ لفعل النبي ﷺ، قال النووي: (أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة)[9].

18- تُكره الزيادة في الوضوء على ثلاث مرات بالإجماع [10].

19- في حديث عليٍّ (الأول)، وحديث عبد الله بن زيد دليل على أن الأفضل المضمضة والاستنشاق من غَرفة واحدة، بحيث يأخذ نصف الغَرفة لفمه، ونصفها لأنفه، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وأما حديث طلحة في الفصل بين المضمضة والاستنشاق، فهو حديث ضعيف[11].

20 - في حديث عليٍّ (الثاني) دليل على أن السنة مسح الرأس مرة واحدة، وهو مذهب الجمهور[12].

21 - في حديث عبد الله بن زيد (الثاني) أن السنة في مسح الرأس: أن يبدأ بمقدم رأسه، فيذهب بيديه إلى قفاه، ثم يردهما حتى يصل إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشعر على حد الوجه، والحكمة من هذه الصفة استيعاب جهتي الرأس بالمسح؛ لأنه مع الذهاب والإياب يكون قد مر على شعره من الجهتين.

22 - في حديث عبد الله بن عمرو دليل على مسح الأذنين في طهارة الوضوء، وكثير من الألفاظ الصحيحة ليس له فيها ذكر، فيؤخذ استحبابه من هذا الحديث وغيره، والحكمة من تخصيص الأذن بالمسح لتطهيرها ظاهرًا وباطنًا، لتخرج الذنوب التي كسبتها الأذن، فعن عثمان قال: قال رسول الله : «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره».

23 - وفي حديث عبد الله بن عمرو: أن السنة في مسح الأذنين: أن يُدخل إصبعيه السباحتين في صِماخي أذنيه لمسح باطنهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما الذي يكون من جهة الرأس.

24 - في حديث المغيرة دليل على جواز المسح على العمامة، وهو مذهب الإمام أحمد، خلافًا لمن استدل به على جواز الاقتصار على مسح بعض الرأس، قال ابن القيم: (ولم يصحَّ عنه ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمَّل على العمامة...)[13].

25 - وفيه: دليل على جواز المسح على الخفين إذا لبسهما على طهارة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من مقاصد الشرع: طهارة المؤمن وتهيُّؤه عند الإقبال على مقابلة ربه والوقوف بين يديه.

2- من مقاصد الشرع في التخفيف: أنه لم يشرع غسل الرأس للمشقة؛ لأن الرأس يكون عليه الشعر غالبًا، وإكثار الماء عليه ولا سيما في أيام الشتاء يؤذي الإنسان، ولأنه لو غُسِلَ وهو أعلى البدن لتسرب الماء إلى الثياب، فشُرع مسح الرأس، وأقام الشرع ذلك مقام غسله؛ تخفيفًا ورحمة بالعباد[14].

3 - حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الاهتداء بهدي النبي ﷺ في جميع الأمور.

4- التعليم بالفعل أقرب إلى الفهم من التعليم بالقول، والتعليم بالقول والفعل أبلغ، وهذا ما يسمى في التربية: وسائل الأيضًاح والتعليم عن طريق السمع والبصـر[15].

5 - الوضوء تطهير حسي ومعنوي للمؤمن، فهو أيضًا يغسل الذنوب التي كسبتها جوارحه، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ الرجل المسلم خرجت خطاياه من سمعه وبصـره ويديه ورجليه، فإن قعد قعد مغفورًا له»[16].

طريقة الاستدلال:

قوله: «لا صلاة لمن لا وضوء له» لا: لنفي الجنس، وهذا النفي إذا جاء في الشرع فله ثلاث مراتب:

الأولى: نفي الذات أو نفي الوجود؛ كقولنا: لا فاطر إلا الله، أي: لا مُوجد من العدم إلا الله، فلا ولم يوجد غيره من يفعل ذلك.

الثانية: نفي الصحة؛ كقوله ﷺ: «لا صلاة إلا بوضوء»، أي: لا صلاة صحيحة؛ لإمكان أن يصلي الإنسان وهو غير متوضيء، فهنا قد يوجد الشيء، ولكنه لا يصح.

الثالثة: نفي الكمال؛ كقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»؛ وذلك لورود نصوص تثبت صحة إيمان من لم يفعل ذلك.

والأصل أن النفي في النصوص الشرعية يراد به نفي الصحة؛ لأنه مقدم على نفي الكمال، إلا إن وجد دليل يبيِّن أن المراد نفي الكمال فيُحمل عليه.

وهذا الحديث من القسم الأخير، أي: لا وضوء كامل بغير تسمية؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الصحيحة الأخرى التي جاءت في صفة الوضوء، وكلها ليس فيها تسمية.

ما يشرع عند الاستيقاظ من نوم الليل:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ [الأنفال: 11].

جعل الله إنزال الماء عليهم تطهيرًا لهم وإذهابًا لرجز الشيطان، وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الشيطان يبيت على الخيشوم، ولذا شرع الاستنثار وغسل اليدين، والله أعلم.

[الأحاديث]

51- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ» متفق عليه.

52- وعنه مرفوعًا: «إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي اَلْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.

التوضيح:

1- يبيت: المبيت: إدراك الليل.

2- خيشومه؛ بفتح الخاء المعجمة وبسكون الياء التحتانية وضم المعجمة وسكون الواو: هو الأنف، وقيل: المنخر.

3 - فليستنثر: الاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه.

4 - فإنه لا يدري أين باتت يده: أي: أين كانت يده حين نومه.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث الأول دليل على مشروعية الاستنثار ثلاثًا عند الاستيقاظ من النوم، ولم يذهب إلى وجوبه أحد، عدا الظاهرية[17].

2 - في الحديث الثاني دليل على مشروعية غسل اليدين بعد القيام من نوم الليل ثلاث مرات، والنهي عن غمس اليد في الإناء للمستيقظ من نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا، وأوجب الحنابلة هذا الغسل إذا كان من نوم الليل، خلافًا للجمهور الذين حملوا الأمر على الاستحباب فقط، ولم يقيدوه بنوم الليل[18]. والأحوط أن يغسل يده من النوم مطلقًا من غير فرق بين نوم الليل ونوم النهار.

قيل: إن سبب هذا الأمر: أنهم كانوا يستنجون بالأحجار، فربما وقعت اليد على المحلِّ وهو عرق، فتنجست، فإذا وضعت في الماء نجَّسته؛ لأن الماء المذكور في الحديث: هو ما يكون في الأواني التي يتوضأ منها، والغالب عليها القلة، وقيل: إن الإنسان لا يخلو من حكِّ بثرة في جسمه، أو مصادفة حيوان ذي دم فيقتله، فيتعلق دمه بيده[19].

3 - استحباب غسل محل النجاسة ثلاثًا؛ لأنه إذا أمر به في النجاسة المتوهَّمة ففي المحققة أولى[20]، وذهب الحنابلة إلى وجوب الثلاث لأن النبي ﷺ أمر بغسلها ثلاثًا؛ ليرتفع وهم النجاسة، ولا يرفع وهم النجاسة إلا ما يرفع حقيقتها[21].

4- أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش.

5-استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد الوسوسة[22].

6- يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما ورد في الحديث الثاني يشبه ما تقدم من تعليل الاستنثار بأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان في الحديث الأول، فيمكن أن المراد بهذا الحديث ما خشي من عبث الشيطان بيد الإنسان وملامستها، مما قد يؤثر على الإنسان، وتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار[23]، وعلى هذا الرأي فإن من تيقن أين باتت يده كمن لفَّ عليها خرقة أو وضعها في جراب فاستيقظ وهي على حالها فإنه يؤمر بغسلها أيضًا.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - بيان حرص النبي ﷺ على أمته؛ وأنه لم يدع خيرًا ينفعهم إلا بيَّنه لهم ليفعلوه، ولا شرًّا يضرهم إلا حذَّرهم منه ليجتنبوه.

2 - وفيه: أن الشيطان يبيت على الخيشوم حقيقة، ومثل هذه الأحكام السمعية إذا صحَّت، فالواجب على المؤمن التصديق بها والتسليم؛ ولو لم يدرك كيفيتها، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85][24].

3- بيان خطر الشيطان وأنه لا يألو جهدًا في الإضرار بابن آدم حتى في منامه.

4- أنواع إيذاء الشياطين لبني البشر كثيرةٌ جدًا؛ منها: أنه يأكل من طعامه ويشـرب معه ويدخل بيته، ويبيت على خيشومه، ويدخل مع التثاؤب، ويتلاعب بابن آدم في منامه، ويوسوس له في صلاته، ويذكِّره بما يُلهيه عنها، ويتخلَّل صفوف المصلين في الصلاة، ويتخبط الإنسان عند الموت، ويحرش بين المصلين، ويجري من ابن آدم مجرى الدم، فعلى المسلم أن يحترز منه؛ وذلك بالتزام الآداب الشرعية والمحافظة على الأوراد والأذكار التي تقال عند النوم وعند الاستيقاظ منه.

طريقة الاستدلال:

1 - في قوله ﷺ: «فليستنثر» دليل لمن يقول بوجوب الاستنثار؛ لأنه عبر بالمضارع المقرون بلام الأمر، وهي من الصيغ الدالة على الوجوب.

2- واستدل الجمهور على أن الأمر بالاستنشاق والاستنثار الوارد في الأحاديث محمول على الندب بحديث الأعرابي في السنن، وفيه أن النبي ﷺ قال له: «توضأ كما أمرك الله»؛ فإنه أحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق[25].

وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لا يعيد. قال ابن حجر: (وهذا دليل قوي؛ فإنه لا يُحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة)[26].

3 - يشرع الاستنشاق عند الاستيقاظ من نوم الليل بدلالة اللزوم، وبيانه: أن الاستنثار لا يكون إلا بعد الاستنشاق، وما لا يتم المشروع إلا به، فهو مشروع.

4 - (لا) الناهية في قوله: «فلا يغمس» تدل على التحريم، فغمس اليد بعد نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا محرَّم عند الحنابلة؛ لأنه لم يوجد ما يصرف النهي عن التحريم، واستدل الجمهور لعدم حمل الأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء على الوجوب بوجهين:

الأول: حديث الأعرابي المتقدم.

والثاني: أن الأمر وإن كان ظاهره الوجوب إلا أنه يصرف عن الظاهر لقرينة ودليل، وقد دل الدليل وقامت القرينة ههنا؛ فإنه ﷺ علَّل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودًا، والأصل: الطهارة في اليد، فلتُستصحَب [27].

5 - استدل الحنابلة على أن النهي في الحديث الثاني مقيد بنوم الليل: بأن الحكم وارد ابتداءً على نوم الليل، قالوا: وهـذا من باب تخصيص العام بالعلة المنصوصة، فالمبيت لا يكون إلا في الليل، فهو من العام الذي أريد به الخاص.

وذهب الجمهور إلى تعميم الحكم على نوم الليل ونوم النهار؛ لأن النوم في الحديث مفرد مضاف، فدل على العموم، والقاعدة: أن ذكر بعض أفراد العام بما يوافق حكم العام لا يكون تخصيصًا للعام، وقد ورد في صفة وضوء النبي ﷺ من غير تعرض لسبق نوم. واستدلوا بأن النبي ﷺ نبَّه على العلة بقوله ﷺ: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، ومعناه أنه لا يأمن النجاسة على يده، وهذا عام لوجود احتمال النجاسة في نوم الليل والنهار وفي اليقظة، وذكر الليل أولًا لكونه الغالب، ولم يقتصر عليه خوفًا من توهم أنه مخصوص به، بل ذكر العلة بعده[28].

6 - قاعدة: قال الأصوليون: إذا ذكر الشارع حكمًا، وعقّبه وصفًا مُصدَّرًا بالفاء أو بأن أو بهما؛ كان إيماءً إلى ثبوت الحكم لأجله [29]. ومثاله هنا: قوله: «فإن الشيطان يبيت على خيشومه» هذه الصيغة فيها بيان العلة من الأمر بالاستنثار.

وقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» هذه الصيغة أيضًا فيها بيان العلة من النهي عن غمس اليد قبل غسلها ثلاثًا.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة